عبدالقادر وساط ( أبو سلمى) - سَعْد.. قصة قصيرة

عدتُ للبيت في المساء ومعي طفلنا الوحيد سَعْد، ذو السنوات الأربع.
كنتُ قد انتظرتُه طويلا أمام (الروض) كما أفعل كل يوم، بعد مغادرتي للمكتب.
لكن زوجتي امْتُقعَتْ حين رأته وبدأتْ تنتف شعرها وتصرخ بصوت حاد، يسمعه الجيران:
- يا مجنون! من أين جئتَ بهذا الولد؟ هو ليس ابننا سَعْد!
ثم حدجَتْني بنظرة يختلط فيها الغضب بالرعب، وشرعتْ تقول لي:
-ما هذه المصيبة؟ من هذا الولد الغريب الذي جئتَني به؟وأين تركتَ ابني سعد؟
عادت تنتف شعرها من جديد. أطلقت صرخة طويلة حادة، ثم أغمي عليها.
جئت بماء بارد وبدأت أصبه ُ على وجهها. كان سعد ينظر إليها ويصرخ باكيا.
عندما أفاقت شرعَتْ تنظر حولها باستغراب.
فركتْ عينيها بقوة. وما إن وقع بصرها على الطفل حتى عادت تصرخ وتولول من جديد، وتنعتني بأنني مختل ومجنون. قلت لها متوسلا:
- اهدئي يا امرأة ! أنت تعرفين أن الغضب مضر بصحتك. انظري جيدا إلى سعد. لماذا تقولين إنه ليس هو؟
نظرتْ إليه ونظرَ إليها، ثم بدأت تولول من جديد وتطلب مني أن أعيد الصغير لذويه وأن أجيئها بابننا سعد!
- خذ الطفل إلى الروض. امض حالاً ولا تضيع المزيد من الوقت !
أمسكتُه من يده وغادرنا البيت إلى محطة الترام. كان الصغير قد استعاد هدوءه وابتسامته. في الترام أجلسْتُهُ فوق ركبتيّ وقرصت خده بلطف، وسألته :
- ما اسمك يا ولدي ؟
أجابني وهو يبتسم :
- اسمي سعد!
قلت له :
- وأنا، من أكون؟
قال دون أن يكف عن الابتسام:
- أنت بابا ...
نزلنا من الترام في المحطة قبل الأخيرة. وجدنا الروض مغلقا. حتى الحارس الذي يكون عادة أمام الباب لم يكن هناك.قضينا وقتا في التسكع. اشتريت له حلواه المفضلة من محل اعتدنا أن نذهب إليه معا، في ناصية الشارع. وبدا لي أنه في غاية السعادة حين ركبنا الترام عائدَين إلى البيت. وقفنا قليلا أمام الباب، ريثما أستعيد أنفاسي، ثم طرقتُ طرقات خفيفة متتابعة. شرع سعد يطرق هو الآخر بيده الصغيرة، وينادي "ماما، ماما"، وعندما فتحت الباب ووقعت عيناها عليه، تهللت أساريرها وسارعتْ لاحتضانه بقوة، وهي تردد: " سعد! حبيبي! ابني! " ثم بدأت تنتحب وتبكي وهي تغرقه بالقُبَل. بقيت أنظر إليهما باستغراب شديد. كان الصغير هو سعد، ما في ذلك شك، أما هذه المرأة التي فتحت لنا باب شقتنا الصغيرة، واحتضنته بلهفة جنونية، فلم يسبق لي أن رأيتها قط.

هذا النص

ملف
عبدالقادر وساط ( أبو سلمى )
المشاهدات
33
آخر تحديث

نصوص في : قصة قصيرة

أعلى