محمد العرادي - كلب جدتي سلمى.

– مات هدبان من عشرين سنة على الأقل، وإذا ما تأملنا بشكل جاد التفاصيل التي تذكرها جدتي مرة وتنساها أخرى عنه يمكن أن نقول أن عشرين سنة مجرد مزحة أو استهتار علني بتاريخ كلب لمجرد أنه كلب وهذه عنصرية فجة من الإنسان الذي يعتقد أن من حقه أن يتسلط على كل شيء حتى الكلاب الطيبة. تتذكر جدتي أنه توفي وعمرها أربعون سنة وهذا يعني أنه توفي منذ ما يقارب الثلاثين سنة وهذه فترة طويلة بالنسبة لذاكرة امرأة عجوز تجاوزت السبعين عاماً لذلك لا يمكن أن نثق بروايتها كثيراً خصوصا وأنها في كل مرة تغير شيء في القصة الواحدة. بالنسبة لك هدبان مجرد كلب، مجرد كلب يحرس الغنم. وإذا ما حاولت إقناعك ببعض القصص لربما نتوصل لجملة أفضل مثل: مجرد كلب ذكي يحرس الغنم، على أي حال فإن الناس في العادة يميلون للتقليل من رمزية وقيمة أي شيء لا يتصل أو يعبر عن ذاتهم، في المقابل الأشياء التي نتصورها جزء من ذاتنا بشكل أو آخر نميل لتمجيدها هذا هو الأمر وإن تحايل البعض بالدفاع عن قيمة هذه الأشياء بشكل متجرد إلا أنه في النهاية يدافع عن ذاته أو جزء من ذاته. هدبان بالنسبة لجدتي هو رجل البيت أو شيء قريب من هذا، وأرى أنها تتجاوز هذا المعنى في أحيان كثيرة لكن لا أستطيع التصريح بذلك على الأقل في حضور أبي وعمي الذي يتعامل مع الأمر بحساسية شديدة ومثل هذا التصريح يمكن أن يعتبر إهانة شخصية لجدي وللعائلة عموماً. مات جدي في وقت مبكر وترك لجدتي أبي الذي لم يكن أبي بعد وقد التحق بالعسكرية وهو شاب صغير وانتقل للعمل في الشمال على حدود العراق، وقد كانت الوظائف الحكومية في ذلك الوقت المجد النهائي الذي يمكن أن يبلغه الإنسان، مرتب مجزي ومكانة اجتماعية يستخدمها أبي حتى في أيام العطل، كان لا يرضى أن تتعامل معه حتى في المسجد إلا بما يقتضيه التعامل مع عسكري. وعمي الأصغر والحانق عادة، بشاربه الكثيف والذي يقضي معظم وقته يفركه ويلعن الناس، يسخر من كل شيء. غير مبالي بطريقة مزعجة، لا يهتم لأي ضوابط اجتماعية أو قبلية. في المرات القليلة التي كان يزور فيها جدتي كان يحضر معه ‘‘ تنكة حلاوة طحينية ‘‘ منتهية الصلاحية لأن سعرها أرخص ولأنه يعتقد أن من أكل الجراد لا يمكن أن يتضرر من حلاوة طحينية بتاريخ منتهي. هو الآخر ترك جدتي وذهب للعمل في ميناء جدة كما يقول، إلا أن من يراه يتأكد أنه تورط بأعمال أحقر من ذلك. آخر أفراد العائلة هدبان الوحيد الذي بقي عند جدتي طول الوقت منذ أن أخذته من عمتها وهو جرو صغير حتى الليلة الأخيرة في حياته. كان يساعد في رعي الغنم ويستقبل الضيوف بنباح خاص ويركض خلف سياراتهم التي لا تمر بالقرب إلا نادراً، والمدهش أنه يميز أفراد القبيلة الذين تربطهم صلة قرابة بجدتي عن الآخرين، وفي الليل يحرس بيت الطين وحظيرة الأغنام ويسمع غناء جدتي. القرية مليئة بالكلاب بحكم الحاجة لمن يساعد في رعاية الغنم، والكلاب لها تاريخ طويل في مساعدة الإنسان في مثل هذه الأنشطة، إلا أن هدبان لم يكن كلبا ذكيا يحرس الغنم، لقد كان صديقاً لسلمى، ولا أظنها كانت تنظر لصداقتهما على أنها علاقة بين إنسان وحيوان بقدر ما كانت تفهم هذه الصداقة كعلاقة بين شخص وشخص آخر -على الأقل هذا ما كنت أفهمه من سردياتها حول هدبان- بعيداً عن طبقية الإنسان المالك والحيوان المملوك. من عادة البدو أن تبقى الكلاب خارج البيت لاعتبارات كثيرة أهمها مكانة الكلب كعامل أو آداة تستخدم وليس عضوا في الأسرة والأفكار القديمة حول نجاسة الكلب أيضاً، إلا أن جدتي ومن اليوم الأول وربما بدافع إنساني بحكم قسوة الجو وصغر عمر هدبان كانت تدخله البيت، وربما عندما يشتد البرد تغطيه ببعض ملابسها القديمة. تتذكر جدتي أنها وبعد أن أصبح هدبان قذرا لدرجة لا يمكن احتمالها أخذته لبركة صغيرة لا يستخدمها أحد وأشارت له بيدها وصوتها عساه أن يغتسل من نفسه، كانت متوترة وخائفة أن يراها أحد وهدبان لا يفهم هذا التوتر يهز ذيله برضا. بعد طول صبر أمسكته من أذنه وجرته داخل البركة وقف ينظر لها وينبح بصوت حاد، بتوتر ضربته على رأسه أخذت ترفع الماء بيدها وتنثره على جسده وبيدها الأخرى تمسح العرق عن جبهتها وهي تراقب وتسمع حتى الصوت الذي تثيره الريح في الأشجار القصيرة، تقول بعد تردد بدأت أمرر يدي على ظهره باستغراب تقول وهي تضحك شعرت وكأنه ابني. لما كبر هدبان تغير الأمر وصار يقضي ليله رابضاً في مكان قريب بين البيت الصغير والحظيرة، ينبح على أصوات الذئاب البعيدة والمتقطعة ويركض خلف الشهب، كان ولآخر يوم في حياته مثل الذي التحق بالعسكرية حديثاً تجده متحمسا ويأخذ الأمور بجدية، حتى عندما عمي بصره في آخر عمره صار يركض بعنف وباتجاهات متعددة إلا أنه سرعان ما يسقط متعثرا بصخرة أو يصطدم بشجرة قصيرة، تقول جدتي أنه في آخر عمره فقد عقله صار لا يهدأ ينبح ويركض دون تركيز أو غاية محددة، أظنه يريد إخفاء عجزه بعد أن فقد بصره.
– كانت الأمور تسير بشكل عادي أقصد بالطريقة المتوقعة لسير حياة جدة بدوية وحيدة. تهتم بالأغنام بشكل صبور، تطبخ بإضافة الأعشاب التي تجدها في البرية وتعرف مذاقها بخبرتها، تتحسس الأوراق بيدها قبل قطفها وتختار الأوراق المناسبة. تنتظر كثيراً لكنها لا تنتظر شيئا محدداً، تتمتم بأدعية بسيطة طالبة أن يبقى كل شيء على ماهو عليه، تخاطب الله كما لو كان صديقاً بلهجة بدوية عفوية، ترفع يدها فوق عينيها تستظل من الشمس تراقب الأفق. تنادي هدبان بصوت متحمس كلما كان عليه بذل جهد مضاعف ثم إذا اقتربت الشمس من المغيب وضعت له الماء تحت شجرة مرتفعة الأغصان قريبة يربض هدبان تحتها دائما أو أمام الباب. تتذكر جدتي أنها في أحد المرات بعد غروب الشمس بشيء يسير وكان الضوء ينتشر بشكل نسبي يسمح لها وهي تقف عند الحظيرة برؤية خيال هدبان كقطعة سوداء. بعد أن وضعت لهدبان الماء وقطعة لحم مستوية وباردة عادت للحظيرة للتأكد إذا ما كان هناك شيء يحتاج للترتيب أو للتنظيف، تقول وأنا عائدة سمعت جلبة كبيرة ورأيت حركة الخراف وهي تنقسم لجهتين ومر بينهما خيال أسود ضخم، رفعت ثوبي وركضت ولم أكد أصل حتى اندفع بسرعة من داخل الحظيرة ذئب رمادي بفراء كثيف وعينين صفراوين، ممسكاً صغير الماعز بين فكيه، لم تكن المرة الأولى التي أرى فيها الذئب لكن هذه المرة كان الأمر مخيفاً للغاية، لم أشعر أني امرأة وحيدة كما شعرت في تلك اللحظة. مر كل شيء بسرعة تشابه سرعة هروب الذئب لم أكن أعي بشكل واضح وإلا ما كنت لأركض خلفه وأضيع كل ذلك الوقت بعد أن ابتعد وأنا أنظر في الأرض حولي أبحث عن شيء يفيد كحجرة ألقيها خلفه لمعت في ذهني صورة هدبان وعدت أجري وأنادي ‘‘ هدبان .. هدبااان افزع .. الحق الذيب ‘‘ وكان قد انتبه لما يحدث وجاء يركض مثيراً خلفه الغبار، أشرت بيدي بالاتجاه الذي ذهب إليه الذئب وقد كنت أرى خياله صغيراً مظلماً، ركض هدبان وركضت خلفه حتى تعبت، بدأت المسافة بيني وبين هدبان تتزايد، كان علي أن أكون مع هدبان إلا أني لم أستطع أن أكمل لكن صرخت به كما لو كنت أماً تنبه ابنها من شر مؤكد ‘‘ عوّد ياهدبان .. يا هدباان ‘‘ لكن هدبان استمر في ركضه حتى اختفى وراء الليل الذي كان قد غطى المكان بظلمته. تقول جدتي جلست أمام البيت انتظر ربما يعود حتى غلبني النعاس ونمت في مكاني وحلمت كما لو أن هدبان شاب صغير ومتحمس يحمل بندقية قديمة وأنا جالسة بجواره أساعده في تعبئة البارود وكنا في مكان مرتفع إلا أنه لم يكن جبلا وأمامنا كتلة صخرية نحتمي بها وفي أسفل هذا المكان العديد من أكوام الحجارة التي أخذت شكل المتاريس وكان يختبئ خلفها ذئاب يحملون بنادق إلا أنهم مكشوفون لنا يبادلوننا إطلاق النار، وكنت بين كل حين وآخر أشير لهدبان إذا ما ظهر ذئب بشكل يسمح بقتله بسهولة، وهدبان لا يفوت الفرصة، ما إن ينفجر البارود حتى يسقط الذئب، امتلأ الحلم بالدخان وصوت انفجار البارود وجثث الذئاب ولم أنتبه إلا وقد استيقظت في وقت متأخر من الليل والغبار يغطيني، نفضت ثوبي الأسود و قمت أنظر لمربض هدبان تحت الشجرة فلم أجد شيء وذهبت للحظيرة ولم أجده أيضاً، تفقدت المكان لعله يكون قريباً لكن لا أثر له حتى بعد أن ناديت بصوت مرتفع وفي عدة جهات لم يظهر أحد، دخلت لأستريح في فراشي قلقة أفكر في الحلم وفي هدبان الذي لم يسبق له أن اختفى هكذا أو تقاتل مع ذئاب كان يكتفي بمطاردتهم والنباح. بقيت على حالتي حتى جاء الفجر، نهضت مستعجلة أقصد الجبل دون أي خطة معينة لعلي أجد هدبان، بحثت عن أي قطعة يمكن أن أحتاجها للدفاع عن نفسي في الكومة خلف البيت التي أضع بها كل شيء لا أحتاجه، قلبت قطعة خشبية كبيرة وجدت تحتها حديدة طويلة إلا أنها غير حادة لكنها كانت مناسبة، أخذتها ومشيت ببطء أتتبع أثر هدبان على الأرض، تتبعته حتى وصلت لمكان قريب من الجبل. المكان من حولي كبير وخالٍ إلا من بعض الشجيرات التي تقف بتملل تحت أشعة الشمس، كان أثر قتال واضح استطعت أن أميز أثر هدبان وذئب واحد على الأقل وبعض الدم الذي تحسسته بطرف أصابعي فوجدته ناشفاً ولم أعرف إن كان دم هدبان أو صغير الماعز. قلبت بصري في جميع الجهات لعلي أرى ما يمكن ملاحظته، تقدمت قليلاً ورفعت صوتي ويداي حول فمي أنادي ‘‘ هدباااان … هدباااان ‘‘ وأسكن قليلاً لعلي أسمع نباحه، أنظر في كل الجهات في أعلى الجبل وفي الصخور الكبيرة في أسفله، لم أكمل النداء للمرة الثالثة حتى ظهر يعرج من خلف صخرة كبيرة وهو ينبح لي بصوت هادئ، اندفعت إليه ‘‘ عساك طيب ياهدبان ‘‘ وهو بعرجه يتهادى نحوي ببطء، جلست واقترب مني يهز ذيله كان ظاهراً عليه الخوف والتعب، مررت يدي على جسده وإذا ما شعرت بشيء رفعتها أتأكد أن لا دم فيها ثم تناولت يده التي يرفعها ولا يمشي عليها أطمئن أن إصابته بسيطة. فرحت إذ لم يكن به أي جرح. أشرت له بأن نعود إلا أنه تمنع وأمسك طرف ثوبي بفمه يسحبني نحو الصخرة التي خرج منها أطعته حتى وصلتها، ولم أصدق ما رأيت، وجدت صغير الماعز منكمشاً على نفسه يثغي بنفس متقطع وصوت خفيض به بعض الجروح التي ربما يأخذ علاجها عدة أيام. حملت الصغير وأشرت لهدبان بالعودة أخذ يمشي أمامي وأنا أعاتبه طول الطريق ‘‘ لا عاد تلحق الذيب يا هدبان ‘‘ لما وصلت للبيت وضعت صغير الماعز داخل البيت وصببت لهدبان الماء وقد ربض بالقرب من الباب وجلست أراقبه، رأيت في عينه سعادة لم أرها من قبل.
– لا تتذكر جدتي هدبان كقصة طويلة تبدأ عندما حصلت عليه من عمتها وتنتهي بموته، ولكنها تتذكر هدبان بطريقة مفككة كل حدث له تاريخه الخاص، وهذا ما نفعله نحن أيضاً إذا ما تناولنا حادثة تاريخية سواء متعلقة بنا أو من حوادث التاريخ الإنساني الممتد يمكن أن تكون لها رمزيتها الدلالية دون اللجوء لسرد تاريخ تفصيلي لهذه الحادثة. فليس هناك معنى من سرد حياة كلب حصلت عليه جدة وحيدة بالتفاصيل اليومية دون صناعة تاريخ له دلالة. قفز هدبان لمسافة متر ونصف، حك هدبان رأسه بيده للمرة الأولى، هدبان لم يتبول بشكل جيد، هدبان لا يفضل اللحم المستوي إلخ من تلك التفاصيل التي لا تكوّن في النهاية أي معنى، تفاصيل تشكل معلومات أولية غير مركبة وهذا المعنى تدركه جدتي وإن لم يكن هذا التفصيل ظاهراً لها، فالإنسان لا يحكي إلا ليعبر عن معنى ولهذا لا أحد يعرف ما الذي حدث في الفترة التي تمر مسرعة في ذاكرة جدتي بين إنقاذ هدبان لصغير الماعز وبين حادثة موته حتى أنها لم تذكر لأحد كيف صار هدبان أعمى. لكن الأكيد أن شيئاً مهماً لم يحدث في هذه الفترة وإلا جعلت له الجدة قصة أو أن هذه الفترة قصيرة في الواقع ومرت بشكل سريع. وإن كان السؤال عن عمى هدبان مهماً فربما كان عمى هدبان من ذلك العمى الذي يأتي بشكل عادي، يشيخ الشخص ثم يعاني من عدة مشاكل في صحته يضعف سمعه ثم في يوم آخر بعيد ينتبه أنه لا يرى بشكل جيد وهكذا وهذا التدرج لم يجعل للعمى فرصة أن يكون صادماً بحيث تكون له قصة خاصة على أي هذه تفسيراتي الخاصة وقد يكون الأمر على غير ذلك تماماً. تقول جدتي لما كبر هدبان أصابه العمى وصار يعتمد بشكل كلي على الصوت وحاسة الشم بطبيعة الكلاب. صرت أراقب هدبان بقلق وأنا أنجز أعمالي بين حين وآخر أرفع رأسي وأنظر لهدبان، أخشى أن يؤذي نفسه فأنبهه بالصوت إذا ما كان أمامه شيء يمكن أن يصطدم به. على أي حال صار هدبان كئيباً ومنفعلاً فبمجرد سماعه لأي صوت بعيد يندفع بشراسة وينبح في عدة اتجاهات ويتحرك بالتفاتات سريعة وربما استعد للقتال كما لو كان يرى أمامه أشباحاً. يبقى على حاله هذه حتى أناديه. منذ أن أصابه العمى صار لا يحرس الغنم ليلاً، فإذا جاء الليل أدخلته ينام في الداخل وفي الصباح يرعى معي الغنم، يتبع صوت الغنم أينما ذهبت أو صوت غنائي. في أحد الليالي الباردة ذهبت لأتأكد من الحظيرة وأن كل شيء على ما يرام. وجدت الغطاء الكبير الذي ثبته على الشبك ليصد الريح الباردة قد انفك جزء منه أما في الجهة المقابلة فقد وضعت عدة ألواح من الخشب. رفعت الجزء المنفك وربطته بشدة هذه المرة، أمسكت الغطاء وشددته بقوة أتأكد من ثباته وهدبان بجواري يقف ساكناً، لم يتحرك حتى ناديته لنعود للبيت. وضعت له الماء وضربت على الصحن ليعرف مكانه، وقفت بجوار الباب حتى شرب ثم دخلنا، كان يوماً هادئاً كبقية الأيام هنا. اندسست في فراشي بعد أن غطيت هدبان بثوب طويل مهترئ يدفئه بعض الشيء ونمت. فزعت من منامي على صوت هدبان ينبح بشدة، سمعت صوت ارتطامه بالباب، انقطع الصوت قليلاً ثم عاد هدبان ينبح بقوة أكبر، خرجت مسرعة أجري على إثره وأناديه، كان الظلام حالكاً ومنتشراً يغطي كل شيء، سقطت متعثرة بشجرة صغيرة وأظن حينها أني جرحت نفسي، نهضت أتتبع صوت هدبان الذي صار يبتعد تدريجيا ويأتي من عدة جهات، وأنا أتخبط في ظلمة الليل لا أرى إلا أخيلة سوداء تتحرك وتختفي بسرعة مثيرة الغبار، أتذكر جيداً أني سمعت عواء ضبعتين أو أكثر إلا أن الأمر كان مختلطاً وبعيداً ولم أستطع تمييز ما يجري بشكل واضح، كنت أنادي هدبان وأسمع أصوات أنين متقطع ونباحا من عدة جهات متقاربة. كان الأمر كما لو كنت في وسط دوامة، لا شيء يبدو على شكله الأصيل. شيئاً فشيئا أصبحت الأصوات تصير بعيدة والظلام يعود ساكناً دون حركة أخيلة سوداء وصوت الريح في الأشجار ينتشر، ويزداد الجو برودة ضممت يدي إلى صدري وأخذت أنادي هدبان لكن لم يجب أحد. لم أعد للبيت حتى يئست من أي رد وشعرت أن البرد لا يطاق. لم أنم حتى نشرت الشمس نورها خرجت محاولة الوصول للمكان الذي توهمت أني سمعت نباح هدبان فيه. وجدت أثر سقوطي والشوك الذي تعثرت به. كان ما رأيت أمراً مريعاً. كان أثر هدبان قريبا مني والمكان أمامي مليئ بخطوط الدم المتقطعة ثم بعد مسافة تجد بقعة دم أكبر وأثار قتال. استطعت أن أميز أثر ثلاث ضباع على الأقل تتبعت الدم على الأرض حتى انقطع كانت المسافة بعيدة، عرفت أن الضباع افترست هدبان أو هذا ما كان واضحاً. تقول جدتي هذه القصة ويظهر عليها التأثر تسكت قليلاً ثم تكمل، تمسح عينيها اللامعتين بطرف خمارها، تشير بيدها المرتعدة وتمسح على ساقها متحسرة. سألتها مازحاً وأنا أسمع منها هذه القصة للمرة الثلاثين دون مبالغة: لو عاد هدبان يا جدة؟ ردت ببطء كما لو كانت تفكر في شيء بعيد: أوووه والله ياوليدي لأذبح له وأقلطه مع الرجال.

هذا النص

ملف
محمد العرادي
المشاهدات
451
آخر تحديث

نصوص في : قصة قصيرة

أعلى