نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى الأنطولوجيا

التسجيل

علي الشدوي - أجمل غريقة في التاريخ

  1. تلفتحولي مندهشا ، كأنني أرى للمرة الأولى ما تعودت على رؤيته سنين عديدة ، حيث الشمس التي تكو التلال بغلالة حمراء ، والنسيم الذي يحرك أعالي السدور .
    استسلمت لذاكرتي ، لتقودني عبر دروب القرية ، التي بدت كما لو أنها لم تسكن قط ، دروبها ميتة ، وسماؤها زرقاء ، ما من غيمة واحدة تعكر صفوها ، ولا حتى الضباب الخفيف الذي يغطي عادة قمة تحرسها من الناحية الغربية .
    تساءلت : لم تملكنا الذاكرة ؟ ولم نحن عاجزون عن التملص منها ؟ أو عن إسكاتها ؟ وبينما اختارت ذاكرتي ما يلزمها ، واستخدمتني لكي تنجز ما هي عليه ، علمت أنني سأسقط فيها بينما أنا أسير ، وأنها تجرني إلى حيث لا أريد أن أتذكره .
    وأنا أقطع دروب القرية ، هبطت بي ذاكرتي إلى تلك اللحظة التي شاهدت فيها وجها يجفف الحديث ، ويوقف الكلمات عند حدودها ، وجها خجولا كالبنات الصغيرات ، وفاتنا استخلص جماله من كل وجوه النساء التي رأيتها .
    حينما تحدثت معي أول مرة بدأت بوقفة قصيرة بدت فيها كما لو كانت تبحث عن مواضع محددة في منظر طبيعي مرسوم في ذاكرتها، ثم سردت علي ما كانت قد فكرت فيه، وأرادت مني أن أستمع إليه .
    استمعت إليها وأنا أعتقد أن ما تسرده حدث فعلا ، لكن فيما بعد ، وحين عرفتها عن قرب، أدركت أن وقفاتها القصيرة ، وما يبدو لمن يستمع إليها أنه منظر طبيعي، يندرج تحت ما يسمى بالجاذبية أثناء الحديث، تلك الجاذبية التي تقع في مكان ما لم تتدبر اللغة أمر إخراجها في كلمات إلى الآن.
    ارتبطت معها بعلاقة عميقة لا تنسى : طاردنا الجراد والعصافير ، تمايلنا كي تمسك بي أو أمسك بها ، أوهمنا بعضنا أننا سنسقط كي يسند أحدنا الآخر ، ملأت فمها بالماء ورشتني ، ففعلت أنا كما فعلت وبدأنا نتطارد ، تلبست دور الزوج الغاضب فأثارت قهقهاتها في نفسي جوا من الارتياح مازلت أفتقده إلى الآن .
    من بين كل اللحظات التي تجمعت رغما عني ، تذكرت تلك اللحظة التي شاهدتها وهي كقطرة ندى تقفز وتركض فوق الأعشاب الخضراء قرب البئر التي مررت بها ، اللحظة التي رمقتني فيها بنظرات خجولة فهممت بالتوجه إليها ، لكنها أدارت لي ظهرها ثم غابت وسط غابات من سيقان الذرة .
    غابت لحظة ثم عادت ، فميزت في صمتها اللغة التي فهمتها عبر قلبي ، وأدركت بأن في هذا العالم طفلين أحدهما ينتظر الآخر ، كيف أدركنا ذلك ؟ لم أكن أعلم ، وكانت هي تجهل ، تماما كآدم وحواء في الجنة .
    استلقينا على بطوننا نراقب ماء البئر فجذبها إليه ، محا الماء جماله واستخلصه لذاته ؛ لكي يقسمه على الوجوه التي سيعكسها فيما بعد .
    حدث هذا منذ سنين طويلة ، وهاأنذا أقف في متصف القرية التي لم يعد أحد يسكنها . رددت في نفسي " بعيدة هي أيام السعادة .. تضيء وتنطفئ .. ترجع إلى الوراء وتحترق " .
    اتجهت إلى المقبرة التي دفنت فيها علياء . في مكان ما من كياني يترسب الحزن ، أسندت جبيني على شاهد قبرها ، أتخيل تلك الأيام ، وأفكر في وجهها وهي في الطرف الآخر من العالم .



    ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ــ
    نشرت في عكاظ 2006

    عن الكاتب

    كاتب من السعودية
  1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات..