أحمد اسماعيل - قراءة انطباعية لنص يا لأناك للشاعر المبدع الناقد أ. إدريس زايدي

نص عميق الرؤى مجهري التصوير يرسم أبعاد الأنا و هي تتقمص الوطن هو لا يقتصر على وطن صغير هو حلم وطن كبير يراه الشاعر بين عيون الوجع
لذلك رأى الشاعر نفسه معذبا في جسد التراب
ثم يبدأ لهجة العتاب مع الحرقة التي تملؤها وهو يخاطب وطنه ويقول
كيف تركت النخل وحيدا
النخل هو رمز لبلاد الرافدين التي تنتج اغلى أنواع التمور في العالم في منطقة شط العرب
و كانت ترمز بالنخيل لأنها كانت حاضرة العرب وعنوان شموخها ومجدها
لذلك كان الشاعر في قمة الاطلاع على مايحدث في العراق وكل من حولها ليرسم وطنه بل كل البلدان العربية صامتة وكأن الشأن لا يعنيها
و هنا يأخذنا هذا لعمق تاريخي وهو كيف اقتحم هولاكو بغداد في صمت من حولها و أحرق البشر والشجر والحجر
شاعرنا المبدع يعاتب البلدان العربية متسائلا
كيف تركتها وقضمتم أذناب القطارات
القطارات هم عملاء المرحلة وتجار الحروب
ساعة واحدة لاتكفي الانتظار
هنا يشير الشاعر أنك واقف في الدور وهذا الوقت وإن كان بعيدا في الوقت الراهن لكنه سيلتهمك
والشاهد قول الشاعر
تكتكات معصميك دليل على بعد المسافات
فالتكتكات هي أن الخوف معرش في أجسادهم هو ينتظر فقط لحظة الانقضاض
في المقطع الثاني
يصف الشاعر معنى حب الوطن الحقيقي
فيقول
بين القلب و عرق الجبين ألف حكاية
فالشاعر المبدع يؤكد على أن حب الوطن يبدأ من حكايات الكفاح و التضحية
لكن المصيبة ليست في الوطن بل في من يديرون سدته
لذلك أشار شاعرنا المبدع أن إلى الأنا المعطل في اختيار شخوص الرماية
فذات الوطن شبه مشلولة و معطلة لأن الحكومات التي تديرها كلها متواطئة و مكبلة بارتباطاتها مع الخارج
فكلما تعهدت بإيجاد الحلول وجدت الصفعة الأولى والسهم الذي توقعت أن يرمى على المستعمر وجدته يغرز في قلبك
فتخرج منك الآه أغنيات
وهنا يبدأ صمت الوطن وذلك في قول الشاعر
وجربت الصلاة قرب صراصير الليل
هنا الشاعر أخذ المعنى العميق للصلاة وليس إلى حركاته
فالصلاء تعني الدعاء
لكن لم الوطن صامت
و من يديره يتضرع بالدعاء
قد يظن البعض أن هذا تناقضا
لكن الشاعر حتى يزيل الالتباس قرنها ب صراصير الليل
والصراصير صنف من الحشرات الليلية تحيا في الأماكن المقززة جدا
وهنا إشارة إلى كل مستعمر سلاحه التلوث
فغاية الشاعر هنا في قوله ان من يدير ذات الوطن يتوسل ويدعو هذه الحشرات
طبعا هنا نرى حرفية الشاعر فرغم أن هذه الدول الاستعمارية تملك من القوة الشيء الكثير الذي لا يحصى
إلا أنه أراد تحجيمها و وصفها بالحشرات لأننا و حكوماتنا من ضخمها إعلاميا
في المقطع الثالث
يشير الشاعر إلى ذات وطنه و يقول
لا تندهش من الكلام
فقد تأمل من حولك وتفكر وخذ عبرة من التاريخ
وحتى يوضح الشاعر فكرته يستعين بتناص من حديث للرسول الأعظم عليه الصلاة والسلام
(..... حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه)
والذي تنبأ فيه الرسول الأعظم بحالنا في زماننا
لكن تلك الذات ضعيفة مازالت مغريات الدنيا تكبلها لذلك تقول أن هناك مازال زمن طويل حتى تحدث هذه العلامات المبشرة بالقيامة
حتى تبرر لنفسها المضي في غطرسة الشهوة
وتقول مايحدث في الجنوب هو بعيد عني
ناسيا أنها أمه
وهنا الشاعر يأخذنا لبعد عميق للوطن وهو الأم
التي تنسى كل لوثك وجفاءك
وتحتضن منك وفاءك و إخلاصك في ماضيك الذي يغيب عنك
لذلك قال مبدعنا أنها تركته وراءها قصيدة شعر
هي كالأطلال تغني ذاك الماضي
حتى لاتنساه
لأنها مليئة بالأمل پأن تعود كما كنت رمزا للإخلاص والتضحية و العطاء
تتمنى أن تغتسل من لبس جنونك و حيرتك
وهنا حتى يظهر مبدعنا الوطن بكل جماليته وصفه بالماء
وهذا تناص مذهل للآية القرآنية
و جعلنا من الماء كل شيء حي
وهنا رسم الشاعر كيف يجعل الماء الحياة في الأشياء
بدأ بالرمال فهي تمتزج بالرمال يتحول إلى ذلك الصلصال إلى الإنسان الذي وهبه الله العقل وهو به يبدع في تكوين وصناعة الأشياء
ثم قال الشاعر
ويقصد باب الريح
هي رمز للقوة حين تتحرك تدير كثيرا من الطاقات
وهنا هذه الإشارة إلى الإنسان الذي يحلق بعمله في السماء و الأرض
لذلك قال يشق مزماره بالنفخ باكرا
وهذا تناص مبهر لحديث الرسول الأعظم
(خيار أمتي في بكورها)
حتى يتشبهوا بالطير التي تبحث عن رزقها مع طلوع الفجر
لذلك لازم وصف إنسانه للطير
لكن بعملية الإيقاظ والطيور حين تستيقظ لا ترضى بديلا عن التحليق
و هنا نتأكد أن الشاعر مليء بالأمل كما الوطن
بأن الفجر قادم ولو بعد حين ولو طال العهد
وهذا معنى قفلة الشاعر المدهشة في آخر السطر
حقيقة نحن نقف أمام نص وطني يرسم أبعاده في وطن كبير يجمع كل أحلام كل العرب
نص كان الإيقاع الموسيقي فيه متصاعدا وكنت أتخيل نفسي وكأنني بين طيات سيمفونية ضوء القمر للمبدع بيتهوفن
فالشاعر هنا حو ل لنا النص لمشهد سينمائي مثير للدهشة ترتعش الاحساسات معه في كل مشهد
هذه الصور تمتلك روح الجاذبية
لأنها كانت تخاطب الأنا الصامت في كل منا
هذا ما أسعفني به المداد مبدعنا
ترفع القبعة لجميل ما سطره بنانك
محبتي و طوق ياسمين
بقلمي أحمد اسماعيل سورية
نص الشاعر المبدع إدريس زايدي
يا لأناك
معذب في جسد التراب
تركت النخل وحيدا
وقضمت أذناب القطارات
ساعة واحدة لا تكفي الانتظار
وتكتكات معصميك دليل على بعد المسافات
بين القلب وعرق الجبين ألف حكاية
يا أناك المعطل في اختيار شخوص الرماية
كلما رماك سهم
قذفت الجرح فيك
وقلتَ لله ما أقساك
وجربت الصلاة قرب صراصير الليل
ربما أخذتك دهشة الكلام
كي تتعلم أسرار الكون
تقول بيني والجحر مسافة عمر
وخنتَ كاهنة الماء
وهي تستجمع شعْركَ من جنوب الروح
تتدلى كي تسمعك صوت النار
تلتهب سعفات شجرة تخلت عن وجهها للريح
والريح جنوبية ترسم لوحة أمّ
هي أمك التي لم يمهلها الإطار
فضمتكَ بالغياب
وتركت وراءها قصيدة شعر
تلك أنتَ
حيرة مجنون تردد أن يكون
فلم يغتسل
لأنه هو الماء
يتحلب في الرمال
ويقصد باب الريح ...
يشق مزماره بالنفخ باكرا
فيوقظ الطير
في آخر سطر القصيدة

إدريس زايدي


أحمد إسماعيل / سوريا

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى