لوك فونغ - قصيدتان.. ترجمتها عن الصينية: يارا المصري

الأيامُ التي أُخبئُ فيها جثتي في صندوق

الجسدُ المُعتلُّ مُنكمشٌ يَحذرُ الضوء

يخشى الأصوات لكنَّه يألفُ الرطوبة

هذه الأيامُ التي أخبئُ فيها جثتي في صندوق

بؤبؤا عينيَّ اللتين تضيقان

أوسِّعُ بهما عرضَ جدرانِ الورق

وأرى قلبي المتفسخَ يتجمَّدُ ببطءٍ

ويستحيلُ شفافاً

بعدَ أن أتحملَ مائتين وأربعةً وأربعين يوماً

أخرجُ من الصندوقِ وفي البردِ القارس

أستقلُّ باصاً للرحلاتِ السريعة (يشبه صندوقاً حديدياً آخر)

يسيرُ من النهارِ إلى حلكةِ الليل

ثمة أشخاصٌ في هذه المدينةِ وأضواء

الباصُ يسيرُ في الهواءِ، مُشرفاً على المباني من أعلى الجسر

الظلالُ المتأرجحةُ، صوتُ التلفزيون الأزرق

يبثُّ لحناً عن الأطعمةِ الشهية

عجلاتُ السياراتِ المنعطفةِ إلى الطريقِ تكادُ تصدمُ أرجلَ المشاة

لافتاتُ الحسوماتِ الزُّرقُ والحُمر

مع أغاني لوحاتِ الإعلاناتِ الوامضةِ، أشربُ

وأفكِّرُ، قريباً سيحلُّ عيدُ الميلاد

ثم رأسُ السنةِ الجديدةِ، عيدُ الفوانيسِ، عيدُ الحب

عيدُ تشينغ مينغ وعيدُ الفصحِ.. حلقةٌ مفرغة

ماذا سأفعل في هذه الأجواء الاحتفالية التي لا تنتهي؟

أُنهِكَت من المشي هاتان العينان اللتين تغطيهما شعيراتٌ دموية

بهما دُوارٌ وامض، لا تستطيعان تمييز

أضواءَ المدينةِ الكثيفةَ وجموعَ الناس

عيدٌ سعيدٌ على وشكِ الحلول

ماذا سأفعلُ في هذه الضوضاء؟

آباءٌ وأمهاتٌ يحملون أولادَهم يصعدونَ ويغادرون الباص

عشاقٌ متشابكي الأذرعِ يسيرون من أوَّلِ الباصِ إلى نهايتِه

ليس إلَّا العجائزُ أكثرَ مَن يسيرُ ببطءٍ وهم الأقلُّ مَن يُغفَرُ لهم

ماذا سأفعلُ في هذا المكانِ الذي زُجَّ بي فيه بسهولة؟

لأنني عجزتُ عن تحملِ مناخِ إزاحةِ الجديدِ للقديم

عزِمتُ أن أقضي أياماً

أخبئُ فيها جثتي في صندوق

أتخلى عن الماءِ والأملِ والنور

وأتصالحُ مع نفسي.

التابوتُ الطائر

أستيقظُ الخامسةَ فجراً على صوتِ رعد

والجملةُ الأولى التي أرغبُ في قولِها لكَ حالما أستيقظ

هي أنَّ حسابَاتنا خاطئة

ثمة طريقٌ سريعٌ خارجَ المنزل

وفي الطريقِ السريعِ هناك تابوتٌ طائر

داخلَه ستَ عشرةَ حياة

تُسَلَّمُ إلى سائق

وإن لم يشرب السائقُ الخمر، أو يدخنُ أو يتحدثُ في الموبايل

وإن لم تهطل أمطارٌ، أو يهبطُ ضباب

وإن لم يظهر على جانبِ الطريقِ كلبٌ أو عجوز

فأعتقدُ أنَّها ستنعمُ بعمرٍ مديد

غالباً في رحلةِ الموت

أسمعُ الأغنيةَ ذاتَها وأدندنُ إيقاعاً مُكرَّراً

وكلَّما وصلت الأغنيةُ إلى أعلى مقطعٍ لفظي

ينزلقُ الباص دائماً إلى منعطفِ موت

وصرخاتٌ تمزقُ الإطارات

تقذفُ بقوةِ الطردِ المركزيةِ للحبِّ وتتركُ المرءَ خاوياً

لذلك، حينما أتذكَّرُ إنذارَ الرعدِ في الخامسةِ فجراً

هل وصلنا إلى حافةِ اليأسِ حقاً؟

يكونُ الطريقُ مزدحماً بالسياراتِ في الإجازات

مثل حشرة أم أربعة وأربعين بدونِ رأسٍ أو ذيل

وطرفا المنعطفِ الملتوي ليس بدايةً أو نهاية

وثمة ضابطُ شرطةٍ بمحاذاةِ الطريقِ يحافظُ أو يتدخلُ للمحافظةِ على النظام

لكنه يعجزُ عن تغييرِ الوضعِ الصعب

حين يصبحُ الطريقُ متعرِّجاً بفعلِ الضغطِ الخارجي

أَلَا يجبُ علينا التخلِّي عن الوقوفِ في أماكننا؟

حين تصدمُ السيارةُ في الخلفِ السيارةَ التي أمامَها بنفادِ صبر

أَلَا يجبُ علينا محاولةُ الفرارِ من موقعِ الحادث؟

لا تزالُ موسيقى السي دي مُنسابة

لم تتوقف بسببِ الطقسِ أو المسافةِ أو الحوادثِ المرورية

ورغم ذلك

تملَّكت سائقَ الباصِ الصغير المُجازف رغبةٌ مُباغتة

وفي مُنعطفٍ حَرِجٍ حاولَ أن يختبرَ سرعةَ عبورِه للإشارةِ الصفراء

وفي اللحظةِ التي اصطدمَ فيها بالحاجزِ الحجريِّ ثم ارتدَّ عن السياجِ الحديدي

اكتشفَ فقط أنَّ السي دي سينزلق بالأغنية، والكهرباءُ سوفَ تنقطعُ أيضاً

من الصعبِ الوقوعُ في الحب

حين تكونُ أنتَ عندَ طرفِ الطريقِ هناك وأكونُ أنا عندَ طرفِ الطريقِ هنا

من بعض المشاهد بمحاذاته، بوسعِنا فقط

أن نختارَ أي نافذة

من الجسرِ إلى الأرض

لم يكن مطلقاً منعطفاً ثابتاً

كان في ظنِّنا أنَّ الأرضَ المستوية

ستكونُ أكثرَ سهولة في الإدراكِ عن أن تكونَ معلقاً في الهواء

لكننا لم نعرف أنَّ الرؤيةَ من الهواء

تمكننا من أن نطلَ على مشهدِ الشارعِ من منظورِ الطائر

المشاهدُ تتغيرُ بسرعة

وقبل أن يتسعَ لي الوقتُ لأتذكَّرَ كلَّ تفصيلة

ستكون أنتَ في الاتجاهِ المعاكسِ تودعني

في الخامسةِ فجراً، أتذكَّرُ حين أستيقظُ من الثقبِ الأسود

أنَّ حبَّنا

تابوتٌ طائرٌ يسيرُ على الطريقِ السريع

يمكنُ أن يهلكَ في منتصفِه.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى