أحمد رجب شلتوت - غوستاف يانوش وماكس برود يختلقان كافكا الصهيوني

“كافكا قال لي.. أحاديث وذكريات” عنوان الكتاب الذي أصدره الشاعر السلوفيني “غوستاف يانوش” ونقله إلى اللغة العربية نجاح الجبيلي، وصدر في نهاية 2019 في طبعة مشتركة عن داري نشر الرافدين العراقية وتكوين الكويتية.
كتب مقدمة الكتاب “ماكس برود” صديق كافكا الذي أوصاه بحرق مخطوطاته بعد وفاته لكنه لم ينفذ الوصية، فنشر المخطوطات بعد موت كاتبها، وكتب عنها مصوّرا كافكا على أنه “عبقرية دينية”. وفي تقديمه لكتاب يانوش، يواصل برود رسم الصورة المثالية لكافكا فأرجع عدم شهرته في حياته لكونه غير مبال بمسألة الشهرة، والكتابة عنده كانت بمثابة الصلاة، وقال “كانت جميع جهوده مركزة على الإشباع الروحي وتحقيق حياة يلزم أن تكون نقية بشكل مباشر”.
ويضيف “كانت حياته مستغرقة تماما في المسعى لتحقيق الأسمى الذي يكمن في قوة الإنسان، لكي يستأصل من نفسه كل رذيلة”، وينقل عن كافكا قوله “لا يمكن للإنسان العيش دون إيمان ثابت في شيء راسخ معه”.
فكأن برود يؤكد مسبقا على ما سيقوله يانوش نقلا عن كافكا، ويحاول الإيحاء بصدقيته في أكثر من موضع من المقدمة، سواء بتوثيق للعلاقة المدعاة بين طرفي الحديث (يانوش وكافكا) وحديثه عنها بثقة الشاهد عليها، أو بالاستشهاد بدورا ديمانت والقول إن الكتاب بدا لها وكأنه لقاء آخر بكافكا، كما يشير إلى ورود اسم يانوش في رسائل كافكا إلى ميلينا.
صورة مثالية لكافكا
يقترح ماكس برود في المقدمة التي حررها في أكتوبر 1952، اتخاذ الأحاديث التي نشرت بعد ثلاثين عاما من رحيل كافكا، بديلا عن يوميات كافكا المفقودة عن تلك السنوات ولم يذكر شيئا عن الذاكرة وما قد تفعله من تحوير وتحريف للذكريات أو ما قد يصيبها من ترهل أو ضعف، وبالرغم من أن الكتاب مصاغ بأسلوب يانوش إلا أن برود لا يتحرج من الادعاء بأن كلمات كافكا كما نقلها يانوش تحمل علامة واضحة على أسلوب كافكا في الحديث، الذي يمتاز بكونه أكثر إيجازا واكتنازا من أسلوبه في الكتابة.
المهم أن الكتاب يرسم صورة لكافكا آخر يكاد يكون نقيضا لكافكا الذي يعرفه قارئ رواياته ورسائله ويومياته التي اكتشفت ونشرت بعد صدور الكتاب بسنوات. فكافكا السوداوي المتشائم في قصصه، ولنتذكّر قوله ”رواياتي وقصصي هي أنا”، وقد نشأ طفلاً ضعيفاً متردداً، كتب في يومياته “ما أريده الآن لا أريده في اللحظة التالية”، وكان كثير الشكوى، غير راض عن شيء كما تكشف رسائله، وهذا طبيعي بالنسبة للشخص الذي يعاني اضطهاد الأب وعقدة الذنب، هذا الشخص يبدو في كتاب يانوش متفائلا، واثقا من نفسه، عارفا بكل شيء، ولديه القدرة على الإجابة عن أي سؤال، فينصح الصبي بما لم يفعله هو شخصيا، فلا ينصحه مثلا بالتمرد على الأب الرافض لاشتغال ابنه بالموسيقى، وينصحه قائلا “الصبر هو الحل لجميع المشكلات، يجب على المرء أن يُشفق على كل الأشياء، وأن يستسلم لكل الأشياء، ولكن عليه في الوقت ذاته أن يظل صبورًا ومتسامحًا”.
وهذا يتناقض مع قوله “أنا شخص لا مبال تمامًا ومثيرٌ للشفقة؛ بئرٌ جفّت، والماءُ فيها على عمق يستحيلُ الوصول إليه، ما الذي هناكَ ليربطني بالماضي أو بالمستقبل؟ الحاضرُ شبحٌ يُعبّرُ عنّي، فأنا لا أجلسُ إلى الطاولة بل أحومُ حولها. لا شيء، لا شيء. خواء، ملل، لا ليس مللًا بل مجرّد خواء، لا معنى، ضعف”.
يقول صاحب سيرة كافكا رونالد غراي، إن الشيء الواضح في كافكا وفي أفكاره الدينية وكذلك في علاقته بأبيه، هو ازدواجيته؛ فهو يبدأ إحدى يومياته بكلمات تقول “اللهم ارحمني فإني خاطئ في كل ركن من أركان حياتي” ثم ينتقل إلى استهجان هذا الدعاء على اعتبار أنه حب للذات يدعو للسخرية، لكنه يعود ويدافع عنه. هذه الازدواجية المميزة لشخصية كافكا تصلح دليلا إضافيا على زيف الصورة التي رسمها يانوش، المهم أن كافكا المختلق كان مؤيدا للحاخام هيرش كاليتشر ملهم هرتزل بخصوص إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، وينسب له الكتاب قوله “لم يعد اليهود اليوم راضين بالتاريخ، إنهم يتطلعون إلى وطن متواضع اعتيادي في هذا الكون. إن عدداً من اليهود الشبان يعودون إلى فلسطين، إنها عودة المرء لذاته، لجذوره لانتمائه للوطن القومي في فلسطين، هو بالنسبة لليهود الهدف الضرورة”.
هذه الأفكار الصهيونية المنسوبة لكافكا تبين الهدف من ترويج ماكس برود للكتاب، كما كانت سببا في اتهام بعض الكتاب العرب له بالصهيونية، لكن هناك من يخالفهم الرأي على اعتبار أن يانوش حوكم في حياته بتهمة الاختلاس وتم سجنه، وبالتالي لا يمكن الوثوق في صدق أقواله، كما أن اسم يانوش في يوميات كافكا التي ورد بها ذكر طباخه وخادمه، وحينما ذكره في رسالة إلى ميلينا وصفه بأنه صبي مزعج، كما أن كافكا كان يشعر بالانفصال عن اليهود والألمان والتشيك على المستوى النفسي، لهذا تساءل: ما هي القواسم المشتركة بيني وبين اليهود؟ إنه لا يكاد يوجَد قواسم مشتركة بيني وبين ذاتي. كذلك الأدب الصهيوني أداة ذات هدف واضح معلوم، مما يجعل منه أدبا عنصريا بالأساس، بينما أدب كافكا أدب إنساني، كما قال هيرمان هيسه “ليست كتابات كافكا بحوثاً حول مشكلات دينية، وما ورائياتية، وأخلاقية، بل هي أعمال شعرية، ليس كافكا ما يقوله لنا بصفته لاهوتياً، أو فيلسوفاً، بل هو بصفته كاتباً وحسب”.

كافكا بين صورتين في ذاكرة غوستاف يانوش وماكس برود



ALARAB.NEWS

غوستاف يانوش وماكس برود يختلقان كافكا الصهيوني | أحمد رجب | صحيفة العرب
كافكا بين صورتين في ذاكرة غوستاف يانوش وماكس برود
كافكا بين صورتين في ذاكرة غوستاف يانوش وماكس برود



هذا النص

ملف
أحمد رجب شلتوت
المشاهدات
40
آخر تحديث

نصوص في : مقالة

أعلى