روان علي شريف - بوابة الجحيم.. قصة قصيرة

(( ليس كل الرجال خونة.. ولا الخيانة حتما امرأة ))

أستيقظ غريب من نومه مفزوعا والعرق البارد يتصبب من جبينه كالمحموم الذي أصيب بنزلة برد ، تلازمه الرجفة وكأنه ورقة خريف في نهاية العمر تعبث بها الريح. ضغط على زر المصباح المتواجد على يمينه فعم النور الغرفة وانجلى الظلام ومعه الوحشة ، نظر إلى رفيقة لياليه الجليدية المعلقة على الجدار عقاربها تشير إلى الثالثة صباحا ، لم يمر على غفوته إلا الشيء القليل ، ساعة لا أكثر. التفت صوب قرينته نجاة ّ، رآها غارقة في نوم عميق منذ ساعات. ابتلع ريقه وتمتم ّ اللهم اجعله خيرا ّ ، نفث عن يسراه ثلاثا وتعوذ بالله من شر هذا الكابوس المزعج ومن شر الشيطان الرجيم .
هرول نحو المطبخ فاصطدمت رجلاه بدمية ملقاة على الأرض، صب نهرا من القهوة في فنجان يتسع لهمومه وأشعل سيجارة حرائقه وراح يتلذذ بها بعصبية ، هي الوحيدة التي تقاسمه همومه وسواد لياليه الرتيبة ، تحترق معه ومن أجله ، تموت بين شفتيه ثم تنبعث وستظل على حالها إلى أن ينبلج الصبح وتشرق الشمس.

جلس على الكرسي وراح يلملم شظايا حلمه المزعج ، قد رأى فيما يرى النائم صديقته ّمنارّ تغرق في البحر ومن بين الأمواج المتلاطمة ظهر طيف يدعى ايروسّ يصرخ بكل قواه طالبا النجدة ويردد :ّ النجدة..النجدة..أفوديت تغرق.. ّ وفي لمحة بصر هب غريب لتلبية النداء، وفي محاولة منه لنجدتها كاد أن يغرق .اهتز جسده ، أفاق من نومه فوجد نفسه في فراشه.
انه جد قلق لأنه يعلم بأن رؤية المؤمن جزء من أربعين جزءا من النبوءة ، لذا بدا منزعجا ومتشائما من الأيام المقبلة وما تخفيه في طياتها من مجهول ، هذا المجهول الذي غالبا ما نسميه قدرا ولا نعترف به كنتيجة لأخطاء قد نقوم بارتكابها في حق أنفسنا أوفي حق الآخرين ، هذا المجهول الذي أحيانا مانعون نحن صانعيه ونسميه قدرا قد يكون الطريق المأساوي المؤدي للجحيم كان غريب أول من حاد عن الطريق السوي حين مشى وراء عواطفه واعتقد أن الهروب نحو الأمام يمكن أن يغير من لياليه الحالكات .كان يعتقد أن ّ منارّ رماها القدر قي طريقه كواحة يلتجئ إليها كلما اعترضته العواصف، راح يتقرب إليها حتى كسب مودتها ونشأت بينهما صداقة قوية صداقة بين رجل وامرأة كليهما يبحث عن حلقته المفقودة ، رجل يبحث عن امرأة يهرب إليها من الحقيقة لتنسيه هموم الدنيا ويجد ذاته فيها وامرأة تبحث عن رجل قد ترتمي في أحضانه حين يشعرها بالأمان وبقيمتها كامرأة . ظلت تحاصره ويحاصرها كما يحاصر المتوسط مدينتهما حتى استردا ثقتهما المفقودة وبهذا يكونان قد وضعا الدعائم الأولى لمدينتهما الفاضلة التي كانا يحلمان بها ولكل منهما نظرته الخاصة فيها دون أن يطلع الطرف الأخر عليها.
ومرت الأيام في تسلسل مثير إلى أن أحس غريب بقوة عجيبة تدفعه دفعا تحو منار لم يجد لها تفسيرا سوى أنها ساحرة كالبحر ، شقراء ذات عيون زيتية ، هادئة الطباع ، حزينة وجذابة ، تحب الورود ولحظات الغروب.
ذات يوم أهدت إليه قلما وقالت مازحة: " أكون سعيدة لو تتقبل هديتي المتواضعة" ...
كانت هدية مسمومة ، رسالة مشفرة لن يفك طلاسمها إلا المحبون . تقبلها بانقباض وراح يناجي نفسه في صمت: " ألا تعلمين بأن الأقلام رسائل حساسة ودعوة إلى اتخاذ القرارات الحاسمة ؟ ، أحقا انك تدركين حديث الأشياء وتودين إشعاري بخطورة الموقف أم ماذا ... ! ! ؟"
من يومها أحس غريب بتصدع مدينتهما التي كانا يهربان إليها من الواقع . انقطعت منار عن مواعيدها المعتادة وظل المكان مزارا له لوحده إلى أن التقيا ذات يوم دون سابق إنذار.
.. جاء إلى الشاطئ وجلس بالقرب منه ، وجاءت بعده وجلست قربه وظلا على حالهما إلى أن مزقت السكون
- قالت : انه يوم حار
قال : انه شهر أغسطس -
- قالت : النباتات تحب الماء
- قال : الماء نصغ الحياة
وأحس برغبة ملحة لمتابعة الحوار وأردف يقول.
- أنا أحب الورود لأنها مثلها مثل الإنسان ، تحتاج للرعاية منذ أن تكون نبتة صغيرة..وعندما تمد جذورها في الأعماق..
قاطعته وقالت : العروق الخضراء.. مثل الأطفال ..إنها مشاريع للمستقبل ، ألا تشاطرني الرأي ؟
لحظتها تيقن غريب من مقصدها ، انه طموح كل امرأة ذكية وعاشقة تبحث عن شرعيتها دون أن تسقط في مخالب الرذيلة أو تنزلق نحو الخطيئة. لم يرد عليها بل راح يتذكر مشهد ابنته الوحيدة وهي تحتفل بعيد ميلادها السابع، أثناء تقطيعها التورتة قالت بشقاوة : "القطعة الأولى لبابا أما الثانية فهي لماما.." ثم واصلت حديثها بتهكم الكبار : " لا تغضبي يا ما ما إني أحبكم جميعا ستكون أول قطعة لك في عيد ميلادي الثامن فما عليك إلا الانتظار.." وراحت تعانقهما وتقبلهما في حنان فياض حتى أحسا بأنهما أسعد زوج في الكون ونسيا خلافاتهما ، في هذه اللحظات هبط غريب من غيمته وحط على أسلاك الواقع كنورس أضناه التحليق فأوجد نفسه بين ناريين وأحس بأن المجهول يحاصره واللحظة مواتية للتخلص منه للأبد ، وان أوجبت التضحية لا بد له أن يضحي ...
ا ستنتج بأنه أحيانا تبدأ مأساة الإنسان بكلمة طائشة أو قرار خاطئ في لحظة غضب ولا شعور ، تبدأ من لا شيء من تفا هات طرف ما حتى يحس الطرف الأخر بالإهانة فتبدأ الهوة تتسع شيئا فشيا وتتصاعد كالدخان إلى أن تحتل مكانها عاليا بين النجوم ويبقى الإنسان عاجزا عن حصرها إلى أن يتعطل عقله عن التفكير ويستوي الخطأ بالصواب و من جملة الأخطاء حين لا يعترف الرجل بجنونه لزوجته ويعترف لامرأة أخرى بحبه الجنوني معتقدا أن السعادة امرأة جميلة أخرى يفتح بابها على النعيم دون أن يعلم بتصرفه هذا قد يفتح لنفسه بوابة الجحيم وما منار إلا مدخل للنار لو أجابها بصدق عما يشعر به تجاهها لتعقدت الأمور، ،
عمل كل ما بوسعه لكي يبدو متماسكا ورد عليها بهدوء وبرودة أعصاب.
- لنبقى أصدقاء وباسم الاختلاف تستمر الحياة ، بالمناسبة عائشة تبلغك السلام.
. - انك لم تجب عن سؤالي بصراحة
- بصراحة …بصراحة يا منار أنت لا تختلفين عن الذين لا يؤمنون بصداقة الجنسين أنك تطلبين المستحيل .. ،لا زلت شابة والمستقبل أمامك..
- عندما تفقد اسمك في ذاكرة من تحب فلا تحاول البحث عن البديل ،إن قوتي تكمن في انكساري وفي صمتي انهياري.
أنتم الرجال سواسية..لن تراني منذ اليوم..الوداع..الوداع.
أحمر وجهها وراحت تعدو والدموع تنهمر من عينيها دون أن تلتفت وراءها ، أحس غريب بالندم الممزوج بالشفقة لكنه أيقن بأنه أفلت من المجهول الذي كان يطارده، لم يسقط في معركة الحياة بل سقطت عواطفه دفاعا عن وطنه الصغير وتغلب العقل على القلب والوقت كفيل بتضميد الجراح.
مر أسبوع كامل على اختفاء منار دون أن يعثر لها أحد على أثر حتى جاء اليوم الذي فتح فيه كالمعتاد جريدته وإذ به يعثر على صورة لوجه ليس بغريب عليه وقد كتب تحته في ركن الحوادث :" لقد عثر على فتاة في سن السابعة والعشرين من عمرها جثة هامدة على طريق الطنف المؤدي للميناء وحسب شهود عيان لقد رمت بنفسها من فوق جسر الحياة وفي انتظار التحقيق القضائي حول ملابسات القضية تبقى الأسباب مجهولة.
ثم قال وكأنه يخاطب شخصا بذاته "أيها المجهول..لو كنا نعلم.." وظل يتأمل في صورتها وكأنه يكلمها قال مناجيا نفسه : " ها هو برهان الجزء من الأربعين جزءا من النبوءة قد تحقق ، لكن هل لي دخل فيما أقدمت عليه؟ أم انه قدرك ؟ وانتحارك .. أكان قضاء وقدرا أم أنا المتسبب فيه؟"
وبينما هو على حاله إذ بعائشة تقف فوق رأسه دون أن يشعر بها ، فتنتشله من غفوته بسؤالها
- بابا..بابا..أليست هذه صورة طاطا منار ؟
- نعم يا عزيزتي إنها طاطاك منار.
هل أصبحت من المشاهير؟ ولماذا تبدو عيناها مغلقتين؟
. لأنها لم ترد أن ترى الحقيقة المجردة بعينين مفتوحتين
وفي محاولة منه للتهرب من أسئلة أخرى قد تحرجه ضمها لصدره هاتفا في أذنها.
بلغي ما ما نجاة بأننا سنزور معا هذا المساء منتزهّ جنة الأحلام ّ الذي لم نزره منذ مدة"

هذا النص

ملف
روان علي شريف
المشاهدات
89
آخر تحديث

نصوص في : قصة قصيرة

أعلى