ضياء الدسوقي - بركاتك…

في نفس اللحظة التي هَبت فيها رياح الصيف الساخنة لتصفع وجوه المُحتشدين على مشارف القرية والسكة الزراعية المُتربة..ظهرت مُقدمة الموكب من بعيد…السيارات في مقدمتها البيارق الملونة ..يثير تحركها عاصفة هائلة من الغبار الكثيف..كل هذا لم يمنع العيون المُترقبة المتلهفة لرؤية طلعته من التحديق الطويل للموكب الذي يقترب ببطء..لا.جو الظهيرة القائظ ولا موسم حصاد القمح منع القرية التي خرجت لتكون في شرف استقباله والتبرك بالاقتراب منه لعل يحالفها الحظ بلمس ثيابه أو تقبيل يده ..عمدة القرية كعادته في هذا الوقت من كل عام قام بتجهيز بيته الثاني وإخلائه للضيف الكبير ورجاله وبعد أن اطمئن أن كل شىء مُعد ومُجهز حضر ليكون في مقدمة أهل القرية ..اقترب الموكب .وظهر الضيف يجلس بين رجاله في سيارة فخمة تتوسط الموكب ..اللحية البيضاء المستديرة..والجلباب الأبيض ووجهه المستدير شاهق البياض .اندفعت الجموع تلاحق السيارات اختلط الحابل بالنابل والرجال بالنساء والأطفال كادت أن تدهسهم الأقدام..دخل الموكب القرية وطاف بشوارعها ارتفعت الزغاريد والتكبيرات..وحينما وصل الموكب إلى منزل العمدة أحاط به رجاله وصنعوا حوله حلقة محكمة حتى لا يقترب منه الناس.الوجوه كلها مُستبشرة فرحة سوف يعم الخير من جديد لقد عاد الضيف المُبارك.. ولمساته الحانية سوف تشفي المرضى وضحكاته سوف تحمل البشرى والأمل ..الفضاء الكبير أمام بيت العمدة ممتلىء عن آخره ..حاملات صواني الطعام الشهي يمشين في طابور طويل تفوح منه رائحةالطعام التي يسيل لها اللعاب ..بعد الغداء والاستراحة فتحت الأبواب والنوافذ.. ورجال الضيف المبارك وقفوا ينظمون الراغبين برؤية الضيف لينالوا البركة والشفاء ..تعلقتُ بحديد النافذة الكبيرة بمعجزة لمشاهدة جلسات علاج المرضى ..الفضول يملأ عقلي أكاد أختنق من ضغط المتعلقين من خلفي بحديد النافذة..الضيف يجلس متربعاً على أريكة مسترخياً لا يتكلم..هل هو أخرس ؟وما هذه الشارة الحمراء الشبيهة بحلوى غزل البنات التي ينظر إليها ولاينظر لما حوله ..يدخل المريض يقبل يده البضة أحياناً يبتسم فيكبر رجاله ويهتفون الشفاء قادم بإذن الله..وأحياناً تظهر على ملامحه بوادر الغضب أو الحزن والدموع تنهمر من عينيه.. يصمت رجاله في إشارة واضحة إلى أن الحالة متأخرة..فجأة أعلن واحد من رجاله أن الضيف المبارك أصابه الإرهاق ولابد أن يستريح ..كان الليل قد دخل ..وخيم الظلام على القرية ورغم العدد الكبير من الكلوبات كان هناك أماكن كثيرة يغمرها الظلام التام ..دفعني الفضول والمغامرة والرغبة المحمومة لمعرفة ما يحدث أن أتسلق شجرة ملاصقة للمنزل من الناحية الخلفية.. مستغلاً انشغال الجميع بحلقات الذكر المنصوبة أمام المنزل ومن الشجرة وصلت إلى سطح المنزل وزحفت فوق أعواد القش حتى هبطت إلى داخل المنزل وأنا أكتم أنفاسي وأسمع دقات قلبي..داخلي رغبة كبيرة لمعرفة ما يحدث في فترة الاستراحة ولماذا يغلقون الأبواب والنوافذ.. وخلف نافذة داخلية صغيرة مفتوحة على منور وقفت في الظلام..جحظت عيناي وأنا أشاهد الرجل جالساً وعلى جلبابه شىيء يلمع ويبلل أطرافه ويتساقط في قطرات كبيرة على أرض الغرفة..التف حوله رجاله ونزعوا عنه ثيابه الملوثة وبدلوها بثياب نظيفة وهو ذاهل عمّا يفعلون به وتنطلق من فمه همهمات مبهمة بصوت طفولي..ولكنه مستسلم لهم تماماً بعد أن أحضروا له كمية من أكياس حلوى غزل البنات الحمراء ..لها نفس شكل الشارة الحمراء المرفوعة أمامه و التي لم تفارقها عيناه طول اليوم…لم أجرؤ على البوح بما رأيت في تلك الليلة لفترة طويلة جداً...
{تمت}

ضياء الدسوقي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى