محمد حسن النحات - تداعيات رجل مهزوم .. قصة قصيرة

ابليس أنهكه الفرار و ضاقت عليه طرقات مكة الحجرية و امتحنه الرب ببقعة أشد لهبا من نار السموم ، و بالأسمر متين البنية ، الطويل كالنخل ، الأصلع و اسع الخطى.
وعند ناصية بيت أبي جهل ارتطم بأحد أبنائه ، فصرخ لاهثا :
أهرب ، إنه عمر.
كل شئ يحترق ، عشش القش والحطب ، الرمل الممزوج بالدم والأحزان، ذكرى الليالي الحميمية القليلة التي تشبعت بها الحوائط الهزيلة ، النقود الورقية ، أكياس الطعام المواربة من عيون الأطفال الجوعى ، وجه أمي تحت الوسادة. و أزكمت الأنوف رائحة اللحم المشوي لرجل مقعد داهمته النيران ساعة قيلولة ، وأنا كشيطان عمر المذعور أعدو هنا وهنالك ، أهيل التراب على الحرائق ، الناس يهيلونه على النيران و أنا أرشقه في حرائق صدري ، الصخب يصم أذني ، بكاء الأطفال ، وعويل امرأة تحاول خوض النار لإنقاذ زوج متفحم ، النسوة يبادلنها الصراخ والدموع ويمنعنها بالقوة ، عيناي تنزفان ماء تتشربه الأرض العطشى ، أهجس في نفسي بفكرة غبية : ماذا لو بكى كل رجال و نسوة المعسكر في السطول لنطفئ الحريق؟! ، ماذا لو لم نكن نحن ؟ و لم يكونوا هم هم ؟ ماذا لو أمطرنا الله غيثا.
في عام الجدب صار عمر هزيلا بائن العظم تقرقر بطنه و ازداد سماره دكنة ، وذات يوم تشهت امرأته الحلوى فاتت بدنانير قليلة ليبتاعها لها ، عنفها وأمرها بإعادة المال إلى بيت مال المسلمين ، و قلص راتبه للنصف حتى لا تجد ما تدخره.
أعوامي كلها جدب ، لم أكد أبلغ منتصف العقد الثالث إلا أنني رأيت أهوالا لن يراها عجوز يسكن المدن البعيدة ، تلك التي يقال أن لكل بيت فيها شموس صغيرة بيضاء متلألئة تحيل لياليه إلى نهار ، و ماءها كالسحر يسرى في كل أنحاء البيوت الثابتة فلا ريح تهزها ولا مطر يجرفها والأهم لا حرائق تأكلها ، و الناس جميعهم نظيفين كالخواجات الذين ينزلون أحيانا علينا.
قريتي الأولى لا أذكرها جيدا ، شاهت الذكريات مثل سواد يزحف في أثر شمس غاربة ، ظلمة حالكة لكن ثمة بصيص يمكنني من إدراك القليل ، لابد أننا كنا في رغد من العيش ، أخي الأكبر كان بدينا و يدعني أتزحلق على بطنه المقبب الأملس و هو يضحك ، كنا خمسة ذكور ، وكانت أمي بوجه بشوش وعينين حنونتين ، وكان أبي دائم الابتسام.
أوصى عمر قائد جيش الفتح سعدا : "... و نح منازلهم عن قرى أهل الصلح و الذمة ، فلا يدخلها من أصحابك إلا من تثق بدينه ، و لا ترزأ أحدا من أهلها شيئا ؛ فإن لهم حرمة ". ذعر مفاجئ ، همس ما لبث أن صار ثرثرة ضاجة ، خطيب الجمعة يصرخ و يؤكد على السمع والطاعة، أصوات مزعجة ووعيد عبر ميكرفونات نصبت على مبعدة عن شمال القرية ، أمي تبكي ، أبي ينبش شيئا ما تحت شجرة المانجو ، وخرجنا جميعا مخلفين وراءنا بعض تعساء الحظ عنيدي الرأي ، واختفت ابتسامة أبي إلى الأبد ، لابد أنه قد تركها هنالك حيث تومض الأشياء كالبرق ثم تدوي كألف رعد.
عندما أراد عمر الهجرة تقلد سيفه و أتى القوم وهم في ثرثرتهم و لغطهم عن أتباع الدين الجديد وجاهرهم فتشاغلوا عنه جبنا ووصل إلى طيبة آمنا. يا غبي من أين يأتي هؤلاء الخواجات البيض في رأيك ؟! و لم أحتج إلى كثير من الشد و الجذب ، أقنعني " قوني" بالهجرة حيث الجنة الجاثمة خلف البحر ، وعندما توضع نقودا في جيبك وفوهة بندقية على صدغك ستصافح قاتلك وتبادله المزاح ، وقفت وثلة من الرجال حاملين لافتات خطت بما لا أستطيع تهجيته ، عربية فصيحة وانجليزية رصينة ، وعندما استجوبني الرجال البيض في خيمة جهزت على عجل لم أجاوبهم إلا بالنفي و دون وخز ضمير
- هل صحيح أنهم اغتصبوا مائتي امرأة في ليلة واحدة ؟
لا ، نساؤونا طاهرات
- أين دفن الرجال الذين أجبروا على مشاهدة نسائهم وهن ينتهكن ثم ربطوا بحبل واحد و أطلقت النيران عليهم ؟
لم يحدث
- هل صحيح أن معظمهن كن قاصرات ؟
هذا كذب و افتراء
خفية خرجت مع " قوني " ... لم أواجه أبي الذي هرم قبل يومه ، ولا إخوتي الخمسة الذين صاروا ثلاثة ، واكتفيت بحمل صورة لأمي التي لم يحتمل قلبها مغادرة الديار فتوفيت كمدا منذ سنوات عدة.
كان كل شيء سيسير على ما يرام لو تحلى المهربون بالصدق والقليل من الأمانة ، حملونا على ظهر شاحنة لأيام ثم تركونا جوار جبل عظيم وأخبرونا أن البحر خلفه وعندما التففنا حوله لم نجد إلا بحرا من الرمال! لازمنا الجوع و الظمأ والإعياء في رحلة العودة ، ولولا نفر من الرعاة حملونا على دوابهم لنهشت أجسادنا النسور ، وعدت على أمل كتابة بداية جديدة ، لكن من قال أن الناس يغفرون ، انفض المسلحون عن معسكرنا فلم نجد نحن شهود الزور ساترا من أهلينا ، ففتكوا بنا كوحوش ضارية ، أبناء عمومتي انتقموا مني جزاء لإبنتهم القاصر التي مثل بها ، تبرأ أبي مني و بصق في وجهي ، زحفت برجل مكسورة و طردت ككلب أجرب ، سرت بوجه دام و روح متشظية في هجرة لا إلى جنة طيبة بل إلى جحيم جديد.
ذات ظهيرة استظل عمر بشجيرة شحيحة الظل ، توسد يده وأسدل جلبابه المرقع عليه وهش الشمس بيده اليسرى ليبعدها عن وجهه ، ربما فكر في أحوال العباد أو ربما تناوشته حالة شوق لصاحبيه ، ارتسمت ابتسامة راضية على شفتيه ، وصارت جلبة الباعة وضحكات الأطفال ورغاء الجمال تخفت رويدا رويدا.
كل شيء يحترق ، قوت الأطفال هزيلي الجسد ، وجه أمي البشوش ، جلباب "زهرة" المهترئ الذي نسته عندي الليلة السابقة ، قربة المريسة أسفل سريري ، ومرتبتي بنقود حشرتها بالأمس في جوفها ، كيف للنيران أن تصل حتى غرفتي ؟ كيف لها أن تحرق "عيسى" المقعد ؟ يا الله. أدور كفراشة حول النيران ولجبني لا أقع فيها ، تصدمني الأكتاف المتزاحمة وتدوسني الأقدام الغليظة المتشققة ، أهيل التراب على صدري فلا تنطفئ نيران الجوف ولا نيران البيوت ، وأناس داعبهم أمل واهن فهرولوا إلى بئر الماء الذي يبعد مسيرة ساعة لجلب ما يطفئ عطش الحرائق ، امرأة المقعد يريحها الله بإغماءة ، وأنا اليقظ السكران ، تكل قدماي عن حملي فأفترش التراب و دموعي لا تنضب ، أرحلوا .... عودوا إلى قراكم ، لن تتوقف الحرائق حتى تأكل أخركم ، أخذت أهذي بصوت مبحوح تعلوه الضجة. " افعلها معهم أو سيفعلونها بدونك ، لا نريد معسكرات نزوح بعد اليوم ، سنجبرهم على الرحيل" ، و أنا ناشد الخلاص المؤمن بالجنة خلف البحر الكافر بالجحيم تحت البيادة ، أوافق دون وخز ضمير وأدس المال في جيبي و أضاجع "زهرة" حتى الصباح وأعصر العرق على جسدها وأثمل من نهديها ، وعند ظهيرة اليوم التالي أدلق الجاز مع الدالقين ، لكني لم أرد لعيسى الإحتراق لحد الشواء ، ولم أتحسب لجوع اللظى لنقود هجرتي المخبأة.
هنالك تحت شجيرة صغيرة يغفو عمر عدلا ، وهنا تدور رأسي بصداع مقيت ، استلقي في وضعية الجنين متوسدا التراب فأسمع أنين الأرض ولومها، أدس ابهامي في فمي الجاف وأستحلب عالما بلا حرب وبلا خيانة ، وببيت دافئ يضمني وأبوي وإخوتي الخ

- محمد حسن النحات - السودان
  • Like
التفاعلات: تسنيم طه

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى