محمد عكاشة - برمودا المسكين

التعريفُ الحسابيُّ لمثلثِ برمودا منذ بدايةِ الخلقِ
أنه ذو ثلاثةِ أوتارٍ متشابكةٍ كتشابكِ أوردةِ القلبِ،
تنفرجُ كانفراجةِ فمٍ يبتسمُ من فرطِ دهشتِهِ
أو من انفراجةِ فمٍ عصبيٍّ يصرخُ على بحارٍ ضلَّ طريقَهُ

والسماءُ كرحمٍ تنمو فيها الأضلاعُ وتتماسكُ
وذلك عند صرخاتِ أطفالٍ في لحظةِ قصفٍ،
أو عند انفجارِ البارودِ في مشفىً للفقراءِ

وبرمودا في الأصلِ طيبُ القلبِ
يمتدُ لعائلةٍ هندسيةٍ كانت تعيشُ بالقربِ من مكةَ،
ترسمُ الطرقَ للقوافلِ بمهارةٍ وحنكةٍ،
وتخططُ للطائراتِ مساراتِها وموعدِ إقلاعِها،
أمُّهُ الدائرةُ العجوزُ التي رسمتْ الكونَ على هيئتِها
أبوهُ الشيخُ نقطةُ ارتكازِ العالمِ
وبؤرةُ المدارِ الذي يُحركُ الكواكبَ من حولِهِ،
أخوهُ الشبهُ منحرفِ الذي ضربَ برمودا بسهمٍ
على حين غفلةٍ فأرداهُ قتيلا

والشمسُ ترسمُ بأشعتِها كلَّ صباحٍ
مثلثاتٍ وليدةً بأجنحةِ طيرٍ
ولأن برمودا كان مثلثًا مثاليًا؛
تعلَّمَ الأسماءَ كلَّها
وتعلَّمَ لغةَ الطيرِ
وعرفَ رعيَ الغنمِ
وكيف يرسمُ ملامحَ أخيهِ عند كلِّ عاصفةٍ
أويحددُها على سطحِ الرمالِ المتحركةِ

والبحرُ يُدربُ المثلثاتِ الصغيرةَ
على السباحةِ والغطسِ كلَّ مساء.
وبرمودا عندما رُميَ بسهمٍ
سقطَ من قطرِ الدائرةِ
فاهتزَّ الكونُ وتلاشتْ صورُ القبائلِ جميعِها
في دوامةِ مجراتٍ لاتتوقفُ
لهذا تطيرُ روحُهُ وتحومُ حولَنا
فتراهُ متدليًا في رقبةِ عازفِ نايٍ
أو طائرًا أعلى رأسِ فتاةِ ليلٍ
راسمًا هالةَ ضوءٍ زرقاءَ حولَها
أو مرسومًا على ظهرِ شحاذٍ كهلٍ
يبحثُ عن مأوى
ولأن برمودا ضحيةُ أولِ جريمةٍ هندسيةٍ في العالمِ؛
أخفقتْ من بعدِها كلُّ رحلات ِ الأرواحِ الهائمةِ
التي كانت تتأهبُ للإنطلاقِ
لتغسلَ محيطَ الكواكبِ بشلالاتٍ من نورٍ
فتبدلت الحساباتُ والمسافاتُ
وسُيرت الجبالُ وتماهت الأشياءُ

محمد عكاشة
مصر
  • Like
التفاعلات: ياسين الخراساني

تعليقات

هذا النص

ملف
محمد عكاشة
المشاهدات
129
التعليقات
2
آخر تحديث

نصوص في : نثر

أعلى