عبدالله البقالي - الوردا الحمرا.. ( من التراث الشفاهي الجبلي)

قرر رجل ان يذهب رفقة باقي الرجال لأداء مناسك الحج سيرا على الأقدام، حاسما تردده الذي امتد لسنين طوال. وكان السبب دائما خوفه على ابنته الحسناء من شر زوجته الثانية التي كانت قد رزقت طفلة في منتهى البشاعة و القبح. و كان اشد ما يغيظها، الاهتمام الفائق الذي تلقاه ربيبتها من كل الناس، و في اي مكان. مقابل النفور و الاعراض التام الذي تقابل به ابنتها.
انتزع الرجل من زوجته تعهدا بان تحسن معاملة ابنته. و انطلق مع باقي الحجاج في رحلة طويلة.
في احد الأيام، حل بالقرية "عطار" هرع الكبار و الصغار إليه ، قصد الاقتناء أو التفرج على ما يحمله من بضائع. فشاهد العطار الحسناء التي اعجب بها كثيرا. و لم يجد سوى ان يهديها الوردة الحمراء التي احتفظ بها معتبرا إياها فأل خير بالنسبة له. وحين عادت الحسناء إلى البيت. ظلت اختها تبكي و تطالب بالوردة. لكنها ابت ان تمكنها منها. وحين تمادت في رفضها. تدخلت زوجة ابيها آمرة إياها ان تمنح الوردة لابنتها. إلا انها رفضت الأمر باعتبار ان الوردة كانت هدية لها.
تصاعد الغيض الممزودج بالكراهية والحقد في صدر الزوجة. وفي غلفة من الحسناء، انقضت عليها و كبلتها. و ساقتها إلى "المجرى" حيث يتم الاغتسال. وهناك ذبحتها .
حين هدات ثائرة الزوجة. فكرت في سلخها و تقطيع اطرافها من اجل تسهيل عملية إتلاف كل أثر للجريمة. وحين تم لها ذلك. ظلت تفكر فيما يمكن ان تصنعه بجلدها. و اهتدت إلى فكرة صنع دف لابنتها. وحين انجزت ذلك، قرعت الدف، و كانت المفاجاة المذهلة. إذ انطلق صوت في منتهى العذوبة و الإغراق في الحزن منشدا:
اهدا... اهدا عني
يا الطليبة* بنت الطليب*
ذبحتيني في المجرى
على الوردا الحمرا
انتاب الهلع الشريرة. و تاكدت ان جريمتها ستنفضح بلا شك إن ظل الدف بحوزتها. او في ملك أحد سكان القرية. فالصوت معروف لدى الجميع. و الواقعة مدونة في الإنشاد.
خبات الزوجة الدف منتظرة فرصة تسمح لها بالتخلص منه. و في أحد الأيام، حل "عيساوي" بالقرية كما هي عادته كل سنة. يضرب بدفه الذي ترقص على إيقاعه الأفاعي. وحين وصل بيت الشريرة، قالت له: ما رأيك في دف أفضل بكثير من دفك. دف يمكن أن يجلب لك الثراء من حيث لا تحتسب.
عجب العيساوي و قال: كيف ذلك؟
أخرجت الشريرة الدف. وحين حاول العيساوي مسكه. خباته الشريرة و راءها و قالت له: ليس قبل أن تتعهد ان لا تعود لهذه القرية ثانية.
وافق العيساوي، و تسلم الدف. و حين قرعه، بدا الإنشاد:
اهدا اهدا عني
يا عمي العيساوي
الطليبة بنت الطليب
ذبحتني في المجرى
على الوردا الحمرا
بقي العيساوي ماخوذا منبهرا. و حين بارحته الدهشة، ارتمي على أقدام الشريرة محاولا تقبيلها. فقالت له: لا أريد منك اكثر من ان تلتزم بتعهدك.
فرح العيساوي و هرول مغادرا القرية وهو تحت تاثير فرحة عارمة. و ظل ينتقل من بلد إلى بلد، و شاع خبر دفه العجيب الغريب الذي كان يعرف اسماء كل الذين يقرعونه. و في احد الأيام، كان العيساوي قد وصل بلدا بعيدا. و شاهد في طريقة جماعة من الناس يستظلون تحت شجرة وارفة الظلال. وحين لاحظ العيساوي التعب بدايا على ملامحهم، فكر في الترفيه عنهم. اقترب منهم و قرع الدف، و انطلق الإنشاد.
اعجب القوم بذلك الشئ العجيب الذي لم يشاهدوا او يسمعوا له مثيلا. و كان اكثرهم اهتماما، أحد الرجال الذي كان رفقتهم. كان يصغي بكل جوارحه للصوت. و يطلب في كل مرة من العيساوي ان بعاود القرع. و في الاخير طلب منه ان يعطيه الدف ليقرعه مقابل مبلغ فيه الكثير من السخاء. فناوله العيساوي الدف و قرعه، و انطلق اللأنشاد:
اهدا .. اهدا عني
يا عزيزي يا بويا
الطليبة بنت الطليب
ذبحتني في المجرى
على الوردا الحمرا
انتزع الأب الدف من العيساوي. ولدى وصوله للبيت، أخرج الرجل الدف و طلب من زوجته ان تقرعه. و ما كادت الزوجة ترى الدف، حتى أغمي عليها، فقد وعت ان مصيرها الهلاك.
* الطليبة : مفردة من اللهجة الجبلية و تعني العدوة
* الطليب العدو
طبعا الامر لا علاقة له بالطالبان.



عبدالله البقالي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى