أحمد بوزفور - اللغة اللبنة

وأقصد باللغة اللبنة: اللغة الموظفة لخدمة الموضوع المبني· العمل الأدبي موضوع يشتغل عليه الكاتب· والمفروض أن الكاتب لا يلتقط موضوعه القبلي من الطريق، ثم يعمل بالكتابة على تقديمه أو وصفه أو استغلاله لصياغة التعبيرات الجميلة، أو لبث الأفكار والدعوات المؤثرة، أو للتنفيس عن عواطفه الحبيسة·
المفروض أن الكاتب يبني موضوعه وهو يكتب ·والمفروض أن هذا الموضوع المتعلق بالتدريج خلال الكتابة يتحكم في كل مواد البناء ويسخرها لبلورته واكتماله: لغةً وفضاء وزمنا وشخصيات ووقائع· واللغة بهذا المعنى مجرد لبنة، لا قيمة لها في حد ذاتها، وإنما تستمد قيمتها الفنية والجمالية مما تقدمه لبناء العمل الفني·
هذا الدور: دور اللبنة، هو الذي سأحاول مقاربته في لغة (ميترو محال)· وأعتقد أنه يتجلى على الأقل في ثلاثة مظاهر:

1) التداخل بين العربية العامية والعربية الفصيحة:

نحن نعرف أن عربية الإبداع الأدبي في المغرب الحديث تطورت على مراحل:
في مرحلة الاستعمار، كان الذين يعرفون الكتابة بالعربية الفصحى قلة من النخبة التي ارتفع مستواها الاقتصادي والاجتماعي من جهة، وتطور وعيها الوطني من جهة أخرى، فكان المهم بالنسبة لها هو أن تكتب بهذه الفصحى، لأن مجرد الكتابة بها كان نوعا من الكفاح الوطني·

بعد الاستقلال، توسع مستوى التعليم، وتطور الوعي الطبقي، فلم يعد المهم هو أن نكتب بالعربية بل هو ماذا نكتب بها؟ ولمن نكتب؟

أما الآن، وقد تطور مستوى الثقافة وتنوع وتعقد، وتطور معه الوعي الفني والجمالي، فلم يعد السؤال هو ماذا نكتب أو لمن نكتب، بل كيف نكتب· ولم يعد المهم هو أن نكتب بلغة راقية أو لغة منحطة، بل هو أن نكتب بلغة موظفة: لغة تخدم بناء العمل الفني ولا تستخدمه لتأجيج الكفاح الوطني أو الصراع الطبقي· وإلى هذه المرحلة الأخيرة، فيما أحسب، تنتمي رواية (ميترو محال)· فما هو وضع العلاقة بين الفصحى والعامية فيها؟
من حسن الحظ أن الرواية تميز بينهما في الطباعة: الفصيح بخط عادي، والعامي بخط أسود بارز· ولذلك يسهل على القارئ تتبع خارطة استعمالهما في الرواية·
وأول ما يلاحظه القارئ دون شك هو أن الرواية تستعمل الوضع السائد في الأدب العربي الحديث على اختلاف أقطاره: الفصحى في السرد، والعامية في الحوار·
لكن الملاحظ المتابع سيكتشف أن العامية تتسلل إلى الحوار الداخلي أيضا: حين يحاور الشخص نفسه: ميترو محال، من وراء المرآة، يطل بجلد وجهه المتبدل الكالح··· مال ميترو محال؟ آش وقع ليه؟ تبدل على كيف كان شحال هذي··· ومن جانبي لم أجتهد كي أغير هذه الصورة· ظللنا نتدهور عن قصد، أنا والصورة التي أمامي··· بلعاني ص30 · والملاحظ المدقق سينتبه إلى أن العربية الفصيحة في السرد ليست فصيحة تماما:
أولا: لأنها تمارس سخرية عامية أحيانا: ولأنه يشم من أين تأتي ريح المنفعة، انضم إلى التجمع من أجل الدستور فور الإعلان عنه، ثم صادق بعض الشيوعيين، التقى بهم في الحج·
··· الحاج لمدور بائع العلف والميكا والبرلمانيين ص: 103/102 ·
السخرية تكمن في الجمع بين الحاج وبين أحزاب آخر لحظة، ثم في الجمع بين التجمع من أجل الدستوريين الشيوعيين، ثم في الجمع بين الشيوعيين والحج، وأخيرا في الجمع بين العلف والميكا والبرلمانيين، وهي سخرية عامية لأنها تنبع من الحياة اليومية للمغاربة وليس من المكتب والأوراق·
وثانيا: لأن الدال الفصيح يستبطن مدلولا عاميا أحيانا: الحاج الذي مازال يضرب الطريق نحو مكة ص: 49 كان كما لو تقول متعب الركبتين ص 76 ·
وسيلاحظ المدقق أن العامية أيضا ليست عامية تماما:
أولا :لأنها تنتمي إلى نسق فني منظم ومتكامل ومتفاعل وليس إلى العفوية والصدفة والقول ورد القول، وثانيا : لأنها منتقاة ومشذبة وموظفة، وثالثا: لأنها تتداخل مع الفصيح معجما وتركيبا وتوحي به، و هي في الغالب أقرب إلى عامية النخبة المثقفة منها إلى عامية العامة·
وأخيرا لأنها تشاب بالفصيح حتى في الحوار، حين ترد على ألسنة المتعالمين: يقول الخال المجذوب المتصوف العشاب لميترومحال:
عندك امرا مزيانة، تكلمت معها مطولا· لقد مسها الندم أخيرا، والندم باب التوبة، وقريبا إن شاء الله غادي توصل نوبتك وتبعد من كتب الفلسفة اللي كتقرا ص 116·
وإذن، فهناك تداخل منتج بين العامي والفصيح في الرواية، وهو تداخل معقد وصعب، والكاتب ، وهو يقدم من خلاله الرواية إلى القارئ يشبه ميترو محال وهو يغوي بنت الباطرون، فبعد كلمات الغاوية معها يقول لنفسه: المرا غير فول ليها كلام حلو وكلها ص109 ، لكنه حين يغادرها يتشكك في لغته التي استعملها في الاغواء، ويتساءل يا كما قودتها ص109 ·وهو تساؤل أزلي أبدي يطرحه جميع الكتاب على أنفسهم بعد الانتهاء من الكتابة· ما الذي يدفع الكاتب إلى ارتكاب هذا التداخل المعقد؟ ولماذا لا يستعمل الفصيح فقط أو العامي فقط؟ ربما كان السبب هو هذا التطور في استعمال العربية الأدبية الذي تحدثنا عنه سابقا· هو أن اللغة الآن مجرد لبنة، وكونها بهذا الشكل المتداخل تطلبته عملية البناء الروائي للشخصية التي تجمع بين البيئة الشعبية البدوية والبيئة المثقفة المدينية، وبين السياسة القديمة المقاومة للاستعمار، والسياسة الحديثة المقاومة للاستغلال، وبين الحياة العسكرية والمدنية· والشخصية على أي حال تستبطن في داخلها تنوعا ثقافيا ولغويا حيا ومنتجا ومؤثرا على سلوكها وتفكيرها، وبالتالي على تعبيرها··

2) الشفافية:

لغة (ميترو محال) لغة خالية من الأصباغ: لا ايقاعات موسيقية، ولا تشكيلات بلاغية، ولا تناصات ثقافية· لغة خالية من المرجعيات: لا شعارات ايديولوجية، ولا عواطف ميلودرامية· لغة شفافة تكاد تختفي نهائيا، لأنك لا تكاد تشعر بها وأنت تقرأ· كأنها من زجاج· إذا وصفت ماء، شمر القارئ عن كعبيه· إذا تحدثت عن ألم، رأى القارئ قلب الشخصية يختلج من وراء الجلد اللغوي·

هذه هي اللغة اللبنة· اللغة الانتحارية التي تقتل نفسها لبناء موضوعها، والغريب أنها لغة لم تنزل فجأة من السماء· إنها لغتنا نفسها التي تختزن تراثنا وأفكارنا وإبداعاتنا الفردية الخاصة والشعبية العامة، ولكنها تبدو حقيقة نظيفة شفافة كأنما قد غسلت غسلا· ما أصعب غسل اللغة! اللغة (فندق)· وأنتم تعرفون ماذا يعني (غسيل الفندق)· لنقرأ هذا المقطع: أطل على البهو فرآها جالسة تمضغ ما بدا له لأول وهلة أنه زجاج· جالسة فوق الثياب التي كانت تكوي، والمكواة مرمية جهة المرحاض، وتمضغ· ليس زجاجا· إنها تمضغ نباتا يشبه الصبار· في يدها قطع عريضة من النبات الشائك، وحنكاها يتحركان في أناة كأنما تمضغان أوراق نعناع لذيذة، وخيط دم لزج يسيل جنب الفم، على صدر كسوتها الفضفاضة الواسعة، معطية الانطباع بأنها بلغت درجة قصوى من الانفصال عن العالم المحيط· شقية بدت مع ذلك· عيناها محدقتان في للاشيء، كأنما تريد بهذا أن تقول: هذه أمور لن يدركها أحد سواها· مكبة على وليمتها الشوكية تطحن النبات الأخضر العريض الشائك ولسانها الأحمر يتحرك وسط خليط الدم والبصاق ورحيق الشوك ص112·
ما في هذا المقطع من الغرابة والمفارقة والتعاسة يأتيك كاملا مقطرا لا يشغلك عن تذوقه الفني مساحيق اللغة ولا عواطف الشخصية المذهولة ولا وجهة نظر السارد ولا أفكار الكاتب·
هذه الشفافية في لغة الرواية تسم العامية أيضا وإذا تذكرنا ما في لغة الحياة اليومية من القيم الجماعية التي يحفل بها التراث الشعبي، وما في لغة المسرح التجاري من المسكوكات والأمثال الشعبية، ومن الأضحاك اللاعب على المفارقات اللغوية، ومن البلاغة الأخلاقية والوعظية المنافقة··· إذا تذكرنا ذلك، أدركنا، ونحن نقرأ العامية في الرواية، ما تكلفه الكاتب في تشذبيها من زوائدها المتوارثة، وفي غسلها من أدرانها المستحدثة، يقول القزم ميترومحال ما نتهنى حتى ما نبقاش نفكر فلمرا· والمرا ما يمكنش ما نفكرش فيها· كلشي كيفكرني فيها· كل شوفة، كل خطوة، كل حركة، كل رجل دايز، كل دري واقف· كلشي كيفكرني فكلشي· ما نتهنى حتى ما نبقاش نفكر فالبشر· ولكن ما يمكنش· واحد كيفكرني فواحد· حاجة كتلوحني لحاجة· مللي كايسلم الراجل على شيء واحد واقف معايا وماكيسلمش عليا كنسول: علاش؟ حينت ما ماشافكش· ماعمرتش ليه العين؟ بحال ذاك موال الكاميو اللي كحش ولد جارتنا فتنغير· مادارهاش بلعاني· ما عرفوش كاع واش موجود ولا ماموجودش· حتى أنا بحالو· إيلاماشفونيش هي ماكينش· ويلاما كاينش هي ماموجودش· ويلاماموجودش هي آش؟ لغة فنية تقدم لك لحظة إنسانية يختلط فيها الألم والقسوة واللامبالاة، وحتى نوع من التفلسف· ولكن دون تبرج لغوي، دون حتى الإحساس بأنها عامية· امتزجت دوالها بمدلولاتها، وحروفها بمحروفاتها، وضربت في الخلاطة حتى أصبحت عصيرا فنيا لا تكاد تحس بعناصرها الأولى، ولا حتى تسأل ما هي؟

3) الحيوية:

وأقصد بالحيوية قوة السرد الكامنة في اختيار الوقائع والتقاط التفاصيل الدالة وترتيبها بحيث تخلق الأثر ثم تعمقه ثم تقف حيث ينبغي أن تقف لا تثرثر ولا تخل· هذا الإيجاز الحيوي الذي يقطع السرد إلى جمل حركية ليس فيها إلا الضروري المنتج والمطور، يمكن تلمسه في الحكاية التالية:
جوج قطاطعية تلكاو لواحد السيد كان مسافر·
قتلوه وداو ليه الموزيط ديالو·
من غير لوراق والفلوس لقاو خبزة
واحد فيهم كان ميت بالجوع
وغير شاف الخبزة سالو ريوكو
ثلاح عالخبزة وقطع طرف
يا للاه بغى يلوحو ففمو وهو يسمع صاحبو ?ي?ول:
آش كتدير المسخوط؟ رمضان هذا
صاحبو حشم· رفع الخبز من فمو وهو ?ي?ول:
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ص212·
لكن هذه الحيوية لا تتجلى فقط في الايجاز والتقطيع·

إنها تتجلى كذلك في تتبع الإحساس الخفي حتى عروقه المنجمية العميقة: يخرج ميترومحال من السينما مع فاطمة بعد مشاهدتهما فلم أبي فوق الشجرة فتقول الرواية:
الخارجون يقولون للداخلين: عبد الحليم باس نادية لطفي سبعة وخمسين بوسة - دخلنا عليك بالله - والله العظيم· أما القبلة الثامنة والخمسون فقد أهدت إياها فاطمة قبل أن يغادرا ظلام القاعة بقليل· حماس نادية لطفي انتقل إليها فلم تنتبه إلا وهي تعض على شفتيه· بقي قلبه يرجف لساعات ويداه تهتزان· والحرارة صعدت الى اذنيه· في الزنقة بدا له أن الجميع يعلم بحكاية القبلة الثامنة والخمسين، وبدل أن يزهو، اشتد خجله فأعاد نظاراته التي نسي في جيبه· لم يستعد هدؤه حتى أغلق خلفه باب البيت· عن ذاك جلس يتذوق حلاوة الشيء· حلاوة الشفتين على الشفتين· طراوة المعنى· طراوة اللسعة الصغيرة· كطعم السكر أو النعناع·
طعم استمر لأسابيع· كأنما ازداد وزن شفتيه ورقتى نعناع إضافيتين· يحمل أصابعه إليهما ليتفقد أحوال حوض النعناع النابت على شفتيه المخضرتين، وليرى إن هو لا يزال مزهوا· وكلما لمسه ازداد ازدهاره· ربيع استثنائي يجعل الحوض الاستثنائي يزهر دون سقاية· نسي تقزمه وراح ينط ويعدو بين الغرفتين ويضحك· قامته نمت ورقتين طالت ورقتين· نضجت ورقتين ولسعتين· ولا يهم إن تعذرت على الآخرين راويتهما مادامت فاطمة ختمت عليهما· القبلة موجودة في دائرة عصية لايطالها سوى تذكرهما، هو وفاطمة، فقط ص42/41·
إن الشعر في هذا المقطع لا ينبع من تجانسات صوتية· إنه كامن في حركية الحياة وحيوية الحركة داخل وجدان الشخصية الروائية حين يشكل داخلها خارجها، حين تبرهن بتجربتها الحية على أن العالم الخارجي لا وجود له في الحقيقة· ما نعيه منه فقط هو الموجود· أحاسيسنا وعواطفنا الداخلية فقط· وهي من القوة والحرارة والسرعة بحيث تلفنا في غمارها وتحيطنا بحويتها وتقنعنا ليس فقط بوجودها، بل وبأنها هي وحدها الوجود والموجود، وبأن كل ماعداها عدم·
التداخل - الشفافية - الحيوية· تلكم كانت بعض سمات اللغة اللبنة في رواية (ميترومحال)· لابد أن هناك سمات أخرى أو أعماقا أخرى لنفس السمات تحتاج إلى حفارين آخرين· أما أنا فقد أكديت·

3/31/2006

هذا النص

ملف
أحمد بوزفور
المشاهدات
245
آخر تحديث

نصوص في : نقد أدبي

أعلى