محمود البدوي - العذراء والوحش.. قصة قصيرة

كان الخواجة لمبو يملك فندقا جميلا على ترعة الإبراهيمية قريبا من شريط السكة الحديد ..

وكان للفندق حديقة مزهرة .. يجلس في ظلها النزلاء بالنهار .. وفي الليل كانت تتحول إلى مرقص ..

وكان لمبو يجلب لهذا المرقص أشهر الفرق الراقصة من القاهرة والإسكندرية وفيها أجمل الراقصات في دنيا الفن ..

وكان المكان يضيق على سعته .. بالعمد والأعيان والوجهاء من منطقة الصعيد كلها من حدود الروضة حتى سوهاج .. وكانت الأكف تضيق من التصفيق .. وأوراق البنكنوت من الفئات الكبيرة .. فئات العشرة جنيهات والخمسين جنيها تحرق تحت أنفاس الغانيات ..

كان كل رجل ينافس غريمه في إرضاء الغانية الأولى في الفرقة .. البريمادونا .. ليفوز بها في آخر الليل ..

وكانت زجاجات الخمر .. تفيض من الكؤوس المترعة على الموائد والمفارش .. وعلى سجاد الأرض مختلطة بأعقاب السجائر ..

وكان الدخان الذي يملأ سماء المكان يزكم الأنوف ويدمع الأعين ويهيج الصدور .. ويتحول إلى كثف من الضباب .. ولكن الجالسين في المكان كان إحساسهم متبلدا من فرط الصخب والضجيج .. فلا يحسون بهذا الاختناق .. وما هو شر منه .. لأن كل شيء ينسى في غمار الأجسام العارية التي كانت تتلوى .. وتتثنى على المسرح ..

ويحدث في كثير من الحالات .. أن تقف راقصة على حافة كرسي من الخيزران .. ترقص رقصا مثيرا .. وفي كل حركة بالبطن .. ولفتة بالعين .. وغمزه بالحاجب .. يتطاير طربوش .. أو تسقط لبدة على خشبة المسرح .. أو تتكور عمامة ..

ثم يبدأ التنافس المروع على حرق أوراق البنكنوت ..

ويخيل إليك وأنت تشاهد أوراق البنكنوت بالخمسين جنيها .. تمتد بها الأيدي لتشعل سيجـارة لراقصة .. لا تساوى مليما واحدا في الآدميين .. انك تعيش في مستشفي المجـاذيب .. ولكن هـؤلاء المجاذيب .. كانوا هم في الواقع الحكام الحقيقيين للإقليم ..

وكانت محادثة تليفونية بسيطة من واحد منهم .. تطير المدير .. ونظرة غضب تطيح بالحكمدار ..

وكان الواحـد منهم يأتي إلى البندر في موكب مسلح من العبيد ..

فإذا رأى الراقصـة التي يشتهيها .. تجالس آخر .. أو تساقيه الخمر .. يتطاير الشرر من عينيه .. ويبدأ أمامها في عرض جبروته وثروته .. بصورة مثيرة تثير الفزع حقا ..

يأمر بصوت جهوري .. أن تفتح جميع زجاجات الويسكى .. وتوزع على حسابه على جميع الحاضرين .. ليموت غريمه من الغم ..

أو يحـرق ثلاث أوراق من فئـة الخمسين جنيها لثلاث راقصات معا ..

وكانت إذا اشتدت المنافسة وتحول الكلام إلى نار .. يتدخل الخواجة لمبو .. بلباقته .. وابتسامته .. ويوزع الغانيات .. على المتنافسين ..

وكان الفندق يتحول في آخر الليل .. إلى وكر رهيب للملذات ..

وكان المال الذي يتدفق على لمبو .. يجعله قادرا على أن يغمض كل العيون ويخرس كل الألسنة ..



***

ثم هبت الريح العاتية .. وطار ورق الحديقة .. وعرى الشجر .. وقوض المرقص وانقطع العمد والأعيان .. وتحول الذهب إلى تراب .. وأصبح الخواجة لمبو لا يستطيع أن يدفع أجر ثلاثة من الفراشين هم كل من بقى من العمال في الفندق ..

وفي خلال تلك الفترة العصيبة ، ماتت زوجته .. وتركت له بنتا وحيدة في الخامسة عشرة من عمرها .. وكانت تتلقى العلم في مدرسة أجنبية في ملوى .. فلما انتهت من دراستها الثانوية .. أشارت عليها خالتها ماريكا بأن تأخذها معها إلى أثينا لتدرس الطب ..

ولم يكن في أثينا طب مشهور حتى تذهب إليه .. أورانيا ولكن الرجل وجد نفسه وجها لوجه .. أمام مشكلة لم يكن مستعدا ولا قادرا على مواجهتها وحده .. فترك الفتاة مع خالتها وسافرت بها ..



***

ولما عادت أورانيا بعد ثلاث سنوات .. لم تكن قد حصلت على إجازة تؤهلها لمزاولة مهنة الطب .. في مصر .. ولكنها حصلت على شىء آخر .. حصلت على جسم .. يفوق كل الأجسام .. التي كانت تتثنى على مسرح الفندق ..

وعندما دخلت الفندق .. لم يكن به أكثر من خمسة من النزلاء .. منهم موظف واحد يقيم بالشهر .. وبائع متجول يغدو .. ويروح .. ورجل عجوز من سكان القاهرة .. كان يجىء في فترة الإيجارات ليجمع إيجار الأرض .. ويبيع ما استطـاع من أملاكه .. فقد مرض مرضا شديدا .. توقع بعده الموت في كل لحظة .. وكان يجب أن يتخلص مما عنده قبل أن ترثه وزارة الأوقاف ، فلم يكن له وريث غيرها ..

وكانت مدخنة الفندق تدخن في الفترة التي يقضيها السيد عصام في الفندق .. فهو يصرف على طعامه وشرابه عن سعة وفي إسراف ..

وكان عصام قد اعتاد أن يشرب في مجلس من الصحاب ليتحدث ويضحك .. كما يفعل في الباريزيانا ..



ولكن كيف يجد الصحاب في الصعيد .. وهو غريب عن المدينة .. فكان يجالسه لمبو في وقت فراغه وتجالسه أورانيا .. كذلك ..

وكان هناك شخص في المدينة يتردد على الفندق في ساعة معينة كل ليلة ..

كان زكى نديم الأثرياء والوجهاء في حانة الفندق .. فلما ذهبوا ولم يعد يراهم أصبح يتجول في المدينة كل ليلة ويدخل كل حانة كانوا يترددون عليها ، وفي ساعات الليل التي ألف أن يراهم فيها ..

وكان يعرف أنهم ماتوا .. وأنهم ذهبوا إلى غير رجعة .. ولكنه .. كان يكرر الجولة .. في كل ليلة .. كأنه يتوقع عودتهم فجأة .. أو كأنه يعجب للقدر .. الذي انتزع منـه رزقه مرة واحـدة .. في قسوة شديدة ..

أو كأنه .. يقول للجالسين وهو داخل عليهم .. ألا تعرفونني ..؟ أنا نذير لكل السكارى ..



***



وذات ليلة لمح زكى أفندي .. السيد عصام جالسا إلى مائدة وأمامه الكأس .. فجلس بجانبه ومن وقتها أصبح جليسه .. ولكنه كان يجلس منكمشا طاويا قفطانه على ركبتيه .. وضاما جبته على صدره .. ومرسلا طربوشه إلى أسفل ..

وكان من نزلاء الفندق نزيل آخر رجل في الستين من عمره .. وكان من أصل شركسى وموظفا في أحد التفاتيش ، فلما استولى الإصلاح الزراعي على التفتيش بقى في مكانه .. وأقام بصفة دائمة في الفندق .. وكان الرجل .. مغرما بالكلاب .. يعيش معه كلب منذ سنوات طويلة .. وكان يلازمه ملازمة الظل ..

ولم يكن حسين .. يؤدى أي شيء خلاف رياضته للكلب .. كان ينطلق به في الصباح بين المزارع .. حتى يخرج من البلدة ..

وفي العصر يجول به نفس الجولة .. وكان الكلب .. في الواقع مدربا .. كأحسن كلاب الحراسة .. ويربض في الحديقة .. أو يدخل طرقات الفندق .. وينام في أى مكان يختاره .. أصبح مألوفا لدى الجميع وكأنه نزيل من النزلاء ..

وكان في الواقع يحرس الفندق كله .. ومع أنه كان شرسا إلى حد التوحش إذا أحس بحركة في المزارع القريبة أو سمع دوى الرصاص .. ولكنه كان في داخل الفندق لاينبح قط .. وكان يوجه إلى الداخل الغريب نظرة صارمة .. ثم يقعد .. واضعا رأسه بين رجليه ..

وفي الفترة التي كانت تقوم فيها ابنة صاحب الفندق بالعمل في المطبخ كانت تقدم له قطع اللحم .. والثريد .. وإذا عاد من جولة في الخارج وهو يلهث من الحرارة قدمت له مايرطب حرارة جوفه .. وأصبحت بينهما ألفة .. زائدة ..وكان الكلب إذا شاهدها من بعيد يبصبص بذنبه .. ثم يقف ينتظرها وكأنه يرحب بها .. فإذا جاءت إليه انطلق بجانبها .. وهو شاعر بالمرح والنشاط ..

وكان الفندق في العام المنصرم .. قد بدأ في الانتعاش .. وفي خلال موسم القطن كان يأتي إليه بعض النزلاء .. ثم يرحلون ..

وكان لمبو .. وقد ابيض شعره .. يجلس إلى الصالة المغطاة بإعلانات الخمور وحيدا .. وتكون ابنته قد فرغت من عملها .. وذهبت لتنام ..

يجلس في الركن .. يسترخى ويتـذكر .. يتذكر .. الرقص والأغاني .. والصاجات والشمبانيا .. وأوراق البنكنوت المحترقة .. والذهب الذي كان يتدفق عليه ويشعر بهزة ويتساءل لماذا ذهب هذا كله مرة واحدة .. لماذا ذهب ..؟ الأنه كان يسير في طريق معوج .. ويجمع المال بكل الطرق غير الشريفة ..؟ الأن الفندق كان ماخورا ..؟ ما أكثر المواخير الباقية ..

ولماذا هبت عليه العاصفة .. وحده .. لماذا ..؟ وكان ينظر إلى ابنته .. وقد غدت أنثى ويتصور أنها واقفة في الصالة الخلفية تتثنى .. وقد خلعت ملابسها قطعة قطعة .. كما كانت تفعل نرجس وعزيزة .. وباتريشا .. وأولجا .. من سنوات .. وعرق جسمه وأحس بالأرض تدور به .. ونهض بعد أن أفاق ليشغل نفسه بأي عمل ..



***



وحدث ذات مساء .. وكان أحد الأعيان قد شاهد أورانيا .. جالسة في الحديقة ورأى فتنتها وجمالها ..

أن قال للخواجه :

ـ إيه .. يا خواجه لمبو .. الحاجات الحلوة اللي نازلة عندك دى بتفكرنا .. بأيام زمان ..

فأحمر وجه لمبو ولم ينبس ..

وهمس الوجيه في أذن لمبو .. وهو صاعد إلى غرفته ..

ـ أبعتها مع عبده .. ومعاه زجاجة ويسكى .. واللي أنت عاوزه خده ..

فأحمر وجه لمبو وسقط رأسه على فكه ..

ـ إيه ..؟

ـ دى .. بنتي .. يا توفيق بيه ..

ـ بنتك .. عندك بنت حلوة كده ..؟ وكانت فين ..؟

ـ في أثينا ..

ـ جوزها .. حالا ..

ـ هيه .. عاوز يشتغل .. مش عاوز يجوز ..

ـ جوزها .. أولا .. دى خسارة ..

وصعد توفيق إلى غرفته آسفا .. وكان الخواجة لمبو .. في الواقع .. يريد أن يزوج أورانيا .. ويستريح ـ كأب ـ من مشكلتها ..



***



ومادام يعيش في الفندق فإنه لم يكن في حاجة إلى رعاية من المرأة .. لأن الخدم يقومون بطعامه وكل ما يحتاجه ..

وفي خـلال تفكيره .. في كوستا .. ابن مخالى .. كزوج مثالي لابنته .. أورانيا هبط نزيل جديد على الفندق ..

وكان سالم شابا في الرابعة والثلاثين من عمره .. وكان يعمل في الصباح فقط .. ويقضى بقية النهار والليل في الفندق ..

وفي خلال الأسبوع الأول من نزوله المدينة .. لم يشاهد في صحبة أحد .. وكان في الفنـدق يجلس وحيدا في المدخل .. وبيده مجلة مصورة .. قد تلوثت وتمزقت من الجوانب من عرق يديه ..

ولم يكن قصير القامة .. لكنه كان ينحنى بجذعه ويميل إلى الجانب الأيمن في مشيته فيخيل لمن يراه على هذه الحالة أنه قصير وأنه أحدب ..

وكان أول من يعود من النزلاء إلى الفندق في ساعة الغداء .. ويرى أورانيا في المطبخ .. أو جالسه بجانب والدها .. على الخزانة .. ولكنه لم يكن يوجه إليها أى كلام .. أو يبادلها أى تحية .. وقد حيته مرة .. بلفظة .. بنجور .. فلم يرد عليها .. وخرس لسانه في حلقه .. ومن وقتها لم تكلمه أبدا ..

وفي الليل .. كان يجلس منزويا في الحديقة ويرى أورانيا وهى جالسة تتعشى وتشرب مع السيد عصام .. وقد وضعت ساقا على ساق .. حتى كشفت عن فخذيها فكان يحس بمثل السعار .. ويعود منكمشا على نفسه ..

وكان يسهر وهو جالس في الحديقة وحده .. حتى لا يبقى أحد من النزلاء ..

فإذا وجده لمبو .. جلس بجواره قليلا .. يحادثه ولكن سالما في الواقع كان لا يستمع إلى ثرثرة لمبو ..

كان يرى أورانيا .. من بعيد .. وهى رائحة غادية في طرقات الفندق .. ثم تغيب عن بصره ..



***



وذات ليلة سمع صوتها وهو متمدد على السرير .. تحادث شعبان الفراش .. فتلفت وتسمع كالثعلب ..

ولما خرج شعبان سمعها تغنى قريبا منه .. فأيقن أنها بجواره .. في الغرفة الملاصقة له تماما .. وأحس برعشة .. ونهض .. ووضع أذنه على الحائط .. ودار برأسه في الغرفة .. يتفحصها .. فرأى لأول مرة أن الدولاب الذي في غرفته وراء باب يفتح على الغرفة المجاورة .. ووضع الدولاب وسمر الباب ليمنع الاتصال ..

ورأى شراعة زجاجية فوق الباب مغطاة بالقماش فدار في الغرفة يفحص كل شىء .. بعين صقر .. وقلبه يرتجف .. ثم سحب كرسيا .. وطلع من فوق الدولاب يتطلع في الظلام .. من الشراعة .. واستطاع بعد مشقة .. وبعد أن فتح ثغرة بأظافره وأسنانه في القماش أن يرى أورانيا .. في الغرفة المجاورة ذاهبة رائحة في الغرفة بقميص النوم وهي تنحني ..

ثم تنهض كأنها تبحـث عن شيء سقط منها .. قريبا من مائدة الزينة ..



***

وفي الليلة التالية .. حبس سالم نفسه في غرفته من الساعة الثامنة مساء .. وكان الصيف .. في حميمه والحر شديدا .. فحبس نفسه داخل الجدران .. في الظلام وأغلق النافذة الخشبية حتى لا يتسرب أي ضوء من الخارج .. وليكون الظلام على أشده .. وصعد إلى الشراعة ليوسع الثغرة .. ويرى أكثر .. وأكثر .. ولمس .. وهو يفعل هذا مسمارا .. ثم أدرك أن الشراعة .. تتحرك .. وأنها مسمرة من ناحيته فقط ..

***



وفي اليوم التالي جاء بكماشة ونزع المسامير في هدأة الليل .. بعد أن أحكم إغلاق باب الغرفة .. ورد النافذة ..

***

وفي العصر خرجت .. أورانيا من الفندق .. متعطرة وهى في أجمل ثيابها .. كان اليوم يوم أحد .. ورآها سالم وهى تمشى مع سيدتين على الترعة ..

وجلس ساعة في حديقة الفندق ثم خرج يتمشى .. وعاد في هدأة الليل إلى غرفته ..

وأغلق الباب وراءه بالمفتاح .. ورد النافذة الوحيدة .. وجلس يخلع ملابسه في الظلام .. وصعد إلى الدولاب .. وحرك الشراعة فانفرجت .. فأعادها إلى مكانها .. بهدوء ..

وجلس على سريره .. وقد أحس برغبة شديدة إلى التدخين .. فدخن ..

وبعد أن هدأت الرجل تماما .. وانقطع كل حس .. وأطفئت جميع الأنوار في الحديقة .. وبقيت فقط الأنوار الضعيفة التي في طرقات الفندق صعد مرة أخرى .. إلى الدولاب بعد أن تلثم .. حتى لا تعرفه أورانيا إذا كانت متيقظة .. وأزاح الشراعة فانفرجت ونظر إلى الفراش فرأى أورانيا .. نائمة ثانية فخذها .. وقد جعلها الحر الشديد لا تطيق حتى .. قميصها ..

وتصور هذا الجمال الذي سيكون في أحضانه بعد لحظة .. وأغلق عينيه وأخذ يتدلى من الناحية الأخرى بحذر شديد .. وأحس فجأة بكف وحش تضربه بمخالبها في صدره فصرخ وسقط على الأرض ..

وعندما دخل لمبو الحجرة على صياح أورانيا .. كان سالم .. قد استفاق من هول الصدمة .. وأدرك ما حدث .. ولكنه لم يستطع أن يتحرك من مكانه .. لأن الكلب كان رابضا أمامه .. وقد تهيأ للوثوب عليه إذا أبدى أية حركة ..

وعندما مر زكى .. على الفندق في الليلة التالية وجد مائدة عصام خالية ..

فقال باسما :

ـ ذهب أيضا ..

واسـتدار ليخرج فرأى الكلب في جانب من الحديقة رابضا وحده .. وكان حزينا لأن أورانيا .. كافأته على عمله النبيل بطرده .. من غرفتها ..



=================================

* نشرت القصة بمجلة الجيل في 5/1/1959 وأعيد نشرها في
** مجموعة قصص لمحمود البدوي بعنوان عذراء ووحش وفي مجموعة قصص من القرية ـ مكتبة مصر ط 2006
أعلى