رمضان الصباغ - سارتر : العلاقة بين الروايات.. المسرحيات.. والدراسات النقدية وفلسفته

فى هذا البحث سوف نحاول الكشف عن العلاقةبين آراء "سارتر" فى كتاباته النظرية عن الأدب والفن والالتزام , وبينها وبين أعماله القصصية والروائية والمسرحيات والدراسات النقدية , مع محاولة استجلاء العلاقة بين هذه الأعمال , والآراء الماركسية فى النهاية.

لقد جعل "سارتر" من الأدب والنقد الأدبى وسيلة لطرح أفكاره الفلسفية . مما حدا بالنقاد إلى رؤية "أن المقالات الأدبية التى كتبها ذاتية للغاية , وأنه عندما كان يتحدث عن "فوكنر" أو "دوس باسوس" على سبيل المثال إنما كان يتحدث فى الأغلب عن أعماله هو نفسه , وعندما خصص كتابا كاملا عن :بودلير" لم يكن يهدف إلى تحليل القيمة الشعرية لـ"أزهار الشر" , بل كان يستهدف أساساً تطبيق منهجه فى التحليل النفسى الوجودى , وأفكاره عن الحرية والاختيار على حياة "بودلير" التى كانت تشبه فى بعض قسماتها الأولى حياته هو أيضا"(1)
وقد جعل "سارتر" من النقد والفلسفة صنوين ولم يفصل "سارتر" بين منهجيهما.
ولقد تطورت أفكار "سارتر" النقدية , من خلال كتاباته الروائية والمسرحية , مسجلة تطورًا موازيا لآرائه فى الفلسفة , وآرائه الجمالية . وسوف ندرس أراءه النقدية , ومواقفه فى أعماله الروائية والمسرحية محاولين كشف هذه الأفكار.
(1) العزلة , والخلاص بالفن

لقد رأى "سارتر" فى (التخيل) – كما أوضحنا فى الفصل الثانى – أن كل إنسان يميز بين الإدراك الحسّى , وبين التخيل – أى إدراك الصور – وقد ظهرت هذه الفكرة فى قصته القصيرة (صميمية Intimite) حيث رأى أن الجميع سوف يرون فى نية "لولو Lulu" السيئة شبها وقربى فى داخلهم وهذا يمكن أن يكون أمرا مقبولا , ولكن تحفظاتنا تنبع من الناحية الأخرى لمفهوم "سارتر" عن الحرية الإنسانية , كما جاء فى المعانى الفلسفية لـ (صميمية) تلك الناجمة عن رفضه لفكرة ما دون الوعى Subconscious وإصراره على قدرة الإنسان على السيطرة الكاملة على عواطفه وأعماله الجسدية"(2). ولعل هذا نجم عن كون "سارتر" – فى ما قبل الحرب العالمية الثانية – كان يرفض الأفكار الفرودية , وإن كان لم يفلت من تأثيرها . وقد ظهرت أيضا فى قصته القصيرة (أيروسترات Erostrate) (3) إذ يستخدم "المنولوج الداخلى باعتباره الأسلوب الملائم لعالم الإنسان المهووس الدائر حول الأنا" (4) وكذلك جاءت قصة "سارتر" (الغرفة The Room) المنشورة عام 1938 "أقرب إلى انشغالات المتخيل منها إلى أهداف الغثيان" (5), على حد ما يرى "فيليب تودى" , وذلك على اعتبار أن الغثيان كانت محاولة للخروج من العزلة , وإن تبدو جنينية وذلك بالبحث عن هدف ما.
وقد كانت أفكار "سارتر" فى الفترة المبكرة من حياته الأدبية لصيقة بالعزلة, والحرية المعزولة , وقد يرجع ذلك إلى طفولة "سارتر" ومعاناته من الوحدة , وتجلى ذلك فى موقف إيفا Eve التى يسير زوجها إلى الجنون مع إصرارها على الاحتفاظ به فى حجرتها هى , بما يوحى بحب مخلص , ولكنه متملك , وهى نفس الأفكار التى عالجها فى المتخيل حيث الفن لا واقعى , وفى قصته (الغرفة). وتصل العزلة إلى أقصاها عندما يعرض العلاقة بين الإنسان وأخيه الإنسان على أن كلا منهما جلاد للآخر عن طريق التزاحم , وسوء التفاهم , والحكم الذى يقوم به الآخرون , وذلك فى مسرحية الأبواب الموصدة Huis clos.(6)
ففى هذه المسرحية يكرّس "سارتر" الإحساس بالعزلة ويصور حياة الجحيم متجسدة فى وجود الآخرين , "إذ يرفع الستار عن صالون به ثلاثة مقاعد وثيرة , وقطعة من البرونز فوق المدفأة , ثم فتاحة لصفحات الكتب , دون أن تكون هناك كتب , كما أن الصالون خال من أية مرآة , أو نافذة , له باب قد أغلق بالمزلاج من الخارج , وبه جرس تالف لا يصلح للاستعمال"(7) فيخلق عالما منفرًا , لا يكترث فيه بالإنسان , ولا يقيم له وزنا, كما أن الحوار بين الشخصيات الرئيسية (جارسين, استيل, إيناس , والخادم) يوحى بالشيخوخة والعقم , إذْ تقول إيناس : "إن الإنسان يموت دائما أبكر مما ينبغى , أو بعد فوات الأوان".(8)
فلقد فقد الإنسان كل شىء ولم يعد يستطيع أن يرى فى أفعال الآخرين إلا اعتداءً صارخا عليه , وفقدت الحقيقة مغزاها , ولم يعد لها من يقولها أو يعاضدها , اللّهم إلا فى عالم , غير عالمنا الواقعى , أعنى عالم الهذيان والجنون.
فقد كتب (فيليب تودى) : "المجانين يقولون الحقيقة – هذا ما تقوله جوهانا فى سجناء الطونا Los Sequestres d, Altona عند شرحها لزوجها "فيرنر Werner" الأقرب إلى التفكير التقليدى , سبب تفضيلها لأخيه المتوهج ذكاءً والمجنون فى الظاهر فرانز Frantz , هناك رعب واحد , رعب كوننا أحياء There is only one the Herror of being a live"(9)
فقد كان المجنون المدرك أفضل لدى "سارتر" من المواطن المحترم الذى يعيش فى عالم الوهم , أو على حد قول "جون ستيوارت مل J. S. mill والذى يتفق معه "سارتر" , سقراط قلق غير قانع أفضل من خنزير قانع.(10)
إن هذا القصور المكرّس للعزلة والفردية فى العالم , الذى يرى الحقيقة خارج عالم الواقع يلتقى مع لا واقعية الفن فى المتخيل , ولعلنا لو سألنا "روكنتان Roquentin" عن العبثية Absurdity لأجاب بأنها كلمة "تتكون فى رأسه ولكنه يقاوم الكلمات وما يريده هو أن يستحوذ على الأشياء"(11)
"فسارتر"مشدود نحو العالم الّلا واقعى , وفى نفس الوقت يريد الواقعى (أو المتعين والمشخص) وهذا ما يشكل الالتباس فى الوضع الإنسانى.
"فأنا مشدود بين تفردى وعزلتى My Solitude وبين اتصالى بالآخرين .. بين حريتى وعبوديتى . هذا الالتباس وصعوبة الوجود الحقيقى الخاص بكل إنسان بين البشر الآخرين يدفع التفرد نحو المطلق , نحو محاولة أن يوجد To be . والحلّ الجمالى Aesthetic Solution فى مثل هذه المحاولة من قبل البشر الذين بدلا من أن يؤسسوا وجودهم على كشف التباس الزمان يتجهون نحو التأكيد على الوضع الداخلى لهم وينجزونه بشكل مطلق , والمحاولات الفنية تهدف إلى الوجود عبر المطلق الجمالى Aesthetic Absolute الذى تدعه بعيدا عن واقع وجوده الزمنى الحقيقى فى موقف البشر , تلك هى ميزة الحلّ الجمالى فى الغثيان.."(12)
فالحياة رتيبة , مملة والأيام تضاف إلى الأيام بلا سبب , وقد فقد الإنسان كل تبرير لوجوده , وهذا يشكل أمرا مروعا بالنسبة (لروكنتان) الذى يرى أن فى "وجود الحجر Stone إشارة إلى وعيه بوجوده الخاص , فبدون الحجر , أو وجود شىء ما يعدو وجود (روكنتان) مستحيلا."(13)
وبهذا , فإن العزلة القاتلة عن الواقع تبحث عن وجودها , أو بالأحرى عن تبرير لهذا الوجود فى الأشياء , أى فى ما هو (واقعى) والغثيان هنا عبارة عن رد فعل يقوم به ما هو لذاته "ضد لا معقولية وجوده الخاص ووجود العالم"(14)
إن "روكنتان" يعيدنا إلى "السورياليين" وإلى الغريب (المنبوذ) The outsider"لكامو Camus, وغيره من الأعمال المعاصرة "لسارتر" , فقد كتب "روكنتان" فى مذكراته "ينبغى للمرء أن يكتب كما يقوده قلمه , من غير أن يبحث عن الكلمات" (15) هذه الكتابة الأوتوماتيكية (الآلية) التى كان ينادى بها السورياليون وكذلك بإفراغه كل شىء من مغزاه وتساؤله "عن الحقيقة العميقة التى تبدو عبثا , ولكنها ملحة وطاغية"(16)
وفى قصة (إيروسترات) يجعل "سارتر" بطلها (هيلبر) يمارس نوعا من السادية مع بغى , ثم ينتهى به الأمر إلى حشو مسدسه بالطلقات والسير فى الشارع لإطلاق ما فيه من رصاص على المارة كيفما اتفق , والتى يعلق عليها (فيليب تودى) بقوله : "إن خطته هذه تشبه تعريف أندريه بريتون André Breton الشهير بأبسط الأعمال السوريالية بأنها الانطلاق وإطلاق النار على الجمهور بطريقة عشوائية , إلا أن "هيلبر Hilbert" يفشل فى بلوغ الكمال الأسود Black perfecion لخطته , إذ أنه لهلعه أصاب شخصا واحدا , ثم فرّ وأخفى نفسه فى دورة مياه مقهى , وبدلا من أن يطلق النار على نفسه , فإنه يستسلم بهدوء"(17) وبذلك لا تكتمل قصته , وهى تشير إلى عدم اكتمال المغزى السوريالى لها.
وتكريسا للعزلة فقد انتهى (روكنتان) بأن وجد خلاصة فى الفن His Salvation in The Art فقد سمع لحنا هزه , وكان عبارة عن أغنية لمطربة زنجية, فسرت إرتعاشات فى بدنه بعد سماعها تغنى بالإنجليزية " Some of these days you will miss me hony أترانى لا أستطيع أن أجرب ؟ طبعا القضية ليست قضية لحن موسيقى .. ولكن أترانى لن أستطيع فى ميدان آخر ؟ يجب أن يكون كاتبا , فأنا لا أحسن صنع أى شىء آخر".(18)
وذلك بعد أن يكون قد تحرر من كتاب التاريخ الذى كان يريد إنجازه لأنه يريد أن يتحدث عن الحاضر , لا عن الماضى , فقد أخطأ عندما أراد أن يبعث السيد "دورولبون" . وهو يريد أن يجد سببا , أو مبررا لوجوده , وقد كان الخلاص , بالنسبة "لسارتر" , يأتى عن طريق الفن فى تلك الفترة.
فلقد "حاول سارتر" أن ينظر إلى نفسه فى كتابته للغثيان كـ (هارب جمالى) As Aesthetic Escapist أو كفارس العدم As Kinght of Nohingness الذى يلعب لعبة المكسب والخسارة"(19)
ولقد رأى "كرانستون" أن "الغثيان" رواية وجودية , وليس فيها أى دليل يكشف عن وجود رواية من تأليف كاتب اشتراكى , (20) بل ويمكن أن توصف – كما يرى (Lacapra) بأنها رواية مضادة للرواية Novel anti Novel أو الرواية المتحللة (التفكيكية) Deconstructed Novel(21) إذ لا يوجد فيها الموقف الاجتماعى, فهى ليست إلا السرد ليوميات "روكنتان" المنعزل والذى يعانى الملل , ويبحث عن مبرر لحياته , ويرى الإنسان عاطفة (لا مجدية) , ويأنف من أى علاقات من أى نوع , إلى أن ينتهى بالخلاص بالفن . هذا الخلاص الذى كان مثار جدل فقد علق عليه الكاتب الإنجليزى (كولن ولسن) قائلا : "إنها التجربة الجمالية القديمة المألوفة حيث يسلم الفن النظام والمنطق إلى الفوضى".(22)
لقد كان الحاح الحل الجمالى , والهروب إلى (المتخيل) على "سارتر" إلحاحا شديدا فيما قبل الحرب العالمية الثانية , فيكتب عن دوس باسوس Dos passos" وعالمه اللا واقعى مشيدا به , إذ أنه "يقتطع مادته من عالمنا إلا أنه يبدو عالماً غريباً بعيدا كل البعد . فقد أغرى "دوس باسوس" شىء واحد , هو فن القص Story- telling وهو كاف لإبداع العالم " (23) فباسوس , فى رأيه , يستخدم العبث بوعى تام , ويلح على الوهم لكى يحرضنا على الثورة . فهو يفعل ما فى وسعه لكى تبدو روايته تأملا صرفا (محض تأمل) Mere Reflecion , وإن كان فنه ليس مجانيا Gratuiows تماما , فقد أراد أن يثبت شيئا ما , فهو يريد أن يعرض أمامنا العالم , عالمنا , ولكن دون شروح أو تعليقات. (24) ولا يهمه ما يدور فى حياتنا اليومية من تفصيلات.
فعالم "باسوس" العبثى – فى رأى "سارتر" يوجد تبريرا لحياتنا , عن طريق وصف العالم – وإلحاحه على الوهم الذى يدفع الإنسان إلى الثورة.
ويرى أن رواية (البير كامو) الغريب "قد صيغت بحيث لا تحاول أن تبرهن على أى شىء Not Tried to prove anything ولكن لديها محتواها الذى يجعلها مرتكزة على جدارتها الخاصة بل وتضع يدها فى يد مجانيتها فى اتجاه التباس معين"(25) فقد جاءت تعبيرا عن الإنسان العبثى , الإنسان الذى لا يمكن أن نفسر لغزه وإنما نصف وجوده , وهى لا تبرهن على شىء , فالغريب إنسان لا منتم , شأنه شأن "روكنتان" , وإن كان "ميرسول" –بطل الغريب – يبدو أكثر تطرفا , مما جعل "سارتر" يكتب متسائلا : "كيف لنا أن نفسر هذه الشخصية , إذْ فى اليوم التالى لوفاة أمه يذهب للسباحة , ويلهو مع فتاة ويذهب لرؤية فيلم كوميدى ويقتل عربيا بسبب حرارة الشمس , ويدّعى عشية إعدامه At the eve of his execution بأنه سعيد ولا يزال , ويأمل أن يكون هناك كثرة من المشاهدين عند المشنقة لكى يرحبوا به بصرخات الكراهية".(26)
إن "ميرسول" ليس طيبا , وليس سيئا , ولا أخلاقيا , وليس العكس , فهذه المقولات على حد قول "سارتر" لا تنطبق عليه , إنه شخص عبثى , والعبثى لدى "كامو" هو ذلك "الشخص الذى لا يتردد فى استنتاج النهايات التى لا معنى لها من اللامعقولية الأساسية الكامنة فى الأشياء"(27)
والغريب فى رأى "سارتر" ليست قصة للقصة , وإن كان "كامو" قد قال بأنها "رواية" A novel مع أن الرواية , من وجهة نظر "سارتر" , تتطلب زمنا تتطور فيه وتستمر فيه , وحضورًا واضحا لعدم تناقض الزمن , ويرى أن استعمال كلمة (رواية) لهذه اللحظات الداخلية المتتابعة فى الحاضر التى تسمح لنا أن نرى من الداخل ميكانيكية شىء , وضعا قصديا , مسألة يشوبها التردد , فلربما تكون رواية أخلاقية قصيرة , وسلسلة من الصور الساخرة , رواية وقعت تحت تأثير الوجودية الألمانية والروائيين الأمريكيين وثيقة الصلة بقصص فولتير Voltaire."(28)
ولكن ما هى الرواية العبثية , إذن بالنسبة "لسارتر" ؟
"إن رواية العبث The Novel of Absurdity , رغم أن عبثية الوضع الإنسانى تشكل نوعا فريدا , فإنها ليست رواية ذات رسالة With a message إنها لا تذهب بعيدا عن أن تكون نوعا من أشباح الفكر قصد إعداد براهين شكلية , إنها بالأحرى نتاج التفكير "المجرّد المتمرد والمميت" إنها فى ذاتها برهان على عبث العقل المجرد" (29) وهى تنبهنا إلى صدفية العالم.
لقد كان "ميرسول" غير عابئ بالإعدام حتى أنه يرفض دعوة القسيس له بالتوبة "فيمسك بياقة القسيس ويصب عليه جام غيظه"(30) فهو غير عابئ بالواقع الزائف , بل يسخر منه بمرارة . وقد التقت هذه الشخصية اللامنتمية – على حد تعبير "كولن ولسن" – مع مفهوم "سارتر" للفن الّلاواقعى , فى تلك الفترة مما جعله يخصها بدراسة كاملة.
ولكن لماذا يختار الكتاب الشخصيات التى تبدو غير روائية , وغير حقيقية Un-Novelistic Un True, على حد تعبير "سارتر" ؟
لعل السبب يكمن فى "الشروط الاجتماعية Social Conditions لحياتنا المعاصرة" (31) لأن ميتافيزيقا الكاتب هى التى تحدد طريقة تناوله لأى عمل فنى.
لقد كان الحل بالنسبة "لكامو" حلا جماليا , ذلك برفعه المشكلة إلى مستوى (ما فوق العلاقات الاجتماعية) , أو جعلها تتعالى على الواقع , وجعل "ميرسول" يسخر من كل الحلول والشروط الواقعية.
أما "وليم فوكنر W. Fulkner" - فى الصخب والعنف The sound and Fury فإنه يرى المستقبل مسدوداً Is closed لأننا نعيش فى زمن الثورة المستحيلة Impossible Revolution , ويستخدم الفن غير العادى لكى يصف اختناقنا والعالم الذى احتضر من زمن . و"سارتر" يقول بأنه يحب فنه , وإن كان لا بعتقد فى ميتافيزيقاه , فالمستقبل المسدود سيظل مستقبلا , حتى لو أن الواقع الإنسانى لم يكن شيئا أكثر من السابق عليه , حتى لو كانت أهميته بلا جدوى ووجوده لا يزال حتميا . فإن فقدان الآمال جميعا لا يعرى الواقع الإنسانى من إمكاناته . إنه ببساطة (أى المستقبل) طريق للوجود عبر هذه الإمكانات نفسها.(32)
إن "فوكنر" لا يصف الأفعال Actions إلا نادرًا , ويواجهنا بتناول مشكلة التكنيك القصصى , وإن ما يحبه فيه "سارتر" هو هذه القدرة الفائقة على المعالجة التى تجعل الأحداث ملساء , ومصقولة كالبرونز , ولكن تردده , وفرديته المبالغ فيها والمستقبل الموصد الأبواب , يجعل "سارتر" لا يعتقد فى ميتافيزيقاه , فالوجودية – على حد ما يرى "سارتر" فلسفة متفائلة رغم كل شىء.
لقد كانت رواية "الصخب والعنف" واحدة من الروايات التى تجد أن الوضع الإنسانى لا سبيل إلى الخلاص من مأساويته , "ولما كان "فوكنر" مقيدا بمادة موضوعاته فهو يلتزم دائما بوسائله الجمالية الخاصة"(33) , وقد بدا اتساق خيال وفن "فوكنر" مع ميتافيزيقاه , وهذا كان سر إعجاب "سارتر" الذى بهرته الجمالية , إلى حد جعله يشيد بهذه الرواية – رغم تحفظه الذى ذكرناه.
وإذا كان هذا هو وضع "فوكنر" فإن "بودلير" الشاعر الفرنسى , الذى فقد كل تبرير لوجوده , بعد أن نزع عنه (مطلقه) بزواج أمّه , وقدر له أن يكون (وحيدا للأبد) وقد كان يريد أن يشعر بتفرده وصار وعيه يشكل وعيه بذاته فقط , وبذلك سار فى طريق الغثيان والدمار.
"ويذكر "سارتر" كيف أن "بودلير" يهرب من هذا الشعور بالدوار إلى الخلق الفنى".(34)
فقد كان هذا هو خلاصه هربا من واقع محدود ضيق سلبه مطلقه , وقدم له حكم الآخرين عليه بالوحدة , فاختارها رافعا راية الجمال المقدسة فى مواجهة المجتمع الذى تسوده التجارة , وكل شىء يقدر ثمنه بمنفعته , فرفض أن يكون شعره أخلاقيا , فهدف الشعر ذاته "ولا يمكن أن يكون له هدفا آخر , والقصيدة الكبيرة النبيلة الجديرة بهذا الاسم هى تلك التى نظمت للذّة النظم فحسب " (35), إنه لا يريد أن يعطى شيئا للناس , أو شيئا مما له قيمة نفعية.
ولكن "بودلير" "بحلّه الجمالى , ومحاولة الخلاص بالفن , قد واجه انتقادات مريرة من "سارتر".(36) رغم أن "جان جينيه Jean genet" سلك سلوكا مشابها له (أو قريب الشبه منه) , ونال تعاطف "سارتر" .
فقد كان "جينيه" لا يعرف غير جينيه "فإله جينيه هو جينيه نفسه" (37) , واختار جينيه ما اختاره له الآخرون أيضا , فقد اتهم بالسرقة فصار لصا , "جينيه لص Genet is a Thief هذه هى حقيقته , الأساسية (38) ليس فقط عندما يقوم بفعل السرقة بل فى كل وقت , عندما يأكل وعندما ينام , وعندما يتكلم , وعندما يحلم , أو يكتب , حركاته إشاراته تعلن وضاعته , والمدرس قد يقطع الدرس وينظر فى عينى جينيه ويصرخ ها هو اللص , (39) لقد صارت الجريمة فى دمه ويرى فى الكتابة نوعا من إطلاق النار على الناس , جريمة دون كوارث , كشعره الذى يتعمد اغتيال النثر – على حد تعبير "سارتر" - , فالقاعدة الأساسية والوحيدة لإبتكارات "جينيه" وتكويناته هى "جينيه" ذانه , فبالنسبة له , أن ينشئ أى أن يبدع نفسه Is to Creat Himself ".(40)
إن "جينيه" اللص الذى رفضه المجتمع وطارده وسجنه , اللقيط , الشاذ , قد وجد "خلاصه Salvation فى الفن , لأن الفن غير أخلاقى Immoral وقد أشار "سارتر" إلى أن "الجمال هو انتصار الشر" إنه يزعج شعور الطيبين الخيرين ويجعلهم يشكّون فى أهمية الأخلاقيات والخير".(41)
فالجمال يمثل بالنسبة لجينيه حلما ممتلئا بالدمار , ومثل جينيه مثل "بودلير" , فهو يلفظ المجتمع الذى لفظه , ويستبطن الحكم الذى حكم به عليه المجتمع حتى يكون نابعًا من ذاته , وإن علاقة جينيه بالمجتمع الفرنسى صارت علاقة من نوع خاص "فقد أحب المجتمع الفرنسى كما يحب الزنوج أمريكا , الحب الذى يمتلئ بالكراهية , وهو فى نفس الوقت الحب اليائس" (42) وقد تعاطف "سارتر" مع (خلاص جينيه) , وقد أرجع (كرانستون ذلك) إلى كون "سارتر" يتيما مما جعله "يشعر بالتعاطف مع أولاد الزنا , وهو يعرف اليتيم بأنه ابن (زنا زائف)",(43) فلقد كان (كين) , (جوتز) بالإضافة إلى (جينيه) أبطالا , لأنهم أولاد زنا.
لقد وقع "فلوبير" فى أسر عالمه الخيالى – الذى ينسجه تصوره للجمال الثابت الأبدى , مما صرفه بعيدا عن الواقع , ولم يشارك فى أحداث عصره , وكان "يحلم بتحطيم الفكرة على صخرة الكلمات . ويستسلم للاستعارات , ولما سيطلق عليه فيما بعد عبارة (سحر الكلمة) أى يستسلم للكلمات , والكلام يطفو على فكره ويجرفه ويشعر "فلوبير" مرتاح البال بفكره يسرق إلا أنه يثق فى ذات الوقت فى تلك الكلمة الساحرة التى تتحدث عن نفسها بغير أن تنطق , وينبىء هذا المجتمع غير الإرادى للكلمات بالكتابة الأوتوماتيكية , وأن يعبر هذا الكلام عند السورياليين عن اللاشعور فليس لنتاجه عند "فلوبير" سوى عمقا وبعدا لفظيا . مع ذلك فلا تتزعزع ثقته فيه على الإطلاق وإذا ما ألقى على الورق بالجمل التى تحضر فى ذهنه فالفكرة سوف تأتى وينتظرها "كانت الأفكار ستحضرنى" , غير أن تلك الأفكار فى الواقع قد تأتى وقد لا تأتى وتراه يعترف بذلك" (44) . ويفصح "فلوبير" فى ذكرياته , بأنه لا يتوقع خيرًا من جانب الناس فلن تدهشه أية خيانة أو فعل دنىء.
وإذا كان "فلوبير" قد أمعن فى استخدام الأسلوب , وانساق وراء الكلمات وسحرها , وراء الانفصال والعزلة , فإنه استحق بحله (الجمالى) لعنة "سارتر" والذى قال : "وقد لا يكون "فلوبير" سوى خنزير غير راض".(45)
وكان هذا هو مصير "بودلير" , عكس ما كان بالنسبة "لجينيه" الذى خصّه بالمديح دون سواه , "فقد كان "سارتر" واحدا من هؤلاء الذين اعتبروا "جينيه" الشخص مثلا بحياته النموذجية . كشىء يعلو على كل أعماله المعروفة . وقد يكون وقوفنا عند كتاباته نفسها يجعلنا نتوقع هذا النمط من الحياة , ولكن سوف يكون البرهان السريع الواضح أن هذه الدراسة الضخمة ليست عن "جان جينيه" , بل بالأحرى عن بناء فلسفى متقن أقامه "سارتر" الذى عبر باسمه واستعار كلماته وشاركه فى أحداث حياته"(46) وإن كان هذا لا يبرر موقف "سارتر" من "جينيه" الذى سوف نعود إليه مرة أخرى فى هذا الفصل.
لقد كانت العزلة والخلاص بالفن من أهم انشغالات "سارتر" فى الفترة الأولى من حياته الأدبية والفكرية , وقد ظهرت أحيانا فى الفترة المتقدمة , سواء فى صورة دراسات : (جان جينيه) أو مسرحية : (الأبواب الموصدة) . وكان "سارتر" فى تلك الفترة لم يخط خطواته تجاه الالتزام , والحرية المسئولة , فقد كانت قصصه القصيرة , "والغثيان" , وغيرها (مما أشرنا إليه) ليست إلا تحريا واكتشافا لهذه الحرية فى ثوبها المجانى.
ولذا فإننا نجد استقامة فى تعامل "سارتر" مع الحل الجمالى , (أو الحرية المجاني) , فى قصصه القصيرة وفى الغثيان , ودراساته التى جاءت قبل الحرب العالمية الثانية (عن مورياك , باسوس , وفوكنر , كامو .. ) أما فى "بودلير" و "فلوبير" نجده يدين الحل الجمالى , فالكتاب الأول "بودلير" جاء فى العام الذى أصدر فيه "ما الأدب" , والثانى (فلوبير) كان من كتاباته المتأخرة , ولذا كان "سارتر" قد تحول عن الخلاص بالفن , إلى الحرية المسئولة , واتجه إلى الاقتراب , ثم الالتصاق بالماركسية . أما فى (الأبواب الموصدة) فإن "سارتر" نجده لم يتخلص بعد من (الحل الجمالى) ومن تكريس العزلة , رغم أن المسرحية تأتى بعد. (الذباب) التى كانت بداية مرحلة الحرية المسئولة (الذباب 1943 , الأبواب الموصدة 1944) ولكن "جان جينيه" كوميديا وشهيدا (1952) يأتى وسط دعوة "سارتر" إلى الالتزام والحرية المسئولة , كنشاز (وينبىء عن هوس "سارتر" الخاص بالوجودية الخالصة) – وسوف نعود إلى مناقشة هذه النقاط مرة أخرى.


(2) الحرية وأدب المواقف

(أ) الحرية بين السلب والإيجاب
ظهرت أفكار "سارتر" عن الحرية , كعنصر حيوى فى الأدب , بداية فى التحديد السالب للحرية والأخلاق الوجودية . فـ (هيلبر) , (ماثيو دولار) بطلان يملكان نوعا من الثورة السالبة , فقد فعلا كما فعل (بودلير) فى ثورته على المجتمع البورجوازى , "لكنهما أخفقا كما أخفق "بودلير" فى مواصلة الثورة حتى النهاية" (47) فقد أراد "هيلبر" أن يطلق النار كيفما اتفق على كل من يقابله . ووقف "بودلير فى مواجهة شريعة السوق فى المجتمع البورجوازى , ولكن كلا منهما لم يكن يعرف – بحق – أن عمله هذا عملا مجانيا أو (بالأحرى) عملا زائفا , ولذا أخفقا ولم يسعهما الاستمرار.
وتجسد المفهوم السلبى فى موقف (فلوبير) "الذى يندمج فى طبقته بنفس الطريقة التى يفضح بها عيوبها"(48) والذى انتقده "سارتر" بعنف , وفى طفولة زعيم , ذلك أن _"جوستاف فلوبير" , "مثل ليوسين Lucien فى طفولة زعيم Childhood of Leader وجد أنه كما لو كان مترقبا من الآخرين , والفرق هو أنه لم يكن فى مستوى هذا الترقب ولذا فهو اختار السلب بحمق واضح , اختار الغياب لكى ينهمك فى حلمه أفضل من الالتزام بالفعل المعقول , لكى يصير لا واقعيا".(49)
فالحرية تتجلى "لسارتر" فى صورتين , صورة سالبة , كما هى عند "بودلير" و "جينيه" , و"فلوبير" , صورة إيجابية يمثلها "سارتر" بعد أن انخرط فى المقاومة.
ويبدو الجانب السالب من الحرية والاختيار طريقا للإنسان الذى يفر من قدره مستنجدا بـ (نظر الآخرين) "بأن يطلب إليهم أن يحلوا محل التبرير الداخلى"(50) وذلك يتضح فى أبطاله الماسوشيين فى قصصه القصيرة . وفى مسرحية (الأبواب الموصدة) إذ تصرح "إيناس" بأنها خبيثة , وأن هذا يعنى أنها بحاجة إلى عذاب الآخرين , وفى قصة (صميمية) تترك "لولو" مصيرها يقرر بواسطة الآخرين , فمثلا فى ريريت Rirette التى تنصحها بالفرار مع عشيقها "بيير Pierre" فقضت معظم الوقت الذى تستغرقه القصة فى محاولة تجنب اللحظة التى عليها أن تتخذ فيها القرار".(51)
أما الفهم الإيجابى للحرية فهو يتمثل فى شخصيات المواقف عند "سارتر" وإن كان فهمه للحرية فى هذا المجال يحمل تناقضا حاداً فى داخله.
فقد صور "سارتر" اعتناق ليوسين فلورييه Lucien Fleurier فى (طفولة زعيم Chidood of Leader L,Enfmce d’un chef ) لأيديولوجيا الفاشية Fas- cits Ideology بأنه فعل حر Free Action رغم أن هذا الاختيار قد هيأته واعدته للقيام به الطبقة الاجتماعية التى ينتمى إليها."(52)
وإذا كان فعل الحرية يجب ألا يكون فى مواجهة البشرية , فإن وصف اختيار جانب الفاشية بأنه فعل حر من الأمور المتناقضة , كما أن إعداد الطبقة التى ينتمى إليها (ليوسين فلورييه) له مما يجعل الحرية تنتفى عن هذا الفعل . ولكن هذا الفهم الخاص للحرية يتكرر لدى "سارتر" , فيكتب عن "جينيه".
"واختيار "جينيه" بأن يكون شاعرا , الأمر الذى جعل حياته تتغير لم يأت بشىء جديد , فإنه يؤكد مرة أخرى اختياره الأصيل Original Choice , فقد قرر أن يكون ما قد أرادوه له He had decided to be what they had made of him ففى كدّه من أجل أن يكون لصا أدرك أنه اصبح حالما , ولكن إرادته الأصيله فى تقليد نفسه كلية لم تتغير , فمنذ وجد الحالم , وهو يؤكد على وجوده , وسوف يكون اللصّ الذى أصبح شاعرا", (53) فجينيه يريد ما أراده له غيره ويقبل فى غبطة المصير الذى حدده له , وحاول أن يتطابق مع الفكرة التى أرادها الناس له(54)
لقد أراد (جينيه) أن يكون لصًّا فى كل وقت , وشريرا أيضا , وعندما اختار الشعر كان يرى أنه "هذا الفعل المفاجئ الذى يشبه بالنسبة له الطريق الأمثل لفعل الشر , وتدمير الوجود destroying being . وسوف يصبح شاعرا لأنه شرير He will be a poet because he is Evil"(55)
وهنا نجد أن (جينيه) يشبه (فلورييه) , فاختيار (جينيه) للشر يشبه اختيار الأخير (للفاشية) فكلاهما اختار ما أراده له الآخرون.
والجدير بالذكر , أيضا أن "بودلير" الذى نزع عنه مطلقه , وتغلغل فى أعماقه إحساس بالهجر والنبذ والحرمان , أراد أن يستغرق فى العزلة بأسلوبه الخاص "وقد شعر بأنه إنسان آخر عن طريق الكشف المفاجئ عن وجوده الفردى الخاص"(56) فلجأ إلى المخيلة التى تفكك وتحطم العالم كله لتخلق منه عالماً جديداً بمقتضى قوانين تنبع من أعماق النفس , فقد كان (بودلير) يعتقد أنه ملعون , وموضوع على حدة , غير مفهوم , منفى فى كون يكتشف أنه فيه فريسة للبلاهة والخبث لدى الآخرين , مما جعله يلجأ إلى التميز والتفرد . ويبدو أنه من تناقضاته "ولد نموذج الإنسان الذى أراد "بودلير" أن يكونه أو أن يظهره – قبل شىء فى الغندور أو الداندى Le dandy الذى يحقق فى نظره المساومة الوحيدة الممكنة فى الكرامة , بين الإنسان وحده والمجتمع".(57)
لقد أراد (بودلير) أيضا ما أراده له الآخرون , وعاش ما يمكن أن يسمى بحالة الانفصام Schizoid state , فقد كان يعيش حياة ممزقة بين رفضه للمجتمع البورجوازى , وقبوله لمواضعاته فى نفس الوقت , إذْ يقول : "أما أنا الذى احس أحياناً سخرية النبى فإننى أدرك أنى لن أعرف أبداً محبة الطبيب , ضائع فى هذا العالم القبيح , غارق بين الجماهير" (58) فقد كان يرفض الموقف الاشتراكى , لأنه يجد فيه فجاجة وتسطيحاً للفن , والموقف البرجوازى المدّعى أيضاً والخاضع لشريعة السوق (59) . ولكنه انغمس فى العزلة التى اختارها له المجتمع البورجوازى.
لقد تعاطف "سارتر" مع "جينيه" ورأى فى اختيار "فلورييه" للفاشية اختياراً حراً , فى نفس الوقت الذى وضع فيه دراسة عن المسألة اليهودية يدين فيها الفاشية ويتعاطف مع بابلو إبيتا Paplo ibbita ورفاقه فى مواجهة الفاشيين (الكتائبيين) فى فى قصة (الجدار (The Wall) –Le mur ويرفض فى نفس الوقت موقف "بودلير" الجمالى , فى البحث عن الحرية فى العزلة والتفرد , وهو سلوك يشبه – إلى حد قريب – سلوك "جينيه" , فلماذا كان هذا التباين الواضح ؟
يكتب "موريس كرانستون" :
"الإنسان مضطر أن يستنتج أن ما يعجب "سارتر" فى "جينيه" ليس هو شجاعته المحضة , أو ثقته الجنونية , أو قراره المحال من أن (أن يكون) . إنه يعجب به لأنه ما أسماه (بوخارين البورجوازية) , الرجل الذى قوّض المجتمع الذى نبذه".(60)
وإذا كان "سارتر" قد نسى فى دراسته عن "بودلير" أنه شاعر كبير , فإنه لم ينس ذلك بالنسبة "لجينيه" , وإن كان ما أثاره فى "جينيه" أنه يكتب بصراحة كمجرم وأنه كان بتأثيره المزعج على الجمهور البورجوازى اليمينى التفكير , يشيد وجوده "فقد اضطهد البورجوازيون ابن الحرام الصغير , وجعلوه ضحيهم , ولكن الضحية تسدير لتعذيبهم أولا كلصً , حيث أطلقوا عليه هذه التسمية , ثم بتأثير أشد كشاعر"(61) بينما بقى "بودلير" سلبياً , فقد "قابل "سارتر" بين "بودلير" وبين نجاح "أندريه جيد" فى إطلاقه ذاته من التعاليم المسيحية مع موافقة "بودلير" على القواعد الأخلاقية المعطاة من الآلهة Gods والرسل Prophits" (62) فى الوقت الذى جعل من نفسه إلهه الخاص.
وقد عارض "سارتر" موقف بودلير" أيضاً بموقف "جورج صاند" , و"هوجو" و "ماركس" و "برودون" و"ميشيليه" وهم الكتاب التقدميون فى القرن التاسع عشر الذين علموا الناس أن المستقبل يمكن التحكم فيه , وأن المجتمع يمكن تغييره للأحسن . لقد لعب "بودلير" بنرجسيته ومظهره , و(شيطانيته) الغبية لعبة المنتكسين الكاثوليكيين".(63)
لقد كان "جينيه" ملفوظاً ومطارداً من المجتمع , ولذا انقلب على هذا المجتمع , ورفض قيمه , وعاداته فمارس أحطّ العادات , وسخر من مقدساته وآلهته , ولذا فضّله "سارتر" على "بودلير" الذى اقتنع بالقيم البورجوازية والسياسة الرجعية للإمبراطورية الثانية , "وكان كل ما يهم "بودلير" هو أن يكون مختلفاً"(64) . وقد كان "سارتر" يفضل أن يكون "بودلير" كاتباً اشتراكياً من الدرجة الثالثة عن أن يكون شاعراً غنائياً من الدرجة الأولى – على حد تعبير "فيليب تودى" … فقد كان أهم اعتراض وجهه "سارتر" إليه هو عدم الالتزام – وبالتحديد الالتزام الاشتراكى.
لقد رفض بودلير الانخراط فى عصره , فاستحق لعنة "سارتر" كما لعن فى عصره , ونفس اللعنة التى حلت على "فلوبير" من "سارتر" الذى حمله "سارتر" مع الأخوين "جونكو" المسئولية عن "القمع الذى تلا حكومة الكومونة لأنهم لم يكتبوا حرفاً واحداً لمنعه"(65)
إن النقد الذى وجهه "سارتر" إلى "بودلير" يمكن أن يوجه إلى "جينيه" رغم بعض الاختلافات بينهما , وهذا يوضح أن معيار "سارتر" لم يكن معياراً أدبياً , ذلك أن عدم اهتمامه بـ "بودلير" كشاعر أمر يجعل كتابه هذا لا يختلف كثيراً لوكان "بودلير" إنساناً آخر غير – صاحب (أزهار الشر) , وفى نفس الوقت هو ليس معياراً سيكولوجيا ففكرة تعاطف "سارتر" مع الأيتام واللقطاء و (أولاد الزنا) – على حد ما يرى "كرانستون" – هى الأخرى تحتاج إلى كثير من الفحص والتدقيق فـ"بودلير" يتيم , و"جينيه" (ابن زنا) , والتشابه بين "سارتر" و "بودلير" أعمق منه بينه وبين "جينيه" , ولذا فإن المعيار يمكن أن يكون سياسياً , وإن كان لا يمكن الجزم بأنه اشتراكى , فـ"سارتر" يكفيه "أن يكون المرء ضد البورجوازية"(66)
ولكن – حتى هذا المعيار – يجعل موقف "سارتر" يحوطه اللبس والغموض, فلابد أن يكون هذا التضاد مع البورجوازية حائزاً على درجة من التفضيل , حتى يروق لدى "سارتر" , وإن كان لا يبدد دهشة نقاده , إذا أثارهم إعجاب صاحب (ما الأدب ؟ والأدب الملتزم … ) بـ "جينيه".
(ب) الحرية والقدرية
إذا كان "سارتر" قد وقع فى اللبس والتناقض فى تعامله مع "بودلير" و "جينيه" فإنه فى دراسته عن "فرانسوا مورياك Francois Mauriac " يبدو أكثر وضوحاً.
يكتب "سارتر" :
"… الرواية فعل , وليس من حق الروائى Novelist أن يتخلى عن ساحة الصراع , ويستقر على جبل آمنً مطمئناً كمتفرج يتأمل مصائب الحربFurtunes of War " (67) ذلك أن الروائى يعيش عصره وينخرط فى مجتمعه ويعمل على تغييره.
لكن المستر "مورياك" "بتبنيه منحى شبه إلهى نحو شخصياته ينقض القاعدة الأولى للكتابة الروائية . وهو بحرمانه "تريز Théresé " من حريتها ومعاملتها كمثال للكيفية التى تحل فيها النقمة الإلهية فى الأنفس التى تبدو أبعد ما يكون عن ذلك يقف حائلا بينها وبين أن تكون حية , فالحرية التى تميز البشر فى كل علاقاتهم يجب أن تحترم فى الفن , وفى الحياة , والروائيون الجديرون بهذا الاسم هم الذين تعبر أعمالهم عن هذه الرؤية".(68)
وينتقد "سارتر" "مورياك" من خلال تحليل دقيق لشخصية "تريز" متسائلا : ترى هل تكون "تريز" حرة ؟ ويجيب بأنها ليست كذلك , قد تكون ساحرة وأخاذه , ولكنها تقع تحت سيطرة قدرية , فمفهوم "مورياك" عن القدر – فى رأى "سارتر" – يتضمن أن كل ما يحدث إنما يقع تحت وطأة حتمية قدرية لا قبل لنا بها , وهذا ضد رأى "سارتر" فى الرواية التى هى (فعل) , و(اكتشاف).
لقد جعل "مورياك" تريز" حائرة حيرة مأساوية بين الباعث الذى يحرك فيها طبيعتها , وبين القدرية المتسلطة عليها , وتبدو المواجهة الحقيقة بين الحرية ونفسها Freedom and Itself , ولذا فإن الحرية تسمم من منبعها الأصلى Is poisned at ist very source.(69)
فالحرية هنا تسلب قيمتها ومغزاها , فالناس – فى رأى "سارتر" أحرار بصورة كلية , أو ليسوا أحراراً بالمرة . وتجربة الحرية من أعظم التجارب الإنسانية , وهذا ما يجعل كتابة السيد "مورياك" التى تسلب الحرية كل شىء , كتابة مستحيلة , لأن فرضه القدرية , يلغى إمكانية الكتابة – التى هى تعبير عن الحرية – فمن "المستحيل كتابة رواية من وجهة نظر الله from the point of view of God لأن الله ميت Is deed" , والتماسك الذى يأتى للأمور من وجهة نظره مستحيل الوصول إليه , وكل ما فى وسع الروائى أن يقوم به هو إظهار تصور العقول للحرب التى تعم وتتخلل كل شىء , وإظهار ضياع عالم مات فيه الله . وفى وصف ردود فعل هذه العقول يمكن إظهار أن الإنسان تتسلط عليه ظروف حياته دائماً , ولكنه رغم ذلك حر فى أن يسلك تجاهها أى موقف يريد."(70)
ولذا فإن "مورياك" الذى اعتقد أنه يكتب رواية عن حرية شخص ما , يبدو للوهلة الأولى كاتباً لقصة عن العبودية Story of Salvement. والمؤلف الذى أراد أن يقدم لنا مراحل الصعود الروحى Stages of a Spiritual Ascension أقر فى مقدمته بأن "تريز" قادته إلى الجحيم."(71)
ويبدو اعتراض "سارتر" على مورياك أولا : فى سيادة هذا الجو من الحتمية القدرية الذى تتحرك فيه الشخصيات , مما يجعل الحرية مستحيلة , بل والكتابة الروائية أيضاً.
ثانياً : أن مورياك يفرض وجهة نظر الله على شخصياته , ولما كان "سارتر" يرى أن "الله ليس فناناً , ولا السيد مورياك God is not an artist, neither is monsieur Mauriac" (72) فإن هذا ضد كتابة الرواية . وهو يتسق مع كتابات "سارتر" اللاحقة التى تنتقد الذين استعبدوا لأى نوع من الجبرية أو الحتمية.(73)
لقد أكد "سارتر" على أن "الإنسان لن يكون حقاً إنساناً إلا إذا أدرك جدة قدره الشخصى , من غير لجوء إلى مهزلة الأوضاع والمسالك."(74)
وأكد أيضاً على أنه يقيم فلسفة وجودية الحادية (وذلك فى الوجودية مذهب إنسانى" ولذا فإن نقده لـ "مورياك" الروائى الكاثوليكى ذا مغزى , لأنه كان يؤكد انفصال "سارتر" عن المنابع المسيحية للوجودية , فى حياته الأدبية المبكرة – ويؤكد على أن الحرية – إنما تقوم على أساس الانفصال عن كل القوى الخارجة على النطاق الإنسانى , والمتسلطة عليه.
والجدير بالذكر أن "سارتر" الذى شن هجوماً عميقاً على القدرية – ضد "مورياك" يسقط فى حبائلها , ففى قصة (الجدار) والتى تتناول مصير ثلاثة من الجمهوريين الأسبان والذين حكم عليهم (الكتائبيون) بالإعدام نجد أنه بعد إعدام شخصين يعرض الكتائبيون على الثالث (إيبيتا) الإبقاء على حياته لو كشف لهم عن المكان الذى يختبىء فيه "غرى" . و"إبييتا" هو أكثر الثلاثة رباطة جأش , فقد كان مستعداً للموت , وتولته روح الفكاهة عندما طلبوا إليه ذلك الطلب, فأخبرهم – على سبيل السخرية – بأن زعيمه يختبىء فى المقابر , وهو يعتقد تمام الاعتقاد بأن (غرى) ليس هناك , ولكن يأتى إليه الكتائبيون ويطلقون سراحه , فقد مروا بالمقابر , ووجدوا زعيمه فى المقبرة فعلا وبعد أن بادلهم الرصاص أردوه قتيلا , وعندما يعلم "إيبيتا" بهذا يقول : "وأخذ كل شىء يدور , ووجدتنى جالساً على الأرض : كنت أضحك بشدة حتى أن الدموع طفرت إلى عينى."(75)
ومن هذا تتضح القدرية فى أمرين , مصرع (غرى) الزعيم فى المقابر , رغم أن هذا لم يكن ممكن الحدوث , ولم يكن ممكناً وجوده فى ذلك المكان بالمرة – هذا أولا – وثانياً : فى إفلات "إبييتا" من الإعدام رغم أن هذا لم يكن من الأمور الممكنة الحدوث.
ولعل هذا يوضح تناقضاً لدى "سارتر" , حيث يصب جام نقده على "مورياك" لنفس السبب الذى قادته إليه قصة (الجدار).، ألا وهو القدرية .
(جـ) الأدب , والمواقف
يكتب (فيليب تودى) : "من الحتمى والضرورى أن نبحث فى مؤلفات "سارتر" عن نجاح الأدب الملتزم , ومن الممكن أن تقدم مسرحياته , خاصة "سجناء الطونا Les Séquestrés d Altona" , النماذج المثلى لكيفية وضع نظرياته موضع التطبيق."(76)
فإذا كان "سارتر" قد رأى أن الأدب أداة لتغيير العالم والأوضاع الاجتماعية فإنه مما يجدر ذكره , أن "الدراما Drama هى الوسيلة المفضلة لدى "سارتر" للتعبير عن الالتزام فى الأدب , من أجل تغيير وضع الإنسان الاجتماعى , ومفهومه عن الحياة. فالرواية تصل إلى القارئ منفرداً , ومعزولا "وذلك عبر قراءته لها" ولكن بالنسبة للمسرحية فإنها تجعل الاتصال مباشراً مشخصاً مع المجموعات . وخلال سنوات الحرب , وجد "سارتر" فى المسرح طريقة الحديث المباشر مع هؤلاء الذين عاشوا معه نفس الموقف ونفس الكرب , ونفس الأمل The same hope وسبب آخر يجذب "سارتر" للمسرح , هو حاجة "سارتر" إلى الفعل المؤثر السريع الذى يفوق نظيره فى الرواية , وذلك بالرجوع إلى مشاهدة محدودة تساعد على الفهم بشكل أفضل."(77)
فالإنسان الحر لدى "سارتر" يوجد فى موقف , ويعتبر المسرح أفضل الأدوات التى استعملها "سارتر" لتصوير الموقف , وشخصيات "سارتر" تعبر عن الاختيار الحر الأصيل , لأنه يرى من واجب الكاتب المسرحى اختيار الموقف الذى يعبر أكثر من سواه عما يشغله من مسائل , ويقدمه للجمهور بوصفه مسألة معروضة على بعض الحريات."(78)
ويتضح هذا الاختيار عندما يصوغ "سارتر" شخصية "أورست Orstes" متكئاً على الأسطورة الإغريقية فى بناء موقف مسرحى معاصر , ومدخلا تعديلات دقيقة على الأسطورة التى تختلف عن كل من تناولوا الأسطورة , سواء من اليونانيين أو المعاصرين والمحدثين , مؤكداً على الموقف الوجودى , والمعبر عن الحرية.
وتبدو مسرحية (الذباب Les Mouches) تأكيداً لمفهوم "سارتر" عن الحرية الذى صاغه فى دراسته عن (فرانسوا مورياك) فى مواجهة القدرية , "فأورست" يخلص المدينة من العذاب الذى ترسف فيه معلناً أن هذه هى مشيئة الحياة , أن يعيش الناس فى حرية . ويخلصها أيضاً من القدرية.
"يقول "جوبيتر" : الحق إن هذا كان متوقعاً يا أورست , كان لابد لرجل ما أن يأتى ليعلن غروبى , أفهذا أنت ؟ من الذى يمكن أن يصدق هذا , أمس لدى رؤية وجهك الأنثوى."(79)
واختيار "سارتر" للموقف هنا : اختيار متعمد , أراد به أن ينقسم البشرية إلى أبطال , وبقية الجنس البشرى , كما أن الكرْب الذى يحيط "بأورست" , كرْب "ميتافزيقى".
والجدير بالذكر أن (الذباب) تصدر من نفس المصدر الذى صدرت عنه مسرحية "شكسبير" هاملت Hamlet ولذا نجد تشابهاً بين كل من "هاملت" و"أورست" , فى التردد فى اتخاذ القرار , ولكن "أورست" يحسم الأمر , فلا يطول تردده ويتخذ القرار متحملا مسئوليته , ولا يتطرق إليه الندم , لأن الذى يندم هو الذى يرتكب إثماً , بينما "أورست" يعتبر مخلصاً , ومحرراً , بينما فى – "هاملت" – نجد أن تردده , يؤدى به إلى الموت غيلة."(80)
وإذا كانت مسرحية "الذباب" التى كتبت ومثلت أتناء الحرب أو ل عمل مسرحى "لسارتر" يشهد تحوله الجنينى من الحرية الفارغة والمجانية التى ترى الخلاص فى الفن , إلى المسئولية , فإن مسرحية "المومس الفاضلة The Re- spectful prostitute" تصور لنا "ليزى" العاهرة الفاضلة التى ترى أثناء ركوبها القطار رجلا أبيض يقتل زنجياً . ولكن ابن الرجل الأبيض "فريد Fred" يقضى الليل معها لكى يدفعها إلى أن تقول فى شهادتها أن الزنجى Negro حاول أن يغتصبها Rape her وأن الرجل الأبيض "توماس كلارك Thomas Clarke" رماه بالرصاص أثناء دفاعه عنها . ولكن "ليزى Lizzie" ترفض , لكن البوليس يهددها بالقبض عليها بتهمة البغاء إذا لم تنفذ رغبة (ابن العم الأبيض) . ويأتى السناتور كلارك Senator Clark والد الرجل الأبيض (توماس كلارك) ويقنعها بأن الأمة الأمريكية فى حاجة إليه . وأن الحقيقة والعدل فى جانب الناس المحترمين ويقول لها : أتظنين أن مدينة بكاملها تخطئ بمن فيها من رهبان وخوارنة وأطباء ومحامين وفنانين ورئيس بلديتها ومساعديه وجمعياتها الخيرية , بل ويذهب إلى أبعد من ذلك , فهو يعترف بالوقائع ولكنه يتذرع لكى يخطئها بالفائدة الاجتماعية التى تصبح عنده الوازع الأساسى لهذه الأخلاقية المنافقة , وتقع "ليزى" , مخدوعة بالأساطير الأمريكية , ومرة آخرى عندما يقتل "فريد" زنجياً لاذ بحمامها فإنها لا تستطيع أن تفقد ثقتها بالأساطير الأمريكية American Myths وتنتهى المسرحية , و"فريد" يعدها بأن يكون أحد روادها الدائمين."(81)
لقد أقامت البورجوازية القوانين , ولكن لا لتطبق عليها , بل لتطبق على الضعفاء , ففى المجتمع الطبقى تسود شريعة الغاب أيضاً , ويصبح موت زنجيين لا يساوى توجيه اتهام إلى رجل أبيض , لأن الجميع سوف يقفون معه , ولا جدوى من شهادة "ليزى" لأنها سوف تجنى من ورائها اتهامها هى والقبض عليها بتهمة (البغاء) وجميع الطوائف والأفراد المحترمين سوف يقفون مع (توماس كلارك).
ولذا ترضخ "ليزى" , ويصير الزنجى القتيل – مجرماً وقتيلا , أما الأبيض , الذى يعد "ليزى" لقاء تزييف الحقيقة بأن يكون زبوناً دائماً لها , فهو الذى ذاد عن شرفها . فى هذا المجتمع ينقلب الوضع , المجرم يتحول إلى شريف , والبرىء إلى مجرم.
ويبلغ هجوم "سارتر" على القيم الغربية مداه فى (سجناء الطونا) , وهى مسرحية تعكس موضوع التعذيب فى المعسكرات النازية , والتعذيب الذى كان يقوم به الاستعماريون الفرنسيون فى الجزائر . فـ"فرانز" , الضابط فى جيش النازى متجه إلى الجنون , ووالده يخفى حقيقة أنه مازال حياً , وهو – أى الأب – فى تعامله التجارى يلعب اللعبة الرابحة وحسب . ويريد استعباد كافة أبنائه.
والمسرحية شديدة التعقيد , إذ نواجه فيها بعلاقة جنسية بين "فرانز" وأخته التى تستطيع التفاهم معه , وهو – أى "فرانز" – يرفض لقاء والده الذى يلهث وراء اللقاء , ويكرر رجاءه , ثم افتتان زوجة أخيه به . وأخيراً عزلته التى تجعله يعيش فى عالم أبعد ما يكون عن الواقع.
لقد علم الأب أنه محكوم عليه بالموت بعد ستة أشهر لمرضه بالسرطان , وحتى لا يكون "فرانز Franz" وحيداً فإنه يحاول فرض بقاء ابنه "فرنر Werner "وزوجته "جوهانا" فى المنزل , الذى يبلغ عدد حجراته "اثنتان وثلاثون حجرة" وتنفجر جوهانا لأنها تحس أن البيت يفرض نفسه عليهم ويؤكد ذلك الأب.
وتتعقد المسرحية حتى تصل فى النهاية إلى انتحار الأب , و"فرانز" معاً . وتصعد "لينى" أخت "فرانز" لتحل محله فى غرفته , وتنطلق "جوهانا" مع فرنر".
وفى هذه المسرحية تواجه بأنواع من القسوة , والشر وسوء الطوية , والتعذيب , والرغبة فى التملك , والمكسب الذى يساوى خسارة كل شىء . والتعقيد الموجود فى هذه المسرحية يوحى بأن الحرية – كما يرى "سارتر" – لا يمكن تناولها فى خفة , وأن العمل الفنى يعبر عن تعقد وغنى الحياة كما أنه يوصل الأفكار اليسارية.(82)
إن السجين لا يمكن أن يشارك فى علاقة إنسانية . فالأب , أعظم المسجونين قانونه الأخلاقى يتسم بميكافيلية تبرر الوسيلة بالغاية . والعالم الإنسانى يسيطر فيه القوى , ويرضخ الصعيف , و"فرانز" أيضاً لا يستطيع – بوصفه سجيناً – إقامة علاقة إنسانية , والعلاقة التى أقامها مع "لينى" علاقة آثمة , وكل ما يمكن أن يفعله هو أو أبوه , هو التحرر من عبء الوجود الثقيل الذى ينوء بكلكله عليهما من جراء جرائمهما - هو التحرر من الوجود – (الانتحار).
لقد كانت هذه المسرحية تتوجياً لالتزام "سارتر" السياسى , بتحليله الدقيق لشخصية "الأب" – الرأسمالى الجشع , و"فرانز" الضابط بجيش النازى وكانت حسماً لموقف "سارتر" الذى كان قبل "سجناء الطونا" ببضع سنوات – وموقف الشيوعيين منه إثر عرض مسرحيته (الأيدى القذرة Les mains sales).
لقد كتبت جريدة "لومانتيه L Humantie فى 4/7/1948 – بعد هذه المسرحية (83) عن "سارتر" – بأنه "يكتب كمأجور من فئة قرش لكل سطر , وبأنه يعمل قواداً لشعور العداء للشيوعية لدى البورجوازية."(84)
وقد نفى "سارتر" أن القصد من "الأيدى القذرة" هو نقد الحزب الشيوعى , كما رفض إعادة عرضها مرات بحجة أن ذلك لن يؤدى إلا إلى زيادة حدة الحرب الباردة , وقد كان هذا إحساساً منه بالذنب تجاه قيامه بتأليف هذه المسرحية . وإن قراءة المسرحية توحى , خاصة بالنظر إلى ما حدث لـ (هودرر Hoederer ) بأنها تنطوى على إدانة للحزب الشيوعى فى سلوكه للتملص من الأشخاص الذين يبذلون الجهد فى خدمة الحزب.
وتنهض المسرحية على "أن إيمان "لويس Louis" سنة 1943 بخطأ اللجوء إلى التحالف مع البنتاجون Pentagone كان عميقاً إلى حد جعله ينظم أمر قتل "هودرر" لأنه تجرأ على اقتراح ذلك . ولكن اعتقاده هذا يزول فى غمضة عين عندما تصل الأوامر من (موسكو) فتحول نقمة "لويس الخلقية" , فجأة إلى "هوجو Hugo" حليفه السابق ومخلب القط Cats paw فى العملية . ولكن الأذى كان قد وقع , وأصبح "هودرر ميتاً".(85)
وفى هذا الموقف يدين "سارتر" أولا : التصفية الجسدية للمعارضين فى الحزب لأنه من المفروض أن يتم اقناعهم بالحوار , لا بالاغتيال.
ثانياً : تبعية الحزب لموسكو , وتصرف أعضائه كما لو كانوا تروساً فى أيدى قادة الكرملين وذلك فى فترة سيادة "الستالينية".
ورغم أن "سارتر" حاول أن يخفف من أثر المسرحية بمنع عرضها أو اعتراضه على التصرف فى النص الذى تم عند عرضها فى (نيويورك) تحت عنوان (القفازات الحمراء Red Gloves) فإن مغزاها لا يزال فى مواجهة الشيوعية . وقد اضطر "سارتر" إلى تأليف مسرحية جديدة هى "نيكراسوف Nekrassov" وهى ملهاة ساخرة من الغربيين المتعصبين للحرب الباردة ممن يستغلون المهاجرين الروس لإثارة الجماهير ضد الشيوعية , وقد كانت المسرحية محاولة لإعادة الجسور مع الماركسية والحزب الشيوعى , وإن كانت من الناحية الفنية أدنى مستوى من "الأيدى القذرة".
وإذا كانت "الأيدى القذرة" قد أثارت ضجة اضطرته إلى تأليف (نيكراسوف) لتلاشى الأثر الضار لها , فإن (الدوامة) وهى سيناريو فيلم لم ينتج رغم نشره بالفرنسية والإنجليزية , فقد كانت (أى الدوامة) بمثابة المقدمة (للأيدى القذرة) فقد كان الصراع بين "جان Jean" الاشتراكى , وبين "لموسين" البورجوازى المسالم يشبه الاختلاف بين "هودرر" و "هوجو" وإن كان الموقف فى الدوامة أقل حدة . "وهناك فقرة فى السيناريو تصور مسبقاً عقدة "الأيدى القذرة" . إن "جان" يقرر أن الضرورة السياسية تقتضيه أن يعدم "بنجا" الذى يتهم بالخيانة وإن كان ليس هناك أى دليل , فتقرر اللجنة اعدام "بنجا" ويجرى اقتراع فيقع عبء تنفيذ الإعدام على "لوسين" . وعلى أية حال يعفيه "جان" من هذا الواجب ويطلق النار بنفسه على "بنجا" وعندما كان "بنجا" يجود بأنفاسه يعلن أنه برىء , وسرعان ما ينكشف بعدها أنه برىء."(86)
ورغم التشابه بين السيناريو وبين مسرحية (الأيدى القذرة) إلا أنه لم يثر أية ضجة , ربما لأن العرض المسرحى , أو السينمائى يجتذب الجمهور بقدر أكبر , ويكون أكثر حياة وإثارة.
ولعله يكون من المهم فى هذا المجال أن نتذكر , ما رآه "سارتر" عند نقد المسرح البورجوازى فى محاضرة ألقاها فى السربون عام 1960 , إذ قال :
"الوجود المسرحى , صورة حركات , وصورة فعل , والفعل الدرامى Dramatic Action هو فعل الشخصيات The action of characters . والفعل فى الشعور الحقيقى بالعالم , وذلك بالشخصيات وليس بصور الشخصيات على المسرح بل بصورة الفعل , وإذا نشد إنسان ما تعريفاً للمسرح , إننا نسأله ما هو الفعل ؟ لأن المسرح لا يمثل شيئاً سوى الفعل Because the theatre can represent nothing , but the act."(87)
إن المسرح فعل , والكاتب لابد أن يكون معبراً عن موقف.
وفى مسرحية "الشيطان والرحمن Le Diable et la Bon Dieu" عبر "سارتر" عن موقفه من الثورة , فقد اكتشف "جوتز Goetz" أن (الخير) فى جو الصراع الذى يعم ألمانيا فى القرن السادس عشر ذو نتائج لا تقل عن (الشر) وهو إذ يقدم متبعاً الإحسان المسيحى أراضيه للفقراء , فإن النتيجة تكون إشعال ثورة سابقة لأوانها فى ألمانيا . وعندما أخفقت تلك الثورة , وبدا أن جيش الفلاحين يكاد يباد عن بكرة أبيه , فإن "جوتز" يدرك أن المحاولات الفردية المنعزلة من أجل تحسين وضع الإنسان محكوم عليها بالإخفاق وأن الحل فى عمل جماعى يشترك فيه الجميع."(88)
وهنا يتطور موقف "سارتر" فى اتجاه الـ (نحن) بعمق , ويقدم القيم الجماعية فى صورة جذابة.
هذا , ولكن المسرحية تحتمل أكثر من ذلك بكثير , فهناك التشابه بين "جوتز" وبين "جان جينيه" , فكلاهما أراد أن يدرك الحرية عن طريق الشر المطلق , وإن كان "جوتز" أراد عندما فشل فى إدراك ذلك , أن يقلب قطعة النقد على الوجه الآخر مكرساً نفسه لتحقق الخير المطلق , ولكن هذا أيضا لم يكن ممكناً . فيضع "جوتز" نفسه فى خدمة "ناستى Nasty" الذى يبغضه ويزدريه , فعندما يرفض أحد الضباط إطاعة الأوامر فإن "جوتز" يقتله بطعنة , ويكون موقفه أكثر واقعية , إذ يتخلى عن الشر المطلق , والخير المطلق , ويطأطىء للواقع – عكس موقف "جينيه" الذى كرس نفسه لإدراك الحرية عن طريق الشر المطلق , ويتضح ذلك من الحوار الآتى بين (جوتز) وضابط من ضباطه :
جوتز : اقترب لقد عيننى ناستى زعيماً وقائداً , هل تطيعوننى ؟
ضابط : بل افضل الموت.
جوتز : مت إذن با أخى (يطعنه) أما أنتم فانصتوا , إننى أتولى قيادتكم ضد رغبتى ولكننى لن أتركها . صدقونى , لو سنحت الفرصة لكسب هذه الحرية فسوف أكسبها , أعلنوا الآن أننى سأشنق كل جندى يحاول الهرب من الجيش . أريد ضبطاً كاملا لكل القوات والأسلحة والمؤمن . رؤوسكم رهن مسئولياتكم عن كل شىء سنكون واثقين من النصر عندما يخافنى رجالكم أكثر مما يخافون العدو – (يريدون أن يتكلموا) .. كلا , ولا كلمة اذهبوا . غداً تعرفون ما أنتوى (يخرجون) . (يدفع جوتز الجثة بقدمه) . بدأ حكم الإنسان بداية طيبة . هيا سأكون يا ناستى جلاداً أو جزاراً.(89)
عند المقارنة بين 0الشيطان والرحمن) , و(الأيدى القذرة) يرى "فيليب تودى" : أن "جوتز" هنا مثل "هودرر" يرى أن كل الوسائل صالحة طالما أنها تخدم قضية الثورة , ويتخلى عن محاولته الشبيهة بمحاولة "هوجو" فى تغيير العالم مع الإبقاء على يديه نظيفتين" (90) فقد فشل فى فرض الخير عن طريق السلام.
ولكننا نرى أن "جوتز" أقرب إلى "لويس" فى "الأيدى القذرة" الذى يرى التخلص من كل معارض بالتصفية الجسدية , ويمنع الرأى الآخر … (ولا كلمة) . سأكون يا ناستى جلاداً وجزاراً . وإنه (أى جوتز) يأتمر بأمر "ناستى".
والجدير بالملاحظة هنا , هو التناقض الذى يقع فيه "سارتر" , فما أدان به (لويس) والحزب فى (الأيدى القذرة) يبرره ويحاول أن يجعله مقنعاً نتيجة لتعاطفه مع (جوتز) فى نهاية المسرحية , وأساساً مع (ناستى).
بل وما كان رآه ميزة خاصة بـ "جينيه" بإدراك الحرية عن طريق الشر المطلق يجعل "جوتز" يفشل فى الوصول إليه , ويحاول أن يجرب عكس ذلك تماماً بأن يقلب وجه العملة , أى الوصول إلى الحرية بالخير المطلق , فيقتل أيضاً , ويعمل من أجل المجموع ولكن فى عزلة وحيداً مع السماء الفارغة , ويقتل لأن فى القتل يكمن الصالح العام.
ويخيف الجنود لأنه لا توجد وسيلة أخرى لكسب محبتهم , تلك كلمات "جوتز" الأخيرة والتى ترى أنه لكى يكون واقعياً , فإنه يجب أن يتحول إلى جزار وجلاد , ولكى يحقق صالح الناس , يجب أن يخيفهم , ويرعبهم , بمعنى أنه لا لقاء بين الخير المطلق والخير فى الواقع.
لقد صارت الحرية إذن شيئاً آخر غير ما كانت عليه فى (الغثيان) فقد صارت واقعية ومخضبة بالدماء , ولم تعد مجرد تمرد , أو ثورة فى مواجهة القدرية , بل صارت لصيقة بالحياة اليومية . فمسرح "سارتر" (يقدم صورة عن الإنسان كموجود فى عملية صيرورة مستمرة , لأنه هو ما يفعله Because he is what he does" (91) وهو ملتصق بالعصر , فبدلا من أن يسمو على الأحداث , كما فعل "مارسيل" , كان "سارتر" "أشد التصاقاً بالبيئة" (92) وهو لم يصور نماذج كلاسيكية أو تاريخية , بل هو يصور مواقف , والأزمة فى هذه المواقف ليست أزمة أحداث بل أزمة أفكار , (أى أن المسرحية لا تحتوى على عدد من الأحداث الدرامية المتيسرة التى تهز وجدان المتفرج , بل تصور موقفاً تجمعت خيوطه على نحو يجعل منه أزمة من أزمات السلوك البشرى … قل أزمة ضمير , أو أزمة قضية."(93)
ورغم أن "سارتر" قد شيد فى مسرحياته المواقف التى تركز على حيوية الفعل الإنسانى , فإنه فى عالمه الروائى , لم يكن على نفس المستوى الذى وصل فيه فى مسرحياته , ولعل اهتمام "سارتر" بالمسرح هو الذى جعله يتطور من خلاله , كما أنه الوسيلة المحببة لديه , كما ذكرنا ذلك من قبل.
ولذا فقد كان عالمه الروائى محل انتقادات عديدة , رغم كونه –لا يخرج فى التحليل الأخير – عن كونه جزءاً من عالم "سارتر" العريض . وأولى هذه الانتقادات (94) : أن "سارتر" يراقب الإنسان ويحلله , يعرض كل الحقيقة الإنسانية , حتى التى تغضى عنها الحشمة . فنحن نجد أن (دانيال) – فى "دروب الحرية Ways of Freedom" لوطياً , كما نجد أن (بول هيلبر) فى "إيروسترات" يتسلى بمشاهدة امرأة ساقطة (ثقيلة بما فيه الكافية) – هى "رينيه" وهى تمشى عارية أمامه ممارساً نوعاً من السادية , فقد كان "سارتر" يرى أن من واجبه "كطبيب للنفوس" ألا يهمل شيئاً بالمرة – على حد قول (البيريس).
وثانى هذه الانتقادات : أنه لم يكن يريد أن يخفى شيئاً من مصائب الإنسان بحجة الدقة والصراحة , وثالثها : هى أن "سارتر" لا يقتصر على الوصف , بل يحكم ويهدف إلى الإيحاء بطرق للسلوك وقواعد , وهو بذلك يفضى إلى إقامة مقاييس أخلاقية ليست هى مقاييس المجتمع الذى يحيط به , مما جعل الكنيسة الكاثوليكية تضع أعماله على لائحة (المحرّم).
لقد جعل "سارتر" من أدبه وعاءً يصب فيه فلسفته , فأدار حواره الفلسفى على خشبة المسرح من خلال الشخصيات المسرحية . وجعل شخصيات رواياته فى مواقفها تدير حواراً من أجل الإيحاء بما ينبغى أن يكون , ولذا كان يختارها شخصيات متنوعة . ففى (دروب الحرية) نجد (برونيه) شيوعياً و (دانيال) الملحد لوطياً , والذى أراد أن يكون لوطياً مثل كون شجرة البلوط شجرة بلوط , و"ماثيو" العاقل الذى يقف بين طبيعة "دانيال" الملحدة الساقطة بقصد , وطبيعة "برونيه" الملتزمة بشكل سطحى , والذى يقع تحت وطأة الاختيار بينهما , وقد رأته "إيريس موردخ" ممثلا لسارتر نفسه (95) واعترض على ذلك "موريس كرانستون" كما أكد أن لا درب من دروب الحرية التى يسلكها الأشخاص العديدون فى الرواية هو الطريق الصحيح.(96)
إذا كان "سارتر" قد وجد فى "جينيه" موضوعه المثالى الذى غرق فيه حتى النهاية , مؤكداً الحرية عن طريق الشر , حيث وضع الكتاب فى قالب هيجلى Heglian Mode ليكون معبراً عن الحرية الديالكتيكية من الناحية الشكلية على الأقل (97) . فإن مسرحيات "سارتر" جاءت مؤكدة لإندرج الكاتب فى العالم والتزامه بعصره وواقعه الاجتماعى , بكل ما فيه من تعقيدات , والعمل على تغيير هذا الواقع , وذلك كما اتضح من موقف (أوريست) أو من النقد الحاد للمجتمع الغربى (فى المومس الفاضلة) , و"الشيطان والرحمن" التى تشق طريقاً واقعيًا للتغيير .. وغيرها.
فالمسرح فعل , والرواية عمل يتجه به الكاتب إلى حرية القارئ , والمضمون الرئيسى للعمل الأدبى هو – الحرية –

(3) الصياغة , ومشكلة التوصيل

لقد كان "سارتر" فى أدبه , مشغولا بالدرجة الأولى بمحاولة إيجاد المعادل الفنى أو الأدبى لفلسفته , مما دعاه إلى التركيز على المضمون , إلا أنه لم يغفل تماماً المسائل الفنية فى العمل الأدبى , سواء فى نقده , أو رواياته ومسرحياته التى كانت بحق روايات ومسرحيات ذات مستوى فنى جيد.
وقد كانت أعمال "سارتر" محاولة لتقريب الفلسفة إلى اذهان جمهور أعرض, الجمهور غير المتفلسف , الجمهور الذى قد يرهقه "الوجود والعدم" أو "نقد العقل الديالكيكى" , ونحن نجد أن "سارتر" فى "الغثيان" يقدم عملا فنياً فى صورة يوميات (98) وهى تمثل "أنطوان روكنتان" الذى تحلل من كل العلاقات من الأسرة والمهنة والأصدقاء والأقارب , وتخطّى العلاقات الاجتماعية , وقد كان انهيار "الشخصية" – هنا يعادل انهيار الإطار الاجتماعى الذى يضمها . فلم يرسم لنا "سارتر" شخصية تتطور مع الزمن , وأحداثاً تتكاثف حتى تصل فى النهاية إلى العقدة , فالحل , كما كان مألوفاً فى الأدب التقليدى , وإنما نواجه بإنسان لا يمكن الإمساك بأى نوع من التطور الذى يعتريه , إنسان غير تقليدى , يعيش حياة فارغة , تخلو من المعنى.
وهذا يعيدنا إلى أدب ما بين الحربين , حيث كانت أوروبا تعيش التمزق والتفسخ , فساد الأدب نوع من عدم التحدد , فى الشخصيات , والإحباط والفراغ فى المضمون … , وكأن "سارتر" إذ وقع تحت تأثير تلك الفترة فى "الغثيان" قد وقع بالتحديد تحت تأثير الشاعر (الإنجليزى – الأمريكى) , ت . س اليوت T. S. Eliot صاحب الأرض الخراب The waste land وغيرها فلنستمع إلى إليوت يقول على لسان "الفريد ج . بروفروك" , فى قصيدته "أغنية حب ج . الفريد بورفروك Alfred, J., Porofrok song"
"إنى أكبر … أهرم … أكبر … وأهرم.
سيأتى يوم أقلب فيه سراويلى
هل ألقى بشعرى إلى الخلف , هل أجرؤ على تناول خوخة.
سوف ألبس بنطلوناً من الفانلة البيضاء , وأسير على الشاطىء .."(99)
فما يقوم به "بورفروك" أشبه بمنولوج داخلى يناجى به نفسه , وهو نفس ما يقوم به "أنطوان روكنتان" (100) عندما , يقول عند السادسة مساءً , محدثاً نفسه … "لقد فهمتُ كل ما حدث لى منذ كانون الثانى (يناير) . إن "الغثيان" لم يتركنى , ولا أحسب أنه سيتركنى بهذه السرعة , ولكنى لا أكابده بعد , فهو لم يعد مرضاً , ولا نوبة عارضة , إنه أنا .." (101) ويوالى بعد ذلك وصفه لجذر الكستناء المنغرس فى الأرض, ووصفه الأشياء لمجرد قتل الوقت.
وقد كان التكتيك المستعمل فى "الرواية" مناسباً لما يريد أن يقوله "سارتر" من ناحية المضمون.
فأولا : "روكنتان" ليس شخصية روائية كاملة , وإنما هو "لا شخصية" , أو بمعنى ما أنه إنسان فى خضم الحياة الفارغة , ليست له طبيعة محددة مسبقاً , وإنما هو مشروع وحكاية "روكنتان" , هى حكاية الإنسان الفارغ الذى يبحث عن الامتلاء.
ثانياً : "روكنتان" متحلل من الروابط الاجتماعية , ولذا فالرواية بلا صراع اجتماعى وإن كان المغزى الذى تريد أن تقوله هو البحث عن مبرر للوجود , أى أن المشكلة ميتافيزيقية , ولذا هو يلجأ إلى المذكرات , والمونولوج الداخلى.
ثالثاً : فى فلسفة "سارتر" نراه يهتم بإعلاء شأن الإنسان , ولذلك فإننا نجد أن "روكنتان" يرى الأشياء , الحجر , جذر شجرة الكستناء , البحر , العصفور , وغيرها بعيون إنسانية , أى أنه يراها , ليست كأشياء وإنما من خلال وعيه بها , وهذا عكس ما يراه "آلان روب جرييه" الذى يرى الأشياء كأشياء , والعلاقات بينها علاقات بين أشياء , وليست علاقات بين أنماط من الوعى بها كما هو عند "سارتر" لأن "جرييه"(102) ينطلق من فهم "لا إنسانى" للأشياء , وقد كان أحد مآخذ "جرييه" على "سارتر" هو أن "سارتر" لا يرى الأشياء كما هى , وإنما كما تتجسد فى وعيه.
فـ"سارتر" فى تكنيكه الروائى (فى الغثيان) يستخدم الوصف , من أجل هدف آخر , هو توصيل مضمون إنسانى.
ويبدو واضحاً تأثير فكرة الخلاص بالفن , (الحل الجمالى) على صياغة "سارتر" وأسلوبه , ورغم أن "دروب الحرية" تخطو إلى الأمام , نحو فهم اجتماعى للأدب , إلا أننا نجد أيضاً أن "ماثيو دولار" يبدو كشخصية غير نموذجية , فهو يبدو ممثلا لشخصية الّلابطل , Anti Hero , هو لا يقوم اطلاقا بفعل أو قول شىء ما يدل على الفطنة , ويظهر عبر المناقشتين أو الثلاث التى قام بها مع أخيه "جاك Jaeques" محامياً تقليدياً ناجحاً يقصد به أن يكون مثلا آخر عن الخنزير البورجوازى Bourgeois Salaud , المفكر السطحى ذى الآراء المتناقضة وغير المنسجمة".(103)
وكل شخصية قد تأتى أى شىء , لأن الشخصيات لدى "سارتر" , بلا ماض , ولكنها ذات مستقبل لا تقرره قوى قدرية , كما هو عند "مورياك" , وإنما هى التى تقرر ذلك , لأنها حرة , وبذا يمكن القول بأنها نقيض "الشخصية" – بمعنى أنها لا يمكن التنبؤ بما عدا ما تقوم به وفق أى معايير مألوفة , سواء كانت دينية مسيحية (مثل مورياك) (أو محكومة باللا شعور , والطفولة (فرويد) , وهذا التكنيك يتسق مع ما يريد "سارتر" الإفصاح عنه.
وقد رأى "سارتر" أن "فن السرد ينطوى على نظرة الروائى المتيافزيقية"(104) ذلك أن القصة , كما تقول "سيمون ديبفوار S. D. Beavoir" "إذا قرئت بأمانة كانت معينة على كشف حجاب الوجود الذى ليس فى استطاعه أية أداة من أدوات التعبير الأخرى أن تأتى بما يساويه."(105)
والرواية , فى رأى "سارتر" مرآة , ولكنها المرآة التى تساعدنا على أن نخطو فوق حافتها , خارج نطاق التأملات Outside Reflections لأن أشياء عالمنا , فى الواقع تبدو غيرها عند التأمل , والحدث الروائى ليس إلا وجوداً بلا اسم فلا شىء يمكن أن يتحدث عن الإنسان وعن تطوره , لأن الإنسان هو الذى يرى الأشياء "وليس العكس , والإنسان يمكن رؤيته فى (موقف) , والموقف هنا موقف فكرى يحتاج إلى فعل , وليس مجرد حدث ضمن السرد الروائى أو القصصى.(106)
فإذا كان "سارتر" قد استغنى عن الشخصيات المحددة مسبقاً , لأنه لا يؤمن بطبيعة إنسانية ثابتة , فإنه أيضاً استغنى عن الحدث الذى يؤدى تشابكه مع أحداث أخرى إلى عقدة , وإنما استعاض عنه بالموقف.
وقد أخذ "سارتر" على "مورياك" سيره على منهج الاستبطان والتحليل النفسى , ورأى أن على كاتب القصة حين يستعين بوسائله من الكلمات أن ينصرف إلى التعمق فيما يكتب , ويصور السمات المميزة لزمن يشبه الزمن الحاضر الذى أعيش فيه , أنا القارئ , لأنه لو وقع فى ظنى أن أفعال البطل محددة سلفاً بالوراثة, أو بالمؤثرات الاجتماعية أو أية آلية أخرى فإن الزمن ينعكس مجراه على , ولا يبقى سواى : أقرأ واستمر فى قراءتى تجاه كتاب لا حركة فيه.(107)
ويؤكد "سارتر" هنا على أهمية أن يكون تنكيك الرواية , موحياً بمضمونها ومتسقاً معه , فإذا كان الإنسان مشروعاً , وحراً , معنى ذلك أنه لا تحدده قوة أخرى , ويجب أن تكون الشخصيات حاضرة , وهى التى تنصرف فى مستقبلها , ولذا فإن الزمن يجب أن يكون معبراً عن الحاضر.
يتحدث "سارتر" عن صياغة "الغريب The outsider" لـ "كامو Camus" فيقول "الجمل فى الغريب عبارة عن جزر The sentences in the out sider are islands , فنحن نقفز من جملة إلى جملة , ومن فراغ إلى فراغ , ومن أجل التأكيد على انفصال كل جملة عن الأخرى فقد اختار المستر "كامو" أن يقصّ قصته Tell his story فى جمل تعبر عن المضارع التام Present perfect"(108)
إذا كان "كامو" قد جعل من الزمن أداة توحى بانفصال الجمل , فإن "فوكنر" يتبنى تكنيكاً يبدو – على حد ما يرى "سارتر" "نفياً للتزامن Negation of Temporality"(109) إنه يمثل الحاضر الذى لا نستطيع الكلام عنه , إنه يتسرب عبر كل تشقق , والغزوات المفاجئة للماضى , هذا النظام الانفعالى Emoional order المتعارض مع النظام الثقافى الإرداى الكرونولوجى (المتسلسل تاريخياً) Chronology . ويرى "سارتر" أنه لا يجد فرقاً بين زمن "مارسيل بروست Marcel Proust" وبين زمن "فوكنر" , فبالنسبة لـ"بروست" فإن الخلاص Salvation يحدث فى الزمن ذاته , وفى الإعادة الكاملة للماضى , ولكنه بالنسبة لـ"فوكنر" فإن الماضى لم يفقد أبداً.
يكتب "سارتر" :
"لنقول الحقيقة , إن تكنيك "بروست" الروائى يجب أن يكون لـ"فوكنر" هذه هى النهاية المنطقية لميتافيزيقاه , "فوكنر" إنسان ضاع , وذلك "لأنه يستشعر الفقدان , لأنه يخاطر مقتفياً أثر أفكاره إلى أقصى ما تصل إليه من نتائج".(110)
و"سارتر" يختلف مع ميتافيزيقا "فوكنر" ولكنه يعجب بأسلوبه وصياغة , فى نفس الوقت الذى جعل "باسوس" أعظم روائى العصر , ذلك لأن العواطف Passions , والإشارات Gastures , التى يراها أشياءً أيضاً والتى جعلها "مارسيل بروست" حتمية , "أراد باسوس أن يبقى طبيعتها الحقيقية فقط" (111) , وباسوس هو الذى أقام "سارتر" على نسق تكنيكة الواقعى الأمريكى , رواياته – على حد ما يرى "موريس كرانستون".(112)
لقد أقام "سارتر" رواياته , "الغثيان" , و"دروب الحرية" متبعاً فيها أساليب غير تقليدية (كالاهتمام ببناء الشخصية والحدث) , وإنما متبعاً تكنيكاً جديداً , ولكن ما هو هذا التكنيك الجديد ؟
لنترك "سارتر" يوضحه , إذ كتب , فى حديثه عن "الغريب" لـ "كامو" :
"إنه كافكا كُتب بواسطة هيمنجواى Its Kafka written by Hemingway … فقد أبقى "هيمنجواى" حتى فى "الموت فى الأصيل Death in the afternoon" على الأسلوب الفجائى للقصة الذى يقذف كل جملة منفصلة بعيداً فى الفراغ بنوع من التقلص العقلى التنفسى (سبازم) respiratory spasm , فأسلوبه يساوى ذاته ونحن نعرف أن المستر "كامو" لديه أسلوب آخر , أسلوب متكلف , لكنه فى "الغريب" أحياناً ما يرفع مستوى النغمة , وجمله حينئذ تصير أطول , وتتواصل فى حركة (صرخة بائع الجرائد المدوية فى الهواء المسترخى Relax , وآخر الطيور فى الساحة , ونداءات بائع الشطائر (السندوتشات) , وولولة The Wail الترامات (المركبات الكهربائية) فى المنحنيات المرتفعة فى المدينة , والصوت البعيد فى السماء قبيل بداية الليل عندما يلوح عند المرفأ كل شىء أمام الرجل الضرير الكبير الذى الفته كثيراً قبل أن أدخل السجن) (113) فالجمل هنا لدى "كامو" تبدو متواصلة , وأطول مما لدى هيمنجواى فى أسلوبه (التلغرافى).
وقد كان "كامو" يرى أن الأسلوب يعْبر حالة التوتر بين الوعى والواقع , إنه التوازن بين الشكل (الواقع) , وبين المضمون (الوعى) . والأثر المتمرد يُميل الواقع ويعطفه . إن أسلوبه يصهر الصوت البشرى الذى يحتج , ولهذا يكتسب كثافة ومتانة جديدتيتن.(114)
إن أسلوب "كامو" بشكل عام يشبه أسلوب "هيمنجواى" – رغم بعض الاختلافات التى اتضحت فى "الغريب" لـ"كامو" , فـ"كامو" متأثر كـ"سارتر" بالأسلوب الأمريكى فى الرواية – إن صح واعتمدنا هذا التعبير الذى اقره كل من "كرانستون" , و"سارتر" – فالمقارنة بين "كامو" و "هيمنجواى" تبدو مثمرة جداً فى رأى "سارتر" , "فالعلاقة واضحة بين الأسلوبين , وكل منهما يكتب نفس النوع من الجمل , وكل جملة ترفض استغلال زخم التراكم بواسطة الجملة السابقة عليها , لكل جملة بداية جديدة . كل جملة أشبه بصورة شمسية خاطفة Snapshot لإشارة أو موضوع ما . ولكل إشارة جديدة أو كلمة يوجد فى المقابل لها جملة جديدة"(115)
ومن الجدير بالذكر أن "سارتر" كان أيضاً من المعجبين بـ"إرنست هيمنجواى" الذى أطلق على "سارتر" لقب "جنرال General " ووصفه بأنه "كابتن Captain" (116) وذلك عندما التقيا فى باريس 1945 , مقدراً ما لـ"سارتر" من تأثير فى عالم الأدب.
لقد كان "سارتر" مهتماً أيضاً , إلى جانب المضمون , ببعض مسائل التكنيك وكان فى هذا أيضاً ينطلق من وجهة نظره الفلسفية , التى فرضت مظلتها على جميع ضروب نشاطه جاهداً بأن يؤكد على دور الكاتب وأهميته , وفى نفس الوقت طريقة توصيله , وأسلوبه.
وقد تجلى اهتمام "سارتر" بأسلوب التوصيل فى المسرح – أو ما اصطلح على تسميته بمسرح المواقف – فقد كان التعامل المباشر مع الجمهور دافعاً له إلى جعل الأفكار تبدو فى نقائها , ووضوحها , ولم يلجأ "سارتر" إلى الأساليب المسرحية المعقدة , أو إلى أنواع من الفنتازيا , وإنما كان يحرص دائماً على التوصيل الجيد , لم يلجأ إلى حيل "برانديللو" حيث كلن يجعل الممثلين ينطقون من بين مقاعد الجمهور أو إلى وحشية "آرابال" , كما أنه لم يسقط فى التعليمية , وكان نمطاً عادياً من كتاب المسرح من حيث الأسلوب الفنى , نمطاً من الكتاب الواقعيين بحرصه على تحليل شتى جوانب الموقف , وإظهاره فى أجلى صوره , وكان تعامله مع الشخصيات , يقوم على أساس أنها حرة , وأنها يمكن أن تأتى أى شىء , وإنها محكومة بالمستقبل , وليس بالماضى.
ولقد أكد "سارتر" باستمرار , بأن المضمون هو الذى يحدد الشكل , وكانت كتاباته سواء فى مجال الرواية أو المسرحية , أو فى مجال النقد تؤكد على هذا المفهوم , ولذا اعتبر مسرح "سارتر" بحق مسرح أفكار , انصب الاهتمام فيه بالدرجة الأولى عن الفكرة والموقف , ثم بعد ذلك كان التكنيك وإن كان هذا لا يسجل هبوطاً فى الأسلوب بالضرورة.

(4) تعليقات وانتقادات

لقد رأينا كيف يتقدّم "سارتر" من المجانية إلى المسئولية , فى أعماله النقدية ورواياته ومسرحياته , وكيف حاول أن يحقق الانسجام بين هذه جميعاً وفلسفته النظرية والسياسية . و"سارتر" فى مسيرته هذه قد مرّ بمنعرجات وطرق شتى ولم يكن طريقه صاعداً , فى الاتجاه من المجانية إلى المسئولية بشكل مباشر بالنسبة للدراسات النقدية والرواية والمسرحية , وإننا نود أن نقدم هنا بعض التعليقات :
(1) لقد رأى "سارتر" أن الخيال طاقة قادرة على إنقاذ الإنسان من الواقع المؤلم , وقد تجسد ذلك فى كتاباته الجمالية النظرية , إذ رأى أن الفن لا واقعى Unreal, وجاء فى اتجاه "روكنتان" إلى الخلاص عن طريق الفن "وتضوّع جينيه فى هذا العالم الخيالى"(117), كما جعل "فلوبير" نفسه يعيش فى الخيال , قد عدمّ Deistuales نفسه رافضاً أن يحل فى أى مكان (118) , ونفس الحل الذى وصل إليه "بودلير" عندما , أراد أن يكون وحيداً إلى الأبد , هارباً إلى العزلة والتفرد , (فى صحراء المدينة الكبيرة).
ونحن نجد أن "سارتر" قد وقع – كما أسلفنا – فى تناقض , إذ نجده يتعاطف مع "روكنتان" , و"جينيه" ويرفض كلا من "فلوبير" , و"بودلير" , ويرى فى أحد المواضع أن القديس "جينيه" هو الكتاب الذى شرح فيه على وجه أفضل ما يعنيه بالحرية (119) , وأن بحثه عن "بودلير" كان دراسة "ناقصة جداً , سيئة للغاية …"(120) , ويعود ليقول عن "جينيه" "فمن الواضح أن دراسة انشراط "جينيه" بأحداث تاريخه الموضوعى , ناقصة ناقصة جداً"(121) فقد استغرق فى "جينيه" كشخص شاذ , ولم يهتم بشكل كاف بالشروط الموضوعية التى دفعته إلى سلوكه , وارتكز على التحليل النفسى , أكثر من اهتمامه بالواقع التاريخى.
وقد وقع "سارتر" فى تناقض , فما أعجبه فى "جينيه" , اعتبره عيباً فى "بودلير" , ولا يمكن أن تكون بعض الفروق الواهية بين الشخصيتين – والتى أوضحناها فى القسمين الأول والثانى من هذا الفصل – كافية لأن يتّخذ من الشخصيتين موقفين متضادين.
والجدير بالذكر , أن "سارتر" , عندما كان يبحث عن الخلاص بالفن , أو الحل الجمالى , لم يكن بعد قد وقع تحت تأثير الماركسية , خاصة فى "الغثيان" ولكنه فى "بودلير" كان يجد فى الحل الجمالى – بالنسبة لـ"بودلير" , وكذلك بالنسبة لـ"فلوبير" , هروباً من الواقع , ومن ثم خيانة – فقد كان يطلب من "بودلير" التزاماً اشتراكياً , كما طبق على "فلوبير" التحليل النفسى الوجودى – إذ جعل من أزمة فلوبير (122) (اختلاله العصبى) منطلقاً لتحليله , كما حاول تطبيق ما أسماه فى كتابه "نقد العقل الدياكلتيكى" "بالمنهج التقدمى التراجعى , أى التقدم فى دراسة النص الأدبى , من خلال التراجع لدراسة حياة مؤلفه , وعصره فى دراسته لـ"فلوبير" فيحلل ظروف "فلوبير" الاجتماعية , من حيث هو واحد من أبناء البورجوازية , ويحلل العصر الذى انجبه , ويحلل علاقاته العائلية والغرامية , ثم يدرس "مدام بوفارى" وهى أهم أعماله , ويدرس معها أعماله الأخرى , كذلك فى إطار أنها أفعال اختارها "فلوبير" بمحض حريته , ويجيب على السؤال الذى طرحه , وهو لماذا اختار "فلوبير" أن يكون فناناً منعزلا , ولماذا لم يشارك قضايا عصره".(123)
وقد كان "سارتر" فى دراسته عن "فلوبير" , و"بودلير" قد وقع تحت تأثير الماركسية , ولعل هذا هو السبب الذى جعله يرفض , ما كان يجده صحيحاً بالنسبة لـ"روكنتان" , أو حتى بالنسبة لـ"ليوسين" فى (طفولة زعيم) , ولكن الغريب , هو أنه يجد فى "جينيه" بطلا , مع اتفاقه فى كثير مع "بودلير" , وفى نفس الوقت الذى جاءت دراسته فى فترة تقع بين دراسته لـ"بودلير" , ودراسته لـ"فلوبير" , وهى نفس الفترة التى صاغ فيها مسرحيته "الشيطان والرحمن" وبالتالى فإن "سارتر" كان أيضاً واقعاً تحت تأثير الماركسية , ولكن "جينيه" لم يكن اشتراكياً , وأما كون "جينيه" هو (بوخارين البورجوازية) , أى الرجل الذى قوض المجتمع الذى نبذه , فليس كافياً حتى يكرس له "سارتر" هذا الاهتمام , ويحوطه بمثل هذا الإعجاب , وهذا هو تناقض "سارتر" الذى يميزه دائماً.
والجدير بالذكر , أن "سارتر" عندما فرض على "بودلير" رؤيته الخاصة , ومع أنه كان تحت تأثير الماركسية إلا أنه لم يكن متفقاً مع الاتجاهات الماركسية – بصفة عامة – فى موقفها من "بودلير" , فنحن نجد أن مفكراً ماركسياً هو "إرنست فيشر" يتخذ موقفه من "بودلير" على أساس مختلف مع الأسس التى نهضت عليها آراء "سارتر" فقد رأى أن "بودلير" بعيد عن دنيا الرأسمالية , وأنه قد أقصى القارئ البورجوازى عنه بأنفة وكبرياء , مع حرصه على أن يبهره بالصدمات المتصلة , وأنه كان يتحدث عن ضيقه من الواقع , وفى نفس الوقت كان يتحدث عن تلك "المتعة الأرستقراطية" متعة إثارة استياء الناس.(124)
وقد رفع "بودلير" راية الجمال المقدسة فى مواجهة عالم الرأسمالية المتعجرف (125) . وكان شعار الفن للفن محاولة منه للافلات من عالم البورجوازى. ولكنه وقع فى (مصيدة) المبدأ البورجوازى القائل بالإنتاج للإنتاج.
فـ"بودلير" لم يكن مجرد متواطئ مع المجتمع البورجوازى , بل كان محتجاً عليه , وإن كان فى – رأى فيشر – لم يستطع الإفلات منه.
وهذا رأى يختلف مع "سارتر" ولعله ينجم من أن "سارتر" لم يهتم بـ"بودلير" الشاعر – والذى كان يجب أن يكون موضع الدراسة , ولعله لو قام بذلك , وبناءً على رأيه هو فى عدم التزام الشعر , لكان موقفه من "بودلير" يختلف كثيراً عماً جاء فى دراسته عنه.
وإذا كان الموقف قد اختلف بين "فيشر" و "سارتر" تجاه "بودلير" فقد حدث نفس الشىء بالنسبة لـ"فلوبير" , فقد كان – فى رأى "فيشر" – "فلوبير" محتجاً على البورجوازية , ويوجه إليها الاحتقار , "فقد كتب فلوبير إلى جورج صاند يقول : إنه ليس من حق الفنان (أن يعبر عن رأيه فى شىء أياً كان . فهل حدث أن عبرت الآلة عن رأى ؟ .. إننى أعتقد أن الفن العظيم موضوعى وغير شخصى … إنى لا أريد حباً أو كراهية , لا شفقة ولا غضباً … ألم يئن الأوان بعد ليحتل العدل مكانه فى ميدان الفن ؟ إن نزاهة الوصف عندئذ يصبح لها جلال القانون."(126)
وقد وقف "فلوبير" موقفاً عنيفاً من المجتمع , اليمين واليسار , وقد كانت رواية "مدام بوفارى" هى النموذج الحق للفرار إلى أحلام الهستيريا الرومانسية , وكان "فلوبير" رغم أنه احتج بعنف على المجتمع البورجوازى – وقد حوكم بسبب مدام بوفارى (127) كما حوكم "بودلير" بسبب "أزهار الشر" – فإنه لم يفلت أيضاً من تأثير ووطأة المجتمع البورجوازى.
وهذا هو الفرق بين موقف "سارتر" الذى نظر من علٍ لكل من "بودلير" , و"فلوبير" وبين الموقف المتشابك الذى وقفه "فيشر".
(2) عندما طرح "سارتر" مفهومه عن الاختيار والحرية والمسئولية متجهاً إلى (أدب الواقف) , فإننا نجد أن "سارتر" , مع اتساقه الكبير مع الأفكار الفلسفية الأولى , التى كانت تركز على أن "الوجودية فلسفة الحادية" , وأن موت الله قد جعل الإنسان حراً , ومسئولا أمام نفسه , وذلك حين ناقش فى مقاله عن "فرانسوا مورياك, والحرية" وكذلك فى طرحه لمفهوم "الجحيم هم الآخرون" كما جاء فى مسرحيته "الأبواب الموصدة" , التى اتسقت مع ما جاء فى "الوجود والعدم", وإذ يبدو أن "سارتر" لم يقع بعد تحت تأثير الفكر الماركسى , إلا أن "سارتر" هنا يفهم الحرية فهماً سالباً , حيث يترك الإنسان للآخرين تقريره مصيره كما فى (صميمية ، طفولة زعيم) وهذا يجعل "سارتر" يقع فى تناقض، رغم كون عدم وجود قوة قدرية هى التى تقرر مصائرنا , إلا أن هذا لم يجعل الإنسان مسئولا مسئولية كاملة (إذ يقرر له الآخرون مصيره) , ويزداد ذلك جلاءً عندما تجد (الحل القدرى) هو الذى ينهى قصة "الجدار" إذ يموت (غرى) ’, وينجو "إيبيتا" من الإعدام بصورة عشوائية.
وهنا نجد أن "سارتر" يقع فى ما كان يأخذه على "مورياك".
(3) فى "مسرحيات المواقف" نجد أن "سارتر" ابتداءً من "الذباب" وحتى "الشيطان والرحمن" – باستثناء الأبواب الموصدة – يرسم المواقف , ويجعل الشخصيات معبرة بالدرجة الأولى عن هذه المواقف , وهو فى اتجاه تطوره , يبدأ من المسئولية التى يتحملها شخص , أراد أن يكون حراً , ويصل فى النهاية إلى الحرية التى تفرض نفسها بشكل واقعى , حيث يأخذ "جوتز" على عاتقه – فى "الشيطان والرحمن" – تحرير الشعب , مستعملا كافة الوسائل , حتى التى كان يجدها سيئة , وبغيضة , كالقتل , وإراقة الدماء , وإسكات المعارضين بأية وسيلة ولكن داخل هذا السياق , تأتى "الأيدى القذرة" لتعبر عن "نشاز" , إذْ يرفض "سارتر" فيها ما يبرره فى "الشيطان والرحمن" , ويبدو أن هذه المسرحية , صارت – بعد أن اتجه "سارتر" بعنف إلى الماركسية (ذنبه الأكبر) حتى اضطر أن يكفر عنها بـ"نيكراسوف" والعديد من التصريحات والمواقف , بل و"الشيطان والرحمن" قد جاءت – بالدرجة الأولى لتعبر عن هذه النقطة أيضاً.
والجدير بالذكر أن "سارتر" قد كان فى هذه الأعمال واقعاً تحت تأثير الماركسية, وإن كان لم يفقد تميزه الخاص.
(4) عندما طرح "سارتر" من خلال دراساته النقدية , أو أعماله الروائية والمسرحية مشكلة الصياغة والتوصل , فإننا نجده , كان بالدرجة الأولى مشغولا بتوصيل مضمون فلسفى معين ثم بعد ذلك تأتى طريقة التوصيل , وهذا هو ما جعله فى القصة والرواية أو المسرحية , لا يتخذ خطوات واسعة بالنسبة للتجديد فى الشكل وإنما استخدم الأشكال التى كانت سائدة حين شرع فى الكتابة , بل وما يمكن أن يقبلها المثقف العادى , فلم تستهوه طرافة الأشكال السوريالية" أو "الدادائية" وغيرها – وإن كان يمكن لمس نوع من "السوريالية" غير المكتملة فى "الغثيان" فى (الكتابة الآلية) فقد كان يبحث دائماً عن تبرير فلسفى للشكل الذى يتخذه وعاءً , يصب فيه المضمون الذى يريد . ولكنه فى نفس الوقت رفض بعض المتيسرات التقليدية فى بناء الشخصية , إذ رفض المدارس النفسية والاتجاهات اللاهوتية الحتمية (مورياك) وغيره جاعلا من الشخصية كائناً حراً , بلا ماض , ولكنها فقط ذات مستقبل , وإلى هنا فإن "سارتر" لا يزال متسقاً فى فهمه للأسلوب والتوصيل مع فلسفته , ولكن التناقض كان يأتيه دائماً من تعليقه على الكتاب المعاصرين له , وذلك فى ربطه بين أسلوب "هيمنجواى" و"كامو" تارة , وإقامة التعارض بينهما تارة أخرى , وكذلك بالنسبة لـ"فوكنر" , و"بروست" ولم يقدم "سارتر" – رغم بعض الإشارات – مفهوماً متكاملا عن الأسلوب فى الرواية , أو السرد الروائى , وكل ما قدمه هو بعض الملاحظات التى جاءت بمناسبة الكتابة عن هذا المؤلف أو ذاك.
والجدير بالذكر أن "سارتر" فى طرحه لمشكلات الأسلوب والتوصيل , لم يكن قد تأثر بالرؤيا الماركسية , فى هذا المجال بعد, فلم يظهر تأثير الماركسية عليه إلا عندما قدم كتابه "ما الأدب ؟ " ودراساته التى تلت ذلك.
والآن يمكننا القول بأن "سارتر" فى رواياته ومسرحياته , ودراساته النقدية , كان شأنه , شأن دراساته النظرية , يحاول أن يقدم مفاهيمه الوجودية التى خضعت لمؤثرات شتّى , من أهمها الفكر الماركسى , فيما بعد الحرب العالمية الثانية , وهذا لم يمنع أن يكون للإبداع تميزه الخاص أحياناً , بأن تند إحدى الشخصيات عن القصد , فيبدو ذلك التناقض الذى صبغ حياة "سارتر" بصبغة خاصة.
***

الهوامش :

(1) إلكسندر , أمير : النقد ونظرية الأدب السارترية – مصدر سابق , ص 219.
(1) Thody , P. : Sartre, op. Cit., p. 53
(3) بطل القصة كاتب يطور كراهية"روكنتان" (للإنسانية) حتى أفضى به هذا الكره إلى الجنون الإجرامى , وهو مفتون بنموذج (إيروستراتوس Herostratus) الذى أراد الخلود بحرق معبد (ديانا Diana) فى إفسوس Ephesus , ولذا فهو قد قرر أن يقوم بأى عمل يرفع من مكانته المتوسطة ليصير بين المجرمين العظام.
See, : Thody, p. : Jean Paul Sartre, op. Cit., p. 27.
(4) Thody, p. : Sartre, op. Cit., p. 50.
(5) Ibid, p. 49.
(6) Ibid, p. 47, 49.
وأيضاً : فام , لطفى : المسرح الفرنسى المعاصر , الدار القومية للطباعة والنشر , القاهرة بدون تاريخ , ص 165 , سارتر , ج . ب : مسرحيات سارتر , ترجمة سهيل إدريس , دار الآداب , بيروت , بدون تاريخ , ص ص 103-153 (والمسرحية ترجمت تحت عنوان "جلسة سرية" , وأيضاً : , سارتر , ج . ب : قصص سارتر – ترجمة سهيل إدريس , دار الآداب , بيروت 1956 , ص ص 65 –71 (الغرفة).
(7) فام , لطفى : المسرح الفرنسى , المعاصر , مصدر سابق , ص 162.
(8) سارتر , ج . ب : مسرحيات سارتر , مصدر سابق , ص 150.
(9) Thody , P. : Sarte, op. Cit., p.50.
(10) Ibid, p. 50.
(11) كرانستون , م : سارتر بين الفلسفة والأدب , مصدر سابق , ص 14.
(12) Purrert, Peter, The Aesthetic Solution in Nausea and Maltelaurids Brigge – Comparative literature, Vol. XXIX No. I, winter, 1977, University of Oregan, 1977, p. 18.
(13) Lyon, Laurance Gill : Related Images in Matelaurids Brigge and la Nauséé- comparative literature, Vol. XXX, No, l, Winter 1978, University of Oregan, 1978, p. 21.
(14) رجب , محمود : الأسس الميتافيزيقية لأنطولوجيا سارتر , ضمن كتاب (سارتر مفكراً وإنساناً) مصدر سابق ص 146.
(15) سارتر , جان بول : الغثيان , مصدر سابق , ص 82 , راجع موقف سارتر من السوريالية فى الفصل السابق.
(16) البيريس : سارتر والوجودية , مصدر سابق , ص 58.
(17) Thody, p. : Sartre, op. Cit., p. 50
(18) سارتر , ج . ب : الغثيان , مصدر سابق , ص 249.
(19) Lacapra, D. : A preface to Sartre, op. Cit., p. 96.
(20) كرانستون , م : سارتر بين الفلسفة والأدب , مصدر سابق , ص 32.
(21) Lacapra, D. : A preface to Sartre, op. Cit., p.97.
(22) ولسن , كولن : اللامنتمى , ترجمة أنيس زكى حسن , دار الآداب , بيروت , ط (1) و1969 , ص 23.
(23) Sartre, J. P. : Literary and Philosophical Essays, Translated by Annette Michelson, Riderand Company, London, 1955, p. 89.
(24) Ibid : p. 88
(25) Ibid : p. 24.
(26) Ibid : p. 24.
(27) Ibid : p.p. 24, 25.
(28) Ibid : p. 41.
(29) Ibid : p. 28.
(30) Ibid : p. 28.
(31) Ibid : p. 87.
(32) Ibid : p. 87.
(33) هاو , إرفنج : وليم فوكنر , ترجمة سعد عبد العزيز , مراجعة عثمان نوية , دار الكاتب العربى للطباعة والنشر , القاهرة , بدون تاريخ , ص 175.
(34) كرانستون , م : سارتر بين الفلسفة والأدب , مصدر سابق , ص 131.
(35) بيا , باسكال : بودلير بقلمه , ترجمة صلاح لبكى , المؤسسة العربية للدراسات والنشر , بيروت , 1969 , ص 162 , والفقرة من مذكرات بودلير عن (إدجار آلان بو) والتى استعادها أثناء دراسته عن (جوته).
(36) سوف نناقش ذلك فى جزء لاحق من هذا الفصل.
(37) Sartre, J. P. : Saint Genet, Actor and Martyr, Translated by : Bernard Frechtman, Georg Brazilller, N. Y., 1963, p. 24.
(38) Ibid : p. 18.
(39) Ibid : p. 18.
(40) Ibid : pp. 519, 543.
(41) Thody, p. : Jean Paul Sartre, A literary and political study, op. Cit., p. 153.
(42) Sartre, J. p. : Saint Genet, op. Cit., p. 55.
(43) كرانستون , م : سارتر بين الفلسفة والأدب , مصدر سابق , ص ص 148 , 149.
(44) سارتر , ج . ب : الوعى الطبقى عند فلوبير الطليعة , العدد 10 أكتوبر 1966 , مؤسسة الأهرام , القاهرة , 1966 , ص ص 105, 109.
(45) المصدر السابق , ص 105.
(46) Little, John, David : Sartres Genet, In his Interruptions Grossman publishers, 1970, 116 –130 In Carolyn Rilley, Barbara Harte, ed. Of Contemprary literary criticism Vol, 2, Gale Research Company, Michigan, 1974, P. 158.
(47) Thody , P. : Sartre, op. Cit., p. 51.
(48) سارتر , ج . ب : الوعى الطبقى عند فلوبير , الطليعة , العدد 8 , أغسطس 1966 , مؤسسة الأهرام القاهرة 1966 , ص 105.
(49) Caws, P. : Sartre, op. I, P. 193.
(50) البيريس , ر . م : سارتر , والوجودية , مصدر سابق , ص ص 91, 92.
(51) Thody , P. : Sartre, op. Cit., p. 52.
(52) Ibid : p . 55.
(53) Sartre, J. P. : Saint Genet, op. cit., p. 33.
(54) الكردى , محمد : سارتر وجينيه , عالم الفكر , المجلد (12) , 54 , مطبعة حكومة الكويت , سبتمبر , ص 27.
(55) Sartre, J. P. : Saint Genet, op. cit., p. 33.
(56) Lacapra, D. : A preface to Sartre, op. cit., p.175.
(57) ديكون , لوك : بودلير : ترجمة وقدم له كميل قيصر داغر , المؤسسة العربية للدراسات والنشر , بيروت , 1976 , ص 35.
(58) بيا , بسكال : بودلير بقلمه , مصدر سابق , ص 120.
(59) المصدر السابق : ص ص 164, 165.
(60) كرانستون , م : سارتر بين الفلسفة والأدب , مصدر سابق , ص 138.
(61) المصدر السابق : ص 135.
(62) Thody, p. : Jean Paul Sartre, A Literary and Politictical study, op. cit., p. 147.
(63) كرانستون , م : "سارتر" بين الفلسفة والأدب , مصدر سابق , ص 132.
(64) وهبه , مراد , آخرون : ملف خاص عن "سارتر" , مصدر سابق , ص 132.
(65) سارتر , ج . ب : تقديم الأزمنة الحديثة , مصدر سابق , ص 9.
(66) كرانستون , م : "سارتر" بين الفلسفة والأدب , مصدر سابق , ص ص 138, 139.
(67) Sartre, J. P : Literary and Philosophical Essays, op. cit., p.11.
(68) Thody, p. : Sartre, op. Cit., p. 58.
(69) Sartre, J. P : Literary and Philosophical Essays, op. cit., p.9.
(70) Thody, p. : Sartre, op. Cit., p. p. 85, 86.
(71) Sartre, J. P : Literary and Philosophical Essays, op. cit., p.17.
(72) Ibid, p. 58.
(73) سارتر , ج . ب : ما الأدب , مصدر سابق , ص 138.
(74) البيريس , ر . م : سارتر والوجودية , مصدر سابق , ص 11.
(75) سارتر , ج . ب : (قصة الجدار) ضمن , قصص سارتر , مصدر سابق , ص 33.
(76) Thody, p. : Sartre, op. Cit., p. p.80, 81.
(77) Mccall, Dorothy : “The Theatre of Jean Paul Sartre, Columbia university press, 1969, p. 2.
(78) Jeanson, F. : Sartre par Lui-méme – Gallimard, Paris, 1958, pp. 11, 12.
عن : هلال , محمد غنيمى : النقد الأدبى الحديث , مصدر سابق , ص 634 , وأيضاً , اسكندر , أمير : سارتر ومسرح المواقف , ضمن سارتر مفكراً وإنساناً , مصدر سابق , ص 249.
(79) سارتر , ج . ب : الذباب , ضمن (مسرحيات سارتر) , مصدر سابق , ص 93.
(80) شكسبير , وليم : هاملت , ترجمة جبرا إبراهم جبرا , دار الهلال , القاهرة , (1963) , ص ص 162, 163.
(81) Thody, p. : Jean Paul Sartre, A literary and Political Study, op, cit., pp. 86, 87.
وأيضاً / ألبيريس , ر. م : سارتر والوجودية , ص ص 105, 106.
& Sartre, J. P. : The Thojan Woman, Translated by Ronald Duncan, in Three Plays, penguin books, London, 1967.
مع الترجمة العربية لسهيل إدريس (البغى الفاضلة) , دار الآداب , بيروت 1965.
(82) Thody, p. : Jean Paul Sartre, A Literary Political Study, op, cit., pp. 126, 134.
وأيضاً : سارتر , ج . ب : سجناء الطونا , ترجمة عبد المنعم الحفنى , دار الفكر , القاهرة , بدون تاريخ ص ص 22 إلى آخر المسرحية.
(83) أى مسرحية الأيدى القذرة.
(84) Thody, p. : Sartre, op. Cit., p. 87.
(85) Thody, p. : Sartre, op. Cit., p. 90.
(86) كرانستون , موريس : سارتر بين الفلسفة والأدب , مصدر سابق , ص 148.
(87) Mccall, Dorothy : “The Theatre of Jean Paul Sartre, op. cit., p. 6.
(88) Thody, p. : Sartre, op. Cit., p.p. 97 & 98.
وأيضاً : سارتر , ج . ب : الشيطان والرحمن , ترجمة عبد المنعم الحفنى , دار الفكر , القاهرة , بدون تاريخ , اللوحات العشر الأولى.
(89) سارتر , ج . ب : الشيطان والرحمن , مصدر سابق , ص 601.
(90) Thody, p. : Sartre, op. Cit., pp. 95, 96.
(91) Mccall, D. : “The Theatre of Jean Paul Sartre, op. cit., p. 6.
(92) إدريس , عايدة مطرحى : نظرات فى المسرح الفرنسى الحديث , الأيديولوجية الملتزمة , مجلة الآداب , العدد 1 , يناير 1957 , دار الآداب , بيروت 1957 , ص 39.
(93) العشرى , جلال : مسرح المواقف عند سارتر , الفكر المعاصر , العدد 25 , مارس 1967 , دار الكاتب العربى للطباعة والنشر , القاهرة 1967 , ص 123.
(94) البيريس , ر . م : سارتر والوجودية , مصدر سابق , ص ص 26, 27.
(95) موردخ , إيريس : سارتر المفكر العقلى الرومانسى , مصدر سابق , ص 142.
(96) كرانستون , م : سارتر بين الفلسفة والأدب , مصدر سابق , ص ص 95, 108, 109.
(97) Sontage, Suzan : Sartre’s Saint Genet, In against interpretation and other essays, Farrar, straus, 1966, p. 93, in Riley, C., Harte, B. : Eidor (of) Conermporary literary criticism, Vol, 4. Gale Research Company, Michigan, 1974., p. 475.
(98) أضاف الناشر لها وصف "رواية".
(99) Eliot, T. S. : A lfred, J., Porofrok Song, In Collected Workes Faber, London, 1945, PP. 30, 31.
(100) لقد وقع كل من "سارتر" و "إليوت" تحت تأثير فترة ما بين الحربين خاصة فى "الغثيان" لسارتر و"أغنية حب – ألفريد ج . بروفروك" لإليوت (1917) ولكنهما فيما بعد سوف تتعارض مواقفهما , وذلك لتعارض منطلقاتهما , وإذا كنا نجد أن "سارتر" فى "الغثيان" ينطبق عليه مفهوم الكتابة الأوتوماتيكية إلى حد كبير فإن , "إليوت" لا ينطبق عليه هذا , هو يكتب تحت درجة من الوعى اليقظ عالية جداً , كما أنه يدعو إلى مفاهيم تختلف أيضاً مع مفاهيم السورياليين جذرياً.. فبينما يرتكز "سارتر" على فلسفة وجودية تجعل الوجود يسبق الماهية، نجد "إليوت" يحاول أن يجسّد الخطيئة الأصلية، ويعود إلى فكر العصور الوسطى المسيحية، وهذا يتعارض مع فلسفة "سارتر" الإلحادية.
(101) سارتر , ج . ب : الغثيان , مصدر سابق , ص 179.
(102) ومن الجدير بالذكر أن (جربيه) يرفض , فهم "سارتر" , حيث الأشياء توجد كجزء من حساسية الشخصية Character’s sensibiliy وليس فى حقائقها الخاصة.
انظر :
- Bergonzi, Bernard : The Situaton of the Novel- penguin books A pelican book, London, 1972, p. 25.
(103) Thody, P. : Sartre, A Biographical Introduction, op. cit., p. 83.
(104) Ibid, p. 58.
(105) الديدى , عبد الفتاح : الاتجاهات المعاصرة فى الفلسفة, مصدر سابق , ص 178 , والنص من مقال لـ"دى بيوفوار" بعنوان : الميتافيزيقا والأدب , مجلة الأزمنة الحديثة , أبريل 1949 , ص 1163.
(106) Sartre, J. P : Literary and Philosophical Essays, op. cit., pp. 88, 90.
(107) Sartre, J. P : Sit. I, Gallimard, Paris, 1947, PP. 37, 39, and picon G. : Panorama des ideas contemporines , PP. 422, 423.
عن : هلال : النقد الأدبى الحديث : مصدر سابق , ص 569.
(108) هذه الفقرة تتعلق بأن استعمال المستر "كامو" للزمن غير واضح فى الترجمة (الإنجليزية) فالزمن الماضى البسيط فى الفرنسية Simpl Past فى الغالب لا يستعمل فى المحادثة Conversation أنه يستعمل بالتحديد فى الرواية , والمعادل الفرنسى للماضى (فى الإنجليزية) هو المضارع التام (تعليق للترجمة إلى الإنجليزية انظر :
Sartre, J. P : Literary and Philosophical Essays, op. cit., p. 36.
(109) Ibid : p. 90.
(110) Ibid : p. 84.
(111) Ibid : p. 91.
(112) كرانستون , موريس : سارتر بين الفلسفة والأدب , مصدر سابق , ص ص 94, 95.
(113) Sartre, J. P : Literary and Philosophical Essays, op. cit., pp. 34, 35.
(114) دولبيه , روبير : كامو والمتمرد , ترجمة سهيل إدريس , دار العلم للملاينين , بيروت , الطبعة الأولى , 1955 , ص 64.
(115) نفس المصدر , ص 66.
(116) Sartre, J. P : Literary and Philosophical Essays, op. cit., p. 35.
(117) الكردى , محمد : سارتر وجينيه , أو الشر والحرية , مصدر سابق , ص 39.
(118) Sartre, J. P. : L Idiot de la pamille : Gustave Flaubert de 1821 a 1857 , NRE, Gallimard, Paris, 1971, P. 560.
See : Caws, p. : Sartre, op. cit., p. 194.
(119) سارتر , ج . ب : ساتر بقلم سارتر , فى "دفاع عن المثقفين , مصدر سابق , ص 273.
(120) المصدر السابق : ص 283.
(121) المصدر السابق : ص 284.
(122) : Caws, p. : Sartre, op. cit., p. 195.
(123) وهبه , مراد , آخرون : ملف عن سارتر , مصدر سابق , ص 33.
(124) فيشر , إرنست : ضرورة الفن , مصدر سابق , ص 91.
(125) المصدر السابق , ص 90.
"لقد خرج "بودلير" على مبدأ الاستقلال المطلق للفن عندما اندلعت ثورة 1948، وأصدر صحيفة ثورية أسماها "النجاة العامة" ونادى بوجوب استخدام الفن لتحقيق أغراض سامية. ولكن بعد أن انهزمت الثورة ارتد "بودلير" وفنانون آخرون لنظرية الفن للفن .. .."
راجع : الصبّاغ ، رمضان : الفن والقيم الجمالية بين المثالية والمادية – دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر – الإسكندرية 2001 – ص197 .
(126) نفس المصدر ص ص 100, 101.
(127) فلوبير , جوستاف : مدام بوفارى , ترجمة محمد مندور , جـ1 , جـ 2 , دار الهلال , القاهرة 1968 , نص المحاكمة فى نهاية الجزء الثانى.


تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى