نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى الأنطولوجيا

التسجيل

علي الشدوي - كنزٌ مخجل

  1. فتحت أبواب ذاكرتها ، لكي تشاهد ما لا تسمح لأي مخلوق بالنظر إليه . تاهت روحها في أمكنة غير معروفة ، لم تكن تعرف من أين تأتي ذكرياتها ، بيد أنها تعرف إلى أي مكان تتجه .

    كانت قد تذوقت سعادة لم تعرفها من قبل ، وأصبحت الآن غارقة في بؤس حقيقي ، أذهلها كم هو بسيط التمهيد للخطيئة وترتيبها ، تجاهلت ما أخجلها ، واستعدت لأن تقتل بالتجاهل أي أثر لما حصل .

    وضعت حطبا فوق جمر خافت، ونفخت فاشتعلت نار ضئيلة ، استسلمت للغناء ، لتبعث البهجة في حياتها ، فاجأها أحد أبنائها وهي تغني ، فذابت وتلاشت ، واختزلت إلى جسد بلا دم .

    غير الغناء أحبت صالحة الحكايات . في تلك الليلة حلقت بأطفالها ، أي حكايات حكتها ! عميقة وعذبة ، ومشبعة بالقصور والدور والصيت والغنى ، حكايات رفعتهم إلى السماء ، وجرفتهم إلى الجحيم ، وحركت خوفهم وعواطفهم .

    بعد أن أنهت حكاياتها، قامت ببعض التفاصيل : طمرت الجمر ، وقلبت الدلة والفناجين ، دارت في البيت كمن يبحث عن شيء ما ، سألت أطفالها ما إذا كانوا يريدون شيئا ، غطتهم متمتمة ببعض الكلمات ، ثم خفضت ضوء الفانوس ، و تمددت لتنام .

    وهي في انتظار النوم استيقظت و قد نامت ، عادت إليها ذكرى ما فعلت فهربت إلى الصلاة ، و ما إن انتهت حتى استسلمت لمراقبة الفجر الذي يهبط ، حيث السماء صافية ، وبعض النجوم ما تزال تلمع .

    انهمكت في تفاصيل يومية ملزمة : ضحت البقر ، أخرجت الضأن و الغنم ، أمسكت الشياه و النعاج لكي ترضع صغارها . ثم شرعت في تجهيز القهوة ، وحينما اجتمعت مع أطفالها ، كانت النجوم قد توارت ما عدا نجما واحدا ، هو وحده في تلك اللحظة أمير السماء .

    على الأرض أشعرتها العصافير بأنها حية ، راقبتها وهي تنفض أجنحتها ، ثم تتمادى في نفض ريشها ، وفي اللحظة التي تريدها تطير . رفعت رأسها ، وتطلعت إلى النجم الذي يومض في الأفق ، وأشارت إليه ، وإلى الحجل الذي يندفع مذعورا يضرب بجناحيه .

    عادت لحظات ذاكرتها ككنز، طردتها ، لكنها أقعت خلف جمجمتها ككنز مخجل .

    عن الكاتب

    كاتب من السعودية
  1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات..