أنس الرشيد - الموتُ في دمشق..

كل شي في المدينةِ (الحديثة) متآلفٌ، ماعدا خبايا الإنسان في مشاعره المتصارعة.
فهل تحولت (سوريا) لمدينةٍ حديثة؛ من جراء الحرب؟!
..
تلك هي (المفارقة) التي رسمها العمل الدرامي (مسافة أمان)؛ من خلال تَجمُّعِ (الغرائب) كلها في مكانٍ واحدٍ، وبشكلٍ متآلفٍ، ماعدا الإنسان الذي سادَهُ الشكُّ، فصنعَ من (جاره) خيالَ غريب، ووضعَ (مسافة أمان) تعبّر عن هوية ذاتية تعوم بالذهن الافتراضي؛ فتكاثرت الهويات في مكان واحد.
..
فمن وراء الحُجبِ الدرامية يسردُ العملُ بقلقٍ؛ قصةَ (العم مراد/ أبو نور)؛ ذلك الذي وحَّدَ بين الموت/الخلود/الأمان/ النور..... والأرض/الذكريات/المعاني/ الظلام.
إذ تتمركز قصةُ (العم مراد) في سردِ الموتِ البطيء؛ بالبحثِ عن قبرٍ في (قلب) الشام، تتوحّد فيه روحه مع جسده، فأصيبَ باضطرابٍ ثنائي؛ من جراء الصراع والمسافات والمدينة الحديثة التي تقاسمت الأشياءُ خرابها؛ إلا الإنسان العاقل؛ ظلّ يحفرُ تحت قدمه ليبحث عن جوهرِ الوطن، معنى اتحاد المشاعر بجمال البناء...
هذا الاضطرابُ أخرجَ من فم العم مراد (الدم)؛ الذي لم يكن يعبّرُ إلا عن سرطانٍ في رئة المدينة الحديثة.
فصار (أبو نور) شخصين:
شخصٌ يلوح من بعيدٍ للناظر؛ روحٌ تطلب الكمال، بالاتحاد في معنى الوطن، وشخصٌ يصارع الخراب من قريبٍ؛ جسدٌ يسعى لمجاراة الروح..؛ حتى أخذتِ الحيرةُ من روحه مكانًا قصيًا.
الروح تعذبه وهي تصرخ: الوطنُ شيءٌ سامٍ مثالي، والجسد يحاول أن يلمس الوطن ويمردغ الجبين في ترابه.
ولما حانت ساعةُ الموت.. أخذَ (الطبشور) ورسمَ مستطيلًا؛ بطول جسده في باحةِ بيته العتيق في وسط الشام/هويته الذاتية. (ذلك البيت الذي عَبّرَ عن مسافة الأمان بينه وبين الشام الحديثة جراءَ الحرب)
وأخذ يحفر قبره (قبر القلق والحيرة والوحدة) ليتَّحدَ الاثنان (الروح والجسد) ويغيبان بحبٍّ في سرديةِ الوطنِ الغائب؛ ليكون غريبًا عن جيرانه ..ويلتقي بملائكة القبور فيسألُهم:
أيمكنُ أن يكونَ – وهو في وسط الشام- غريبًا؟

فجاوبته الملائكةُ على عجلٍ ووجل: الغربةُ نُدبةٌ في الروح؛ يخرجها الجسدُ دمًا، يبحث عن دماءٍ تسيحُ في الكون؛ ليناغيها كما ناغى أمرؤ القيس جارته في القبر:
أجـارَتَنـا إنّـا غَرِيبَـانِ هَـاهُـنَا/ وكُلُّ غَرِيـبٍ للغَريـبِ نَسِيـبُ
فـإنْ تَصِلِينَـا، فَالقَـرَابَةُ بَيْنَنـا/ وإنْ تَصْرِمِينَـا فالغَريـبُ غريـبُ
أجارَتَنَا مَا فَـاتَ لَيْـسَ يَـؤوبُ/ ومَا هُـوَ آتٍ فِي الزَّمـانِ قَرِيـبُ

فحارَ (أبو نور) ولم يملك إلا بيتَ السيّاب:
إني لأعجب كيف يمكن أن يخونَ الخائنون!!
أيخونُ إنسانٌ بلاده؟
إن خانَ معنى أن يكون، فكيف يمكن أن يكون؟!

....

أنس الرشيد

2020/1/25م

هذا النص

ملف
أنس الرشيد
المشاهدات
191
آخر تحديث

نصوص في : مقالة

أعلى