أحمد بطاح - بوسحاب أهل علي، الواحد المتعدد وإشكالية الغواية، فينومولوجيا الجسد في رواية على مرمى بشر

مدخل عام:
"على مرمى بشر" رواية للكاتب الصحراوي بوسحاب أهل علي، صدرت عن "منشورات أبييدي" سنة 2019 تقع في 207 صفحة من القطع المتوسط، موزعة على خمسة فصول متفاوتة الطول. وهي رواية تأتي ضمن سياق عام ارتبط بإنتاج روائي أصبحت تشهده الصحراء، ظهرت فيه مجموعة من الروائيين، حملوا على عاتقهم مهمة تشريح مجتمع البيضان ومناقشة قضاياه الكبرى اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا.. بعدما أبان الشعر عن قصوره في الإحاطة بالتطورات التي تشهدها المنطقة، وتراجعه أمام صعود الرواية. ولسنا هنا لنناقش هذه المسألة، بقدر ما نحاول رسم الملامح الكبرى التي أنتجت النص الذي نحن بصدد البحث فيه.
يرجع بعض الباحثين والمهتمين بالرواية الصحراوية ميلادها سنة 1997 مع رواية أحمد قاري "لا أحد يعرف ما أريده"، وهو ميلاد متأخر جدا، ليس فقط مقارنة بالرواية الغربية الأم، بل حتى مقارنة بالرواية العربية التي يمكن التأريخ لميلادها سنة 1914 مع نص محمد حسين هيكل "زينب"، وعليه فنحن نتحدث عن حوالي 80 سنة من التأخر، وقد نعزو الأمر إلى ما كانت تعيشه المنطقة من أوضاع سياسية واقتصادية، خاصة أن المجتمع الصحراوي كان، إلى أجل قريب، مجتمعا بدويا يعيش نمط الترحال، ولم يعرف الاستقرار في المدن إلا منتصف القرن العشرين، وسرعان ما تحول استقراره إلى حرب بين جبهة البوليساريو والمغرب لم تضع أوزارها إلا مع اتفاقية وقف إطلاق النار سنة 1991.
اكتفى الروائي أحمد قاري بنص يتيم، لكن ذلك لم يضع حدا للرواية الصحراوية، فقد تلاه عديد روائيين بصموا الساحة الأدبية بمجموعة من الأعمال تجاوزت الثلاثين عملا إلى حد الآن، وكان أبرزهم الروائية البتول المحجوب لمديميغ والروائي محمد النعمة بيروك ومحمد أحمد الومان... والروائي الشاب بوسحاب أهل علي، الواحد المتعدد. فكيف يمكننا مقاربة نصه "على مرمى حجر" فينومولوجيا؟ وكيف يحضر الجسد في هذا النص؟
الجسد عبر تاريخ الفلسفة: جسد الخطيئة/جسد اللذة/ جسد الآلة/ جسد الاتحاد/ جسد الحقيقة/جسد التجربة المعاشة:
إن التأصيل لمفهوم الجسد في التاريخ الفلسفي سيعيدنا بشكلي حتمي إلى التصور الأفلاطوني، خاصة في محاورة "فيدون" أو "خلود النفس"، أفلاطون الذي قارب مفهوم الجسد من خلال مفاهيم الخطيئة وعالم المثل والعقاب والسجن، فعلى لسان سقراط يحتقر أفلاطون الجسد، ويعتبره سجنا للنفس، ولذلك يدعو إلى التحرر من هذا الجسد ومن لذّاته، فالنفس التي كانت تعيش في عالم الكمال والمثل حكم عليها لخطيئة اقترفتها بالسجن داخل الجسد، هذا الجسد الذي يمثل صفات التغير والعرضية، وما لحظة الموت إلا تخلص من هذا السجن، وعليه فالعلاقة بين الجسد والنفس هي علاقة ظرفية، حيث إن الخلود للنفس التي يسمها الثبات والاستمرار. وهكذا احتقر أفلاطون الجسد، الجسد الموشوم بالخطيئة، والمسكون باللذة والعذاب. واستمرت الفلسفة باحتقار الجسد حتى بعد المدرسة الآثينية، خاصة في بدايات العصر الهلينستي، فقد احتقرت المدرسة الكلبية الجسد، ليس وفقط على المستوى الفكري، بل كان احتقارا مبنيا على الممارسة، فقد عاش ديوجين الكلبي كما تعيش الكلاب، رافضا أسس المجتمع، يأكل وينام في الأحواض. ولكن ضمن هذا السياق العام الذي وسم باحتقار الجسد، يمكننا أن نعثر على بعض الفلسفات التي أعادت للجسد الاعتبار، ووضعته في صميم الاهتمام الفلسفي، وأهمها المدرسة الأبيقورية، حيث كانت الغاية من الفلسفة حسب أبيقور هي تحقيق الحياة السعيدة التي تقوم على ركيزتين، الأتراكسيا Ataraxia والتي تعني الطمأنينة والسلام، والأبونيا Aponia وتعني اللذة وغياب الألم. لقد عقدت الأبيقورية الصلح مع الجسد، واهتمت باللذة كمفتاح للسعادة الإنسانية، كما اعتبرت أن الموت هو نهاية للجسد والروح معا، ولذلك على الإنسان أن يتجنب الألم ويبحث عن السعادة باعتبار ذلك مقياسا للخير والشر.
شكل نزول الديانات السماوية، خاصة المسيحية والإسلام، والتأثير الذي مارسه الدين على التصورات الفلسفية المسيحية والإسلامية، استمرارا للتصور الأفلاطوني، وترسخ مفهوم الخطيئة والذنب، فالميثولوجيا الدينية تقول بمفهوم العقاب الذي لحق الإنسان الأول الذي شدته قوة الغواية ووقع في الخطيئة والمحرم، حيث قضم من التفاحة، وعوقب بالنزول إلى الأرض، ولذلك احتقرت الفلسفة الإسلامية الجسد، واعتبرت اللذة الجسدية والجري وراءها نزولا بالإنسان إلى مرتبة أدنى الحيوانات، وفي ذلك يقول ابن مسكويه "من رضي لنفسه بتحصيل اللذات البدنية، وجعلها غايته، وأقصى سعادته، فقد رضي بأخس العبودية لأخس الموالي. لأنه صير نفسه الكريمة عبدا للنفس الدنيئة التي يناسب بها الخنازير والخنافس والديدان، وخسائس الحيوانات التي تشاركه في هذا المجال"1
ولم تشكل الفلسفة الحديثة نقلة مهمة في تصور الفلاسفة للجسد، إذ استمر ديكارت بالحديث عن ثنائية الجسد والعقل، واعتبر الجسد مستقلا عن العقل والفكر، بل إنهما متمايزان بالرغم من كونهما مركبين للإنسان، إلا أن الجسد كامتداد لا يمكنه التفكير، على العكس من العقل كجوهر، ولذلك لا يمكن تمثل الحقيقة جسديا، بل إن إدراك الحقيقة لا يتم إلا عبر التحرر من المعطيات الحسية، وتجاوز الحواس، إن الجسد حسب ديكارت خداع، ولا يمكن الارتكان إليه في بناء الحقيقة، وعلى هذا الأساس اعتبر ديكارت أن ماهية الإنسان كامنة في العقل، حيث يخبرنا الكوجيطو "أنا أفكر إذن أنا موجود" أن الوجود الإنساني يتعالى على الوجود الحسي، ويرتبط بالوجود الفكري، في حين يبقى الجسد مجرد آلة. وخلافا لأستاذه ديكارت قلب سبينوزا ثنائية الجسد والعقل، وأعاد ترتيب العلاقة بينهما، وفق منهج أعاد للجسد دوره في الوجود الإنساني، فلا يمكن فهم هذا الوجود إلا في نطاق السكون والحركة، السرعة والبطء المرتبطين بالجسد، فالجسد الإنساني يدخل في علاقات تأثير وتأثر بينه وبين ذاته، وبينه وبين الأجسام الأخرى، فالجسد الإنساني فعل وانفعال، وحركته تترتب داخل العقل، بحيث إن ما يكون الجسد قادرا عليه يوشم في النفس، وبالتالي لم يعد هذا الجسد تابعا للجوهر العقلي كما أشار ديكارت، بل إن الجسد خاصية إنسانية ترسم للإنسان حدودا أيضا، حيث إن الجسد المنفتح على حدود كثيرة يتيح للنفس معرفة أكبر، ولذلك دعا سبينوزا إلى ضرورة الانهمام بالجسد، حيث إن انفعالات الجسد والنفس انفعالات واحدة، فالجسد المنفعل تترتب انفعالاته بشكل يلاءم الذهن، وعليه اعتبر الرغبة شهوة واعية بذاتها، وأنها عين ماهية الإنسان. وفي هذا السياق تقول ميشيلا مارزانو:"ظل سبينوازا يفكر كديكارت، بأن الإنسان يتكون من روح وجسم، وعلى أية حال، فإنه بخلاف هذا الأخير، لم يجعل من الجسم والروح جوهرين مختلفين، وإنما صفتين لجوهر واحد، فقد اعتبر سبينوزا النفس والجسم هما فرد واحد وذاته منظورا إليه تارة تحت صفة الفكر، وتارة تحت صفة المدى"2
مهد سبينوزا الطريق أمام التصور المعاصر للجسد، والذي لم يأخذ أهميته القصوى إلا مع نيتشه، هذا الأخير الذي أقر بسوء الفهم الذي سقطت فيه الفلسفة قبله بخصوص تصورها لمفهوم الجسد، وبالتالي نقله إلى صميم التفكير الفلسفي والإنساني، بل حطم التصورات التي أعلت من شأن العقل، وفي المقابل بخست من قيمة الجسد الوجودية، وذلك عبر تحطيم هذا العقل وتحطيم أسسه ومفاهيمه. فالحقيقة التي طالما تغنى بها العقل ليست سوى أوهام نسي الإنسان أنها كذلك، والأخلاق أيضا ليست سوى نتاج تلك العلاقات التجارية الأولى بين الدائن والمدين، وهكذا انتقد نيتشه الفلسفة اليونانية ما بعد أفلاطون كما انتقد المثل الزهدي المرتبط بالديانة المسيحية، وانتقد كل ازدراء للجسد، كون الأفلاطونية والمسيحية كامتداد لها كرسا الجهود للرفع من شأن الروح في مقابل احتقار هذا الجسد، وبالتالي وجبت إعادة الاعتبار للغرائز الإنسانية كونها هي التي تعبر عن حقيقة الإنسان، وللوصول للإنسان الأعلى عبر إرادة القوة لا بد من إعادة الاعتبار لكل ما هو جميل في الحياة، وهذا الأمر لن يتأتى للإنسان الخاضع للقيم الدينية والأخلاقية التي جعلت منه عبدا يشتغل ضد غريزيته.
أصبح الجسد إذن مع الفلسفة المعاصرة مفهوما جوهريا دخل صميم التفكير الفلسفي، الجسد كغيره من المواضيع التي كانت تدخل ضمن نطاق غير المفكر فيه في الفلسفة الحديثة، وعليه يمكننا أن نقول إن الفلسفة المعاصرة فلسفة جسد بامتياز. وفي سياق الفلسفة المعاصرة ظهر تيار فلسفي يعتبر من أهم التيارات الفلسفية، والذي يعزى إلى مؤسسه إدموند هوسرل، إنه التيار الفينومولوجي، والذي شكل الأساس الصلب للفلسفة الوجودية. لقد وضع هوسرل الأسس المنهجية للفينومولوجيا، والتي يمكن أن نجملها في ثلاثة أسس، أولها "الإيبوخي"، أو وضع الأشياء بين قوسين وتعليق الحكم، ثم الرد الماهوي، أي رد الأشياء إلى ماهيتها، وأخيرا القصدية، حيث إن الوعي قصدي، وكل وعي فهو وعي بشيء ما. والتناول الفينومولوجي للجسد لم يتم بشكل جلي وواضح إلا مع الفيلسوف الفرنسي موريس ميرلو-بونتي. هذا الأخير الذي تأثر بهوسرل، ودافع عن فكرة كون الجسد هو مكمن وجود الإنسان في العالم، محدثا انقلابا على التصورات الكلاسيكية للجسد. إن ميرلوبونتي في ممارسته للرد الماهوي، والرجوع باالأشياء إلى ذاتها، من خلال اعتبار العالم موجودا بشكل مستقل قبل أن نكون نحن عنه تصورا، هذا الأمر سيجعلنا نعود إلى الجسد في وضعه الأول، لا كما أضفنا عليه من تصورات تجريبية أو سيكولوجية، بل إننا سنعود للجسد بما هو حي، فالجسد ليس ما ندرسه بل ما نعيشه، إن العلوم التي درست الإنسان نسيت التجربة المعاشة، واختزلت الإنسان في مادة تشييئية خالية من الدلالات والمعاني، فعالم الجسد هو عالم المعنى، ولذلك عمل ميرلوبونتي على إخراج الجسد من الاختزال السيكولوجي والفزيولوجي، وجعله في صميم البحث الفينومولوجي. حيث يقول:"إذا كان الجسد يعتبر بمثابة جزء من العالم، وبمثابة ذلك الموضوع الذي يحدثني عنه عالم البيولوجيا، وتلك السلسلة من العمليات التي يمكن أن أجد تحليلا لها في كتب الفيزيولوجيا، وذلك الركام من الأعضاء الذي أجد وصفا تفصيليا له في لوحات علم التشريح، فإن تجربتي لن تكون آنذاك شيئا آخر عدا المواجهة مع وعي خالص، وكذا مع نسق الترابطات الموضوعية المفكر فيها. إن جسد الغير مثلما، هو جسدي الخاص، ليس مأوى وإنما هو موضوع يوجد أمام وعي يفكر فيه ويبنيه"3 وهكذا تحول الجسد إلى حالة معيشة وظاهرة تعبر عن نفسها. وإذا كان الإنسان حسب ميرلوبونتي يوجد كذات ويوجد كموضوع، ففي الجسد يصبح وجوده وجودا واحدا، بمعنى أن الإنسان يوجد في جسد يملكه وجسد يكونه، فكل جزء من الجسد هو جزء منا، وتجربتنا في العالم لا تتم إلا عبر هذا الجسد، وعليه اعتبر موريس أن الجسد هو بمثابة نافذة بيننا وبين العالم المعيش، تقول ميشيلا مارزانو:" هكذا فقد جعلي ميرلو-بونتي من الجسم، كما سنرى، مركز تفكيره الفلسفي، القلب من "الكائن في ذاته" ومن "الكائن لذاته" لكل فرد أثر في العالم، "مؤثر-متأثر" "راء-مرئي". لذلك فإن مفهوم الجسم/الجسد يشكل موضوعة كبرى، طالما أن الجسد يحدد كيفية الوجود ذاتها"4
حضور الجسد في رواية على مرمى بشر والبعد الفينومولوجي:
الجسد الغاوي/ المتسلط:

لا مبالغة إن قلنا إن رواية على مرمى بشر هي احتفاء بالجسد في مختلف تلاوينه، احتفاء بالجسد المنبوذ، الجسد المتسلط، الجسد الموشوم بالتعذيب أو الجسد المروض.. ولعل صورة الغلاف تعكس بجلاء حضور الجسد القوي في الرواية. تطل علينا من خلال هذا الغلاف صورة لفتاة صحراوية في زيها المحلي الأبيض، تتدلى من جيدها سبحة وهي ترفع طرف ثوبها كاشفة عن ذاك الجيد وعن شعر بين الأشقر والأسود، ينساب على وجه جميل يزينه ملون شفاه باللون الوردي، يتماشى مع لون الفستان تحت اللحاف. وعلى ظهر الغلاف صورة للفتاة نفسها، لكنها تخفي ما أظهرته على واجهة الرواية، وانقلب اللون الأبيض إلى لون وردي، والوردي إلى أبيض. إن الغلاف المتميز للرواية يضع القارئ وجها لوجه أمام تجربة معاشة، تتلخص مسيرتها بين جسد يمارس الغواية منذ البداية، وينهي فعل القراءة بالانجلاء وستر الذات بعد تجربة يسقط فيها القارئ القطع قطعة قطعة. توسع الفتاة على ظهر الغلاف بين ذراعيها وكأنها تدعونا إلى فعل الخطيئة والذنب. وما أن نلج الرواية حتى نجد أنفسنا داخل خيمة عرس، وتتقدم فتاة للرقص "تهز كل شظية من جسدها الضخم في رقصة ملتهبة، سنها وأصدر أمرا خفيا بتنفيذها إيقاع متسارع متصاعد لقيثارة باكية، وطبل يكاد صاحبه يشرخ به الأرض شرخا"5 يعلب فعل الرقص دورا جوهريا في حضور الذات بين الآخرين، وحضور الجسد الراقص هو جعل الذات في مركزية بين الآخرين، يتحول الرقص إلى عملية وجودية تتيح للذات حضورا من نوع آخر. إن عملية الرقص والتي تتم وسط دائرة يحيط بها الآخرون تمركز الذات، وتشبع وجودها، فيتحول كل الوجود الإنساني إلى ذلك الجسد الذي يقدم فيه الإنسان نفسه كجسد فقط، تقول ميشيلا مارزانو:"الجسم هو أحد المعطيات التكوينية والجلية للوجود الإنساني، ففي جسمه هذا ومعه يولد، ويعيش، ويموت كل واحد منا. كما أنه في جسمه هذا ومعه ينضوي في المجتمع ويواجه الآخرين"6 في حوار بين أبطال الرواية والذين كانوا بين الحضور الذي يشاهد الجسد الراقص، يقول الحسين: "أنا أعجبتني الأفخاذ التي ترتعش تحت وطأة القوانين الفيزيائية، والأوراك التي تتقلب في أوج رقصة جنونية.."7 إن الإنسان المجهول يعرف من جسده، والمعطى الأول الذي نصادفه في التجربة المعاشة هو الجسد، إن هذا الأخير هو وعاء الوجود الشخصي، والثقافة الحسانية مفهمت الجسد وقولبته، وجعته في صميم تجربة الإنسان، إن الجسد لا يحضر كجسد فقط لدى "بني حسان"، بل يحضر أيضا كسلطة، فجسد المرأة يمارس سلطته من خلال اتساعه، وبقدر ذلك تتسع قيمتها كما تجربتها في هذا العالم.
يتساءل البطل "أحمد بابا"، بعد قلب صفحات قليلة من الرواية، قائلا: "كيف هي ملامح وجهها؟ "كيف هو خصرها؟ وكيف هما نهداها؟" وحينما يخفق في الإجابة عن أسئلته، يلجأ إلى طقس الرقص، وإطلاق العنان للجسد "رميت نعلي وأخذت أرقص. فالموسيقى صاخبة، راقصة، تنبض بالحياة. أرفع رأسي للأعلى وأنا أتحرك، بكل عنف، بكل شطط. أغمض عيني، أمد ذراعي، وأدور حول نفسي حتى يكاد يغمى علي، وأسقط فوق الأغطية، وأنفاسي متصاعدة، تسابق نبض قلبي... موسيقاي صارت أكثر هدوءا، تدغدغ مشاعري، وترسم مريم أمامي ممددة، وجهي لوجهها، أمد يدي لشعرها، أستنشق من رائحته القرنفلية، وأغوص في مقلتيها عميقا، حتى الثمالة. أنهض، أمد لها كفي، تنهض، نحضن بعضنا، ونرقص في صمت، بخدي تنام وأنام بخدها"8 . في هذه الصورة الصوفية التي تتخللها شطحات ارتفعت بالجسد إلى حدود اللذة والحلول، فيصبح جسد الراقص وجسد المحبوب جسدا واحدا متحدا، جسد متقدا بالرغبة، يفصح عن نفسه من خلال مقطع آخر يقول فيه الراوي/البطل:"وكشهاب يشق عباب السماء، تكتسحني رغبة شهية في أن أعبر مجاهل ذلك الجسد اللذيذ. إحساس غريب جاء كما تجيء النبوءة، لتمحو عصورا من الظلام الدامس!"9 وفي معركة الغواية، وطريق اللذة المتقد بنار الولع والشوق يصل الراوي البطل إلى نصف مراده، حيث يقول في الصفحة نفسها: "وبشفتي الجائعتين فوق شفتيها. غير أنها بانتفاضة مباغتة، أوقفت الرحلة". لم تستمر رحلة الاستمتاع، إذ سرعان ما أوقفت الحبيبة انطلاقتها، وكأنها تقول إن اقتحام الجسد تخلفه ضريبة ثقيلة، أو لا بد أن يمر عبر عقد يبيح رحلة المتعة وتحقيق فتوحات على أقصى أراضي ذلك الجسد. لم يفقد الراوي/ البطل الأمل في تحقيق فتوحاته، إذ ما فتئ يعقد العزم مجددا حيث يقول: "سأعرف الطريق إلى جسدها الإبليسي، وسألتهمه كما تلتهم التفاحة، مضغة، مضغة" 10. يغترف الروائي معجمه من معين التعبير الحساني، حيث يوسم الجسد بالإبليسية كناية عن غوايته، فيقال جسد يسكنه إبليس، بمعنى شديد الإغواء. لقد ركزت ميشيلا مارزينو على ضرورة فهم الفعل الإنساني من خلال بعده الجسدي، وعليه نفهم أكثر شخصية البطل التي يحضر فيها الآخر/الحبيبة حضورا جسديا بامتياز، هذا الجسد الذي يمكن القول عنه إنه مدخل أساسي لفهم الوضع البشري، فحضور الذات كجسد في العالم يسبق حضورها كذات متعالية عن الجسد، إن السقطة الأولى حسب تعبير سارتر ليست إلا سقطة جسد، هذا الأخير الذي يلم الروح، ويشكل قماطها، وهنا نستحضر نصا مكثفا لمارزانو تقول فيه:"إن الجسم البشري هو بالتأكيد موضوع، ونستطيع تأمله من الخارج، وإبقاءه بالتالي على مسافة. إنه جسم الغير: جسم من بين الأجسام الأخرى. لكنه لا يكف مع ذلك أبدا عن الإحالة إلى حضور مختلف عن حضور الموضوعات المادية الأخرى، جسم يتيح الوصول إلى صورة لظهور ما. ويحيل في الوقت ذاته إلى الكيان ذاته للشخص الماثل أمامنا. لكنه أيضا جسمنا، جسم-صورة نستطيع تأمله في المرآة، لكنه جسم مجزأ، حينما ننظر إلى أيدينا أو أقدامنا، جسم يتحرك مع ذلك حينما نتحرك، ويتألم ويفرح حينما نتألم ونفرح"11
تحضر الرغبة لدى الراوي/البطل وكأنها رؤى أحلام وهذيانات، ولكنها تعبيرات لا يمكن خارجها فهم نفسيته، إذ يقول:"فأصير أحلم بجسد بين يدي. ويعودني جسد "النيته" الذي زاده بهاء ما لبست أمس، حين مررت بهم كي أحيي العمة العجوز: بنطلون أسود يستدير حول خصرها وفخذيها مشدودا، فيبرز فخامتها. وقميص أحمر تبدو منه ملامح صدرها الناهد. تبدت لي في أوج بهائها. لذيذة حد الوجع، بضة، استفزازية. ربطت شعرها إلى فوق، مرسلة خصلاته إلى أسفل في جموح، كأنها ذيل فرس أصيل"12 إن جسد الأنثى/الحبيبة يمارس سلطته المطلقة على الراوي/البطل، حيث تتخذ السلطة بعدا إيروتيكيا تلعب فيه ثنائية المكسو والعاري دورها الخاص والقوي، فيصبح التحرر من السلطة هو امتلاك الجسد عبر ترويضه. إن الجسد الجامح التي يتبدى للراوي/البطل كفرس أصيل يحتاج إلى الترويض. ولكن عوض ترويض ذلك الجسد يصبح الفارس هو المروَّض، وتصبح الفرس هو المروِّض: "وأتذكر جسدها الشهي المكتنز، جسد النيته سوط يجلدني، قلت لنفسي"13
لم تقف حدود التسلط التي يخضع لها الراوي/البطل عند حدود الاستيهامات والتخيلات التي يسرح فيها الخيال ليغزو الجسد في أحلامه، لكنها تحضر أيضا حتى على أرض الواقع، فحينما يتحقق اللقاء يقول: "أحس بملمس كفها وبالدفء المنبعث منها فتجاذبني الانفعالات"14 وينتقل من الانفعال إلى الخضوع لسلطة الجسد إذ يقول: "فهي كانت تجلس على بعد سنتيمترات مني.. أحس سخونة جسدها ولهيب أنفاسها.. وتمارس، دون أن تدري على وجداني سلطانها"15
يحضر الجسد المتسلط والغاوي في رواية على مرمى بشر حضورا قويا، حيث يطغى على المتن الروائي منذ بدايته إلى نهايته، لكن وسط هذا الحضور اللافت للنظر للجسد المتسلط، يظهر هذا الجسد بأشكال أخرى.
الجسد المنبوذ/المحتقر:
سرعان ما نصطدم بين دفتي الرواية بجسد من جنس آخر، ونتحول من الجسد الغاوي، الجسد المرغوب، ونخرج من ثنائية العاري والمستور إلى ثنائية المتعالي والمحتقر. لم تكن علاقة الراوي/البطل بالجسد علاقة خارجية فقط، بمعنى جسد#جسد بل أصبحت علاقة الجسد مع جسده؛ جسد=جسد. لكن هذه العلاقة علاقة متوترة، ومشحونة بالاحتقار. ويمكن فهم هذا الجسد المحتقر بوضعه في سياقه الجسدي، فالراوي/ البطل ينتمي إلى طبقة الصناع، باعتبارها طبقة أدنى من طبقة البيضان/الأسياد في المجتمع الصحراوي الطبقي، ووفق هذه التراتبية الاجتماعية يقع خصام بين الراوي/البطل وجسده، إنه الجسد الأسود المنبوذ، مقابل الجسد الأبيض المرغوب، ويجسد الحوار التالي بينه وبين أحد شخوص الرواية هذا الأمر بجلاء: " لن تستطيع تغيير الواقع أحمد بابا. إنهم يفكرون كذلك.. إنك بعين أي بيضاني ذلك "لمعلم" الذي دونه في المكانة. ويتوقف عن المشي فجأة مكملا: أتعتقد أنك إذا أحببت يوما واحدة منهم، تستطيع الزواج منها؟ أتذكر جرحا يدعى مريم، ولا في الأحلام عزيزي. البيضانية للبيضاني، والسوداني يتزوج من فصيلته، وكذلك لمعلم"16 إن الحضور في المجتمع ومع الآخرين هو حضور بالجسد: "أنا لست أمام جسمي، أنا في جسمي، أو بالأحرى أنا جسمي"17 لكن هذا الجسد الذي يحضر بلون يخالف لون الأسياد يصبح جسدا منبوذا، إنه ما يمكن تسميته بالجسد المهجور، كونه هجرته القيمة، ولذلك فإن ما يرسم للذات وجودها الاجتماعي، وما يضمن انخراطها مع الآخرين هو في الأخير الجسد.
لقد شكل الجسد المنبوذ عقدة الراوي/البطل، حيث إن التيمة الأساسية التي اشتغلت عليها الرواية هي هذه التراتبية الاجتماعية والميز العرقي الذي كان يحكم المجتمع الصحراوي، كونه مجتمع ينظر إلى الفرد ويصنفه من خلال قالبه الجسدي.
الجسد المنهك/العاطل:
يحضر هذا الجسد من خلال ما يعانيه البطل/الراوي، إذا طالما يفصح عن عجزه الجنسي المحتمل، ويبدو غير واثق من إثباته لرجولته أمام الجسد الأنثوي. وقد شكل هذا الأمر هاجسا بالنسبة له ظل يستحضره طيلة الرواية حيث يقول: "تسترق إلي نظرة ماجنة وتبتسم بإغراء. وأنا في مكاني أشتهيها وأحترق. وفي صدري استيقظ وحش نام لأكثر من عشرين سنة، يدعى الرغبة... يا أسفي على نفسي، لا زلت أجهل كيف تعامل النساء فوق الأسرة... كلما دخلت جحيم المحاولة تنقبض أحشائي، وتبرد أطرافي وأجرد من كل شيء..كل شيء! أهو الخوف؟ أهو التردد والارتباك؟ أهو العجز.. وأستحضر كل انهزاماتي أمام جسد امرأة عارية"18. يتضح من خلال هذا النص أن الراوي/البطل يعيش عدم ثقة في جسده، علاقة غير واضحة به، توثر يحضر بقوة بين الذات والجسد الذي يحتويها. إن الجراح التي تعيشها ذات البطل تنعكس على جسده، كما تنعكس جراح الجسد نفسه، فحضور الجسد هو حضور الذات، وحضور الذات هو حضور الجسد.
بقيت العلاقة بين ذات الراوي/ البطل متوترة إلى آخر الرواية، فكل التجارب فشلت، وبقي الجسد معطلا دون معرفة حدوده، حيث يقول:" جسدي صار على كاهلي عبئا... إلى أين المضي بجسد منهك بالوراثة؟"19 ويبقى سؤال الراوي/البطل بدون جواب، إذا نقلب الصفحة الأخيرة دون أن يتحقق بطلنا من رجولته.
الجسد المروض/المعذَّب:
يحضر الجسد المعذب مع محاولة ترويضه حضورا غير ضعيف في النص، فالوضع السياسي الذي تعيشه المنطقة التي تدور فيها أحداث الرواية يجعل رجال السلطة والمخبرين والبوليس المتخفي حاضرون دوما، يتربصون بالأجساد التي ترفض الانصياع في محاولة لترويضها، فيدخل الجسد غير المنصاع في دورة من التعذيب، إذ يصبح محط ركلات ورفس بدون هوادة، يقول "حضيه" أحد شخوص الرواية:"إنهم أولئك المخبرون. خرجت البارحة عند الأصيل، وباغتوني في أحد الأزقة الجانبية بسيارتهم. أمسكني أحدهم من رقبتي وسروالي، ورماني في المقعد الخلفي. ثم انطلقت بنا السيارة لم أعرف إلى أين، بسبب العصابة التي وضعوها على عيني. وفي خلوة خارج المدينة، انهالوا علي ضربا بالأيدي ورفسا بالأرجل. ناهيك عن السب والشتم. ثم أخذوني وقد أعادوا العصابة على عيني. ورموني كما ترمى الحثالة، وأنا في حالة سيئة، على حافة الطريق خارج المدينة. ومن هناك، عدت أجر جراحي وألمي إلى منزلنا"20. إن ترويض الذات يتم عبر ترويض الجسد، وما تقترفه هذه الذات يدفع الجسد ضريبته، ولذلك كان لا بد من المرور عبر بوابة الجسد لبلوغ الذات وترويضها. إن الندوب التي يتركها الجلاد على ظهر الضحية طالما تعيد ذكريات الوجع، وتعكس بعمقها عمق القناعات السياسية، فيصبح الجسد خريطة هذه القناعات، مما يدفعنا للتأكيد مجددا على أن هذا الجسد هو المفتاح الأهم لفهم الوجود البشري.
خاتمة:
تقتضي الوضعية الفينومولوجية للإنسان حضوره كجسد وكنفس في هذا العالم، هذا الجسد الذي يتقدم للوعي كجسد وكذات في الآن نفسه، فعن طريق الحدس المقولي الذي رسخه إدموند هوسرل نفهم الجسد الإنساني على أنه جسد ذات تمر في تجربة داخل العالم المعيش، فالحدس المقولي يخبرنا أن الشبح الذي أمامنا إنسان راكم سنوات من التجارب الحياتية، والتي لا يمكن فهمه خارجها. في هذا الإطار كانت هذه محاولة لفهم شخوص الرواية، خاصة شخصية الراوي/البطل من خلال فهم حضوره الجسدي، وعلاقته بجسده، لكن هذا الفهم لا يمكن أن يتم إلا من خلال تقعيد لمفهمة الجسد في الثقافة الحسانية، ورسم تصور صحيح عنه، يخرج هذا الجسد من التصورات الدوغمائية والأيديولوجية، ويضعه في رحاب أوسع تحده الإنسانية، وفهم الإنسان في نزواته، في غريزته، وفي حضوره كذات وكتجربة معاشة، وليس كعرق أو انتماء قبلي. ولعل بوسحاب أهل علي، كاتب الرواية وفق في مقاربة إشكالات عميقة للذات الصحراوية، من خلال معالجتها عبر الحضور الجسدي في تعدده، ولذلك يمكن القول: بوسحاب أهل علي، الواحد المتعدد..









المصادر:

1 أحمدابن مسكويه، تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق، مكتبة الثقافة الدينية، بدون تاريخ، ص 51.
2 ميشيلا مارزانو، فلسفة الجسد، ترجمة نبيل أبو مصعب، مكتبة التنوير، الطبعة الأولى 2011، صفحة 46.
3 موريس ميرلوبونتي، فينومولوجيا الإدراك، دار غاليمار، 1954 صفحة 401.
4 ميشيلا مارزانو، مصدر سابق، ص 8.
5 بوسحاب أهل علي، على مرمى بشر، منشورات إبييدي، 2019، صفحة 7.
6 ميشيلا مارزانو، مصدر سابق، ص 5.
7 الرواية، ص 21.
8 الرواية، ص 38.
9 الرواية ص 42.
10 الرواية، ص 43.
11 ميشلا مارزانو، مصدر سابق، ص 10.
12 الرواية، ص 66.
13 الرواية ص 92.
14 الرواية ص 196.
15 الرواية، ص 200.
16 الرواية، ص 55.
17 موريس ميرلو-بونتي، فينومولوجيا الإدراك، باريس، غاليمار، 1945. ص 161.
18 الرواية، ص 67.
19 الرواية، ص 84.
20 الرواية، ص 63.

هذا النص

ملف
أحمد بطاح
المشاهدات
557
آخر تحديث

نصوص في : نقد أدبي

أعلى