أحمد بطاح - هل يمكن أن نصرخ قائلين: أنقذوا الرواية العربية؟

يتفق أغلب النقاد والأدباء على أن رواية "زينب" للأديب محمد حسين هيكل التي صدرت سنة 1914 هي أول عمل روائي عربي متكامل يحمل جينات روائية موروثة عن الرواية الغربية الأم، ومبني على أسس تقنية حديثة. ومنذ ذلك التاريخ إلى حد الآن، أي حوالي قرن من الزمن، تتابعت الانتاجات الروائية على مراحل، لكن الساحة الروائية العربية، ظلت إلى حدود التسعينات من القرن الماضي تنتشي بأعمال روائية لكتاب كبار أمثال نجيب محفوظ وعبد الرحمان منيف وغيرهما، ولم يكن يزاحمهم إلا نفر قليل من الكتاب المغمورين، إلا أنه بدخولنا الألفية الثالثة، بدأ سيل من الروايات في الانحدار، يدفعه ثلة من الكتاب الذين اقتحموا عالم الرواية، إن بوعي أو بدون وعي بأبجدياته وفنونه وتقنياته، وقد تمخض عن ذلك، إلى حدود اليوم، آلاف الروايات التي لم يعد النقد قادرا على مسايرتها. ومن هذا المنطلق بات من الضروري أن نطرح السؤال: هل هذا الانفجار الروائي يشكل قيمة مضافة للرواية العربية أم أنه أفرغها من مضمونها وإرثها التقني والفني والجمالي؟
إن البحث في هذا السؤال، يجرنا إلى إشكالية تتعلق بالكم والكيف. فحينما كنا نتحدث عن القرن الماضي، كنا نتحدث عن عدد محدود من الروايات، كانت في مجملها تحترم أساليب وفنيات الرواية، مما سهل المسايرة النقدية لها، فكانت الأعمال الروائية آنذاك تمر من مشرحة النقد، على الأقل حينما كان يقدم كخدمة أساسية لدور النشر. ذلك أن الرواية تحتاج - على الأقل في نظري- إلى المتابعة النقدية، حتى لا تخرج عن سكتها الصحيحة، بداعي أنها عمل إبداعي يجب أن لا يركن لشروط معينة أو تحكمه ضوابط وتقنيات. وعلى هذا الأساس نجحت الرواية العربية، إلى حد ما، في القرن العشرين، في رصد التطورات الاقتصادية والتحولات الاجتماعية والسياسة للشعوب العربية في تلك الحقبة، كما أنها سايرت المحطات الكبرى للأمة، خاصة النكبة والنكسة، وأنجبت تلك الحقبة أيضا روايات متميزة ما تزال إلى اليوم مرجع العديد من النقاد والأدباء، لتتوج في أواخر القرن بجائزة نوبل مع نجيب محفوظ سنة 1984.
لكن الحقل الروائي اليوم، منذ الألفية الثالثة، أصبح يشهد غزوا منقطع النظير، فظهر جيل جديد من الكتاب الشباب، الذين طرقوا باب الرواية، سواء من باب الهواية أو من باب اكتشاف هذا العالم والإحاطة بخباياه، وتضاعف هذا الاقتحام خاصة بعد شيوع الشبكة العنكبوتية وظهور ووسائل التواصل الاجتماعي، والتي شكلت نقلة كبرى في عالم الكتابة والنشر، فأصبحنا نشهد صدور عشرات الروايات بشكل يومي، هذه الروايات التي تتأرجح بين الحرفية والتطفل على هذا الميدان. إلا أننا لا نستطيع الحسم في ذلك، خاصة مع تراجع دور المدرسة النقدية، نظرا لانفلات الرواية من النقد، حيث إن كم الروايات الهائل، لن يستطيع النقد الذي يحتاج إلى الوقت والجهد إلى مسايرته. هذا بالإضافة إلى تقلص عدد النقاد بالمقارنة بعدد كتاب الرواية. وعلى هذا الأساس فإن حكمي لن يكون حكم ناقد، بل أنه حكم قارئ كون انطباعا أوليا، من خلال ما قرأه من روايات تخص هذا الرعيل الجديد من الكتاب. لقد أصبحت الساحة الروائية العربية ميدانا لكن من هب ودب، بحيث نجد الكثير من الأعمال الروائية لا ترق حتى إلى وصفها بأنها كذلك، وذلك لكونها تفتقر إلى المكونات الفنية والجمالية للرواية، وكذا التقنيات التي يجب أن يتسلح بها كل روائي، ولعل هذا الطرح يجد انتقادا لاذعا من طرف الكثير، بدعوى أن الكتابة الروائية هي نوع من الإبداع الذي لا يحتاج إلى قواعد ولا تحكمه أصول محددة، لكن هذه الحجة ما هي إلا محاولة للتملص من الاعتراف بعدم الإلمام بالتقنيات الروائية أو عدم الرغبة في ذلك. فإن نحن تركنا ميدان الرواية لكل من سولت له نفسه أنه سيصبح كاتبا عظيما لمجرد أنه قام بكتابة خاطرة أو قرأ رواية أو روايتين أو حتى حضر لمحاضرة عن الكتابة الروائية، نكون قد فتحنا النار على الرواية. هذه الأخيرة التي يجب أن تحكمها شروط معينة، حتى لا نحسب كل خربشة هي عمل روائي. ولعل المطلع على العديد من الأعمال الروائية الجديدة سيصدمه حجم الأخطاء التي تشوب هذه الأعمال، ليس فقط على المستوى التقني والفني، بل حتى على المستوي اللغوي، فبعد أن تملصت دور النشر من دورها في التنقيح اللغوي، أصبح الكثير من الكتاب لا يعيرون اهتماما لهذا الأمر، فلا تكاد تجد صفحة من رواياتهم إلا وهي مطلية بالأخطاء الإملائية والنحوية والتركيبية. بالإضافة إلى ذلك، فقد فهم الكثير من الكتاب مسألة أن الرواية إبداع في الاتجاه الخطأ الذي لا ينبغي فهم معنى الإبداع فيه، إذ هناك من يظن أن الإبداع هو الكتابة بالشكل الذي يحلو للذات، وبالطريقة الذي يريد الكاتب، بعيدا عن بعض الضوابط الأساسية، ولذلك نجد أن أغلب الروايات الحديثة تفتقر إلى الحرفية، ويغلب عليها طابع قصص الأطفال، بل أحيانا تجد الأحداث متناقضة ولا يحكمها أي تماسك منطقي.
إن هذا الفهم لمسألة الإبداع هو تمييع للرواية، وجعلها ملجأ للفاشلين أدبيا، والذين لا يفكرون إلا في الشهرة السريعة أو غير ذلك ولو على حساب الأدب الروائي. وكثير من كتاب اليوم من الشباب تجدهم يفكرون في نشر بواكير أعمالهم حتى قبل الانتهاء منها، بل إن الأغلبية يؤرقهم سؤال النشر أكثر مما يؤرقهم سؤال الكتابة. وأعتقد أن في ذلك وبال عليهم، ذلك أن الروائي الذي يود أن يصبح روائيا ناجحا، يجب أن يتصف أولا بالصبر، خاصة مع العمل الأول، الذي يحتاج إلى القراءة والتنقيح وإعادة القراءة، بل وعرضه على من لهم تجربة في الميدان، سواء من الناحية اللغوية والناحية التقنية. وكلما اتخذ العمل الأول وقتا طويلا كلما خرج بصورة شبه مكتملة. ونحن نعلم أن الكثير من الروائيين الذين اعتراهم الندم على نشر العمل الأول، بعد وقت من نشره، بل إن هناك الكثير منهم من تمنى أن يسحب عمله ليعيده بصورة جديدة بعد ما ظهر له حجم الخلل الذي كان مخفيا تحت الوهم بأنه سيصبح كاتبا عظيما حالما ينشر ذلك العمل. أضف إلى ذلك أن العمل الأول هو بمثابة الانطباع الأول الذي يعترينا حالما نتعرف إلى إنسان جديد، بحيث يصعب التخلي عنه أو كسره، فكذلك حال القراء مع العمل الأول، إما أنه يفتح للكاتب باب النجاح، أو يلقيه في يم الفشل والضياع.
بناء على ما سبق يتضح لي أن هذا الانفجار الروائي للرواية العربية قد لا يشكل سوى عقبة أمام هذا النوع من الأدب، ذلك لأن التحولات الاجتماعية والاقتصادية وشيوع الانترنت وغير ذلك من الأسباب فتح الباب أمام الكل لغزو الكتابة الروائية، وهو أمر وإن بدا للوهلة الأولى جيدا إلا أنه يخفي في أعماقه مفتاح فشل الرواية العربية وتمييعها وجعلها تفتقد إلى الحرفية والقيم الفنية والجمالية. بل الأكثر من ذلك أن اقتحام الرواية من أشخاص لا يفقهون في الرواية إلا الاسم انعكس على الذائقة الفنية للقراء، فشاعت الكثير من الروايات التي تفتقد إلى أدبيات الرواية وتقنياتها، في مقابل تراجع الكثير من الأعمال الروائية التي كتبت بحرفية عالية، وهذا يبين أن النقد لا يصلح الأعمال الروائية فقط، بل إنه يهذب الذوق ويرقيه، ويجعله لا يقبل إلا الأعمال التي تستحق بالفعل أن تكون أعمالا روائية مقروءة. وليس في هذا تنقيص من قيمة الكتاب الجدد، بقدر ما هو رسالة لحثهم على الإحاطة والتعمق في المجال الذي اختاروه، وألا يعتبروه مجالا للسياحة الأدبية فقط، بل فن له أساليبه وطرقه وتقنياته التي يجب عليهم على الأقل الإحاطة بها، آنذاك يمكن نقدها وتجاوزها، أي تقديم بديل عن وعي، وليس فقط التنقيص من قيمتها والحكم عليها قيميا.

هذا النص

ملف
أحمد بطاح
المشاهدات
442
آخر تحديث

نصوص في : نقد أدبي

أعلى