د. عادل الأسطة - أنا والجامعة 21 : اللغة و اسئلة الأحاجي والألغاز :

لقد غدا تدريس مساق اللغة العربية في الجامعة يسيء إلى اللغة العربية وينفر الطلاب منها أكثر مما يحببهم فيها ويخدمها ويحسن أداء الطلاب فيها ؛ كتابة ونطقا وقراءة . فالطلاب لا يقرؤون في المحاضرة ، لأن عددهم في المدرج ١٧٠ طالبا وفي الشعبة ٦٠ وأكثر ، ثم إنهم لا يكتبون بضع فقرات في البيت ليقرأها لهم مدرسهم ، ونادرا ما يقف الطالب فيهم ليلقي ملخص قصة أو بحث أمام زملائه ، فيعرف الأستاذ قدرة طالبه على التحدث بلغته .
صارت الأسئلة كما ذكرت أشبه بأحاجي (؟) وألغاز تتطلب دقة انتباه ومعرفة بحيل لغوية يخبرها المتخصصون وقد تخفى على قسم منهم ، وفي أحد الامتحانات تفذلك أستاذ فوضع سؤالا لم يجب عنه إلا دكتور قرأ القرآن ، وللمفارقة كانت إجابة واضع السؤال خاطئة . ( كان أحد واضعي الأسئلة يقول لي :
أتحدى أن يجيب نصف أساتذة القسم الأسئلة كلها إجابات صحيحة .
وأنا كنت أتساءل :
إذا كانت الأسئلة تصعب إجابتها على المدرسين ، فكيف نطالب طلاب السنة الأولى بالإجابة عنها ؟ ).
أذكر أننا حين درسنا مادة الصرف ، في الجامعة الأردنية ، أذكر أننا رسبنا في المساق للجوء مدرسه الدكتور نهاد الموسى إلى تبصيرنا بدقة اللغة وحيلها ، وكان ذلك يخفى علينا ، فمرة كتب المثال الآتي وطلب منا إعرابه :
" اشترى الأمير قصرا وضيعا بمليون دينار " وكان المليون في حينه يعادل المليار الآن ، ولا أظن أن أيا منا أفلح في إعراب " وضيعا " وذهب أكثرنا إلى أنها صفة للقصر ، دون أن نلتفت إلى المعنى ، فكيف يكون القصر الوضيع بمليون دينار لنا نحن الطلاب الذين كنا ننفق عشرين دينارا طيلة الشهر ؟
فلما قرأها الدكتور نهاد ، وقد شكلها ، عرفنا أن الواو حرف عطف وأن ضيعا جمع ضيعة .
حين أخذت أدرس مساق اللغة العربية كنت ، في بداية الفصل ، أكتب هذا المثال ، على السبورة ، للطلاب وأطلب منهم إعرابه ، وبالكاد كانوا ينجحون ، إن لم أشكله .
في السنوات التي استعان القسم فيها بحملة الماجستير لتدريس اللغة العربية ازداد المتقدمون منهم وكان لزاما على القسم أن يجري اختبارا ليختار عددا منهم . وفي امتحان الاختيار اخترت بيتا شعريا لأبي فراس الحمداني ، دون أن أشكله ، وطلبت من الممتحنين أن يشرحوا معناه وأن يعربوه ، وكانت النتيجة أن طالبا واحدا فقط من ٢٠ هو من استطاع فهمه وإعرابه ، والبيت هو :
" أيا أم الأسير لمن تربى وقد مت الذوائب والشعور " .
وللمفارقة فإن أحد الطلاب ممن لم يحسنوا فهم البيت ، وبالتالي لم يعربوه إعرابا صحيحا ، صار أستاذا متخصصا في النحو وله باع فيه حتى إنني كنت استشيره أحيانا في بعض المسائل النحوية ، وهذه القصة ذات دلالة كبيرة وعميقة ، فلا يولد المرء فينا أفصح من سيبويه ، ولكننا تعلمنا اللغة ونحوها وصرفها والكتابة فيها عبر سنين لا في مساق واحد .
وأنا أنظر في أبحاث حملة الدكتوراه في الأدب العربي ألاحظ أنها لا تخلو من أخطاء عديدة ، فأقوم بتصحيحها لهم . ولا يختلف طلبة الماجستير الذين أدرسهم وأشرف عليهم كثيرا ، فما من بحث كتبوه أو رسالة أنجزوها خلت من أخطاء .
لم أكن شخصيا أستاء من الأخطاء النحوية والصرفية والإملائية إذا ما كان أسلوب الطالب قويا ومتينا ، ولعل أحد طلابي ممن كتبوا عن العنوان في الرواية الفلسطينية كان ، من حيث الأسلوب ، هو الأفضل ، ولكنه لم يكن يتقن النحو ، فكنت أصوب له أخطاءه بسرور كبير وبراحة نفسية ، إذ أن عبارته قوية وصياغته متينة . ومثل هذا الطالب كان طلاب الفلسفة .
لقد حكمت بحثين لدارسي الفلسفة ولاحظت قوة لغتهم وإن لم تخل كتابتهم أحيانا من رفع المنصوب ونصب المرفوع .
لقد أيقنت من خلال تجربتي في التدريس والكتابة أن إتقان اللغة لا يتم بمعرفة النحو والصرف فقط ، وأنه لا بد من قراءة نصوص جيدة وتدرب على الكتابة والقراءة . ومما لاحظته أيضا أن طلاب الطب والهندسة وبعض طلاب الكليات العلمية من الأوائل يتقنون النحو ويجيبون عن الأسئلة لذكائهم وهم بذلك ليسوا بحاجة أصلا لدراسة المساق ، فدراسته وعدمها لهم سواء.
هل آتي على أبناء العربية من غير المتحصصين فيها ممن يحملون درجة الدكتوراه في الأدب الإنجليزي واللغة الانجليزية على سبيل المثال ، وهل آتي أيضا على مستوى بعض أساتذة العلوم السياسية وبعض العاملين في الإدارة ممن تبوؤا مناصب عليا ؟
يبدو أنني بحاجة إلى حلقة ثالثة للكتابة عن اللغة وعن لغتي الألمانية والانجليزية والعبرية التي طالما أراد كثيرون اختباري فيها حتى يمنحوني الدكتوراه أو يسحبوها مني .

الخميس ٢٠ شباط ٢٠٢٠

https://www.facebook.com/#

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى