مؤمن سمير: أسكب ذاتي على الورق وأعيد صياغة وجودي عبر الشعر .. حوار: محمد زين العابدين

*نريد أولاً التعرف على تأثير النشأة عليك، وأهم المؤثرات التي كونت وجدانك الأدبي؟
& انقسمت نشأتي إلى قسمين، الأول كان في بيئة صحراوية منغلقة ومصمتة حيثُ ولدت في بلدة صغيرة في إحدى الدول العربية لأب وأم يعملان في التربية والتعليم وهو ما أنتج كائناً بلا طفولة و لا أصدقاء ولا ضجيج خارجي اضطر أن يصنع ضجيجه الخاص بالداخل وأن يلونه باستمرار معوضاً برودة الخارج
وصمته وغموضه وهو ما أدى به بعد ذلك لاعتماد هذه الطريقة في التعاطي مع العالم بعد أن تطورت وتحورت في شكل كلمات وجمل وصارت الكتابة طريقته الوحيدة للتنفس حيث تسمح له في النهاية بأن يعيد صياغة كل ما يخفى عنه أو يبهجه أو لا يروقه ، حتى وإن كان الأمر يتم من وراء جدار وحائط وبحر.. أما القسم الثاني فيتجلى بعد العودة لمصر وكان على النقيض من الوضع الأول في كل شيء :الضجيج الدائم ،الحميمية الزائدة التي تكاد تصل لدرجة الاقتحام والانتهاك المتوالي للخصوصية، التجارب الدائمة التي تنتهي بالخسارة في العلاقات مع البشر الأقرب والأبعد، الأسئلة الحارقة في الدين والسياسة والجنس وكانت النتيجة هي أن الفتى كان يغادر الجميع ويعود دائماً وطول الوقت لمرفأه الوحيد وهو التلصص على العالم وامتصاصه وحرقه أحياناً لإعادة تأمله وصياغته من جديد عن طريق الكتابة..

*ما مدى استفادتك من دراستك وعملك في مجال القانون بالنسبة للكتابة الأدبية وأسلوب الحياة؟
& كنت واعياً منذ البداية للغربة الكبيرة بيننا وأعلم يقيناً أن القانون يمثل الوضوح والدقة والواقعية وأنني ابن الخيال والتحليق وعيش الحياة باعتبارها مجازاً كبيراً.. التحقت بكلية الحقوق تحت ضغط العائلة ورفضها الحاسم لأن ألتحق بكلية الآداب قسم الفلسفة أو قسم الصحافة لكني كنت أقضي معظم أوقاتي في كلية الآداب أحضر محاضرات الفلسفة واللغة العربية والتاريخ وعلم النفس! وبعد التخرج عملت بالمحاماة لفترة بسيطة جداً كانت كافية لحسم قرار ابتعادي النهائي ثم عملت في بعض الصحف الصغيرة ومارست الكتابة الحرة لينتهي الأمر بي إلى التسليم بانتصار القانون النهائي عليَّ بعدما علمت بأن هناك درجة وظيفية خلت في وزارة العدل فتقدمت مضطراً بعد إرهاقي النفسي من عدم الانتظام في الأعمال وحياة الصعلكة و كان أن التحقت بالعمل في النيابة العامة كموظف ملتزم يطبق الروتين واللوائح بدقة متناهية كي يضمن مرتباً آخر الشهر يخص أطفاله الأربعة وكلما تقترب جذوة روحه وخياله من الانطفاء يتنهد وينظر للسماء ويبتهل ..

* إذا كان هناك شعراء أوأدباء تركوا بصمة في وجدانك. فمن هم أبرزهم ولماذا؟
& في البداية كان كُتَّاب الأطفال كامل كيلاني ويعقوب الشاروني وعبد التواب يوسف هم مصابيح حياتي ثم دخلتُ في المرحلة البوليسية ،مرحلة د.نبيل فاروق ود.أحمد خالد توفيق ثم كان مصطفى محمود وأنيس منصور بعدها لم تنتهي مرحلة الثانوية العامة إلا وكنت أجهزت على نتاج محمد عبد الحليم عبدالله وعبدالحميد جودة السحار وعلي أحمد باكثير ويوسف السباعي ويحيى حقي ونجيب محفوظ ويوسف إدريس بالكامل لكني لم أصحب معي من زمني هذا إلا نجيب ويوسف وحقي وبالنسبة للشعر التهمت أحمد شوقي وحافظ إبراهيم والعقاد ومحمود حسن إسماعيل وخليل مطران ونزار قباني ليتمشى معي نزار ومحمود إسماعيل إلى آخر الشارع ومع بداية العام الأول في الجامعة كان السياب وصلاح عبد الصبور وحجازي وأمل دنقل وعفيفي مطر وأدونيس ومحمود درويش وسعدي يوسف ومحمد الماغوط وروائيو الستينات : أصلان والغيطاني ويحيى الطاهر عبدالله والبساطي وخيري شلبي وسعيد الكفراوي ثم إبراهيم عبد المجيد ومحمد مستجاب وفي الأعوام التالية كنت قد قاربت على الانفجار من كثرة قراءة الشعر المترجم وكتب الماركسية وخاصة كل ما يتعلق بتروتسكي والسرياليين وكتب فراس السواح وخليل عبد الكريم وسيد القمني ونقد رولان بارت وروايات ماركيز وميلان كونديرا والشعراء
والروائيون الشباب في مصر والدول العربية ، ومن سخونة وقائع الحروب مع الرفاق لأجل إنصاف جيل السبعينات الشعري كلما هاجمهم أصحاب السلفية الشعرية ثم بعدها مهاجمتهم لصالح جيل الثمانينات وهكذا لم تنتهي حياتي الجامعية إلا وأنا أحسم مساري وأحرق كل تجاربي في الشعر العامودي و شعر التفعيلة وأتمكن من الإمساك بملامح مستقلة تخصني بعدما كانت روحي تائهة تتجول لاهثةً في معاطف الآخرين وبالتالي أقع في محبة محاولاتي في قصيدة النثر ليصدر ديواني الأول " كونشرتو العتمة "بعد التخرج مباشرةً ليتواشج مع تجارب أبناء جيل التسعينات الذين شكلوا جيلاً جديداً وشعرية ظلت تطمح أن تكون صادقة ومفارقة..

*لديك اهتمام كبير بالكتابة للأطفال وأعمال موجهة لهم.هل ثمة تناقض بين روح الطفولة بداخلك والغموض الذي يغلف الكثير من أشعارك حتى في عناوين بعض دواوينك؟
& دعني أعترف لك: لقد كتبت للأطفال لمعالجة نفسي ومحاولة إعادة صياغتي من جديد، حيث كنت في أحيان كثيرة أخافهم وأعتبرهم كائنات غامضة ومشاريع لأعداء قادمين لا محالة والحقيقة أن هذا لم ينفصل عن ارتيابي وخوفي ورعبي من الجميع وهكذا جربت مرة وكتبت مسرحية للأطفال وبعد سنوات ترجمت قصصاً للأطفال كتبها جوركي أديب روسيا العظيم.. وفي المنتصف أنتجت أشعاراً وقصصاً لكني قررت ألا أنشرها خوفاً من أن أكمل في هذا الاتجاه المغرِي والجميل والذي يسحب أقدامك الإبداعية بكل مكر إلى أن تتورط فيه تماماً.. والآن وبعد مرور كل ارتيابات التكوين عدت أذوب في الأطفال وأعشقهم وأتلمس معهم روح الطفل المسكين الذي بداخلي والذي يطل عليهم من ثقب في النافذة ويصفق بيديه أو يصرخ من أي ظلٍ سميك يقترب..
أما ما تسميه غموضاً في أشعاري فالحاصل أن هناك من لم يتلقاه على هذا النحو وبالتالي فالأمور متراوحة بل إن هناك من عاب على بعض العناوين وضوحها وكشفها لمحتوى العمل ..
لا ثبات ولا حسم في طرق ودرجات ومستويات واتجاهات قراءة النصوص وتلقيها لكن في كل الأحوال ستظل المباشرة والمجانية عيباً فنياً قاتلاً وهو ما حاول نصي أن يقترح محاولاته لكي ينجو منه.. وبالنسبة لروح الطفولة فلا أظن أن هناكَ علاقة مباشرة بين الطفولة اللصيقة بروح كل مبدع والتي تضمن له اندهاشاً دائماً إزاء مفردات الكون وعبثاً إيجابياً يهفو لإعادة اكتشاف الأشياء وصياغتها من جديد - وبين اتجاهه الفني أو وولاءاته في مرحلة ما من عمر إبداعه ، أو في أعمال بعينها قد تناسبها لعبة فنية ما أكثر من غيرها ..

*في قصيدتك"أبجدية أخرى"وضعت تصوراتك الخاصة كشاعر لمدلولات الحروف وإيقاعاتها.كيف تتعامل مع مفرداتك كشاعر،وهل أنت معني أكثر باللغة أم الصورة أم الدلالة أم ماذا؟
& هذه القصيدة كانت ضمن ديوان " تفكيك السعادة " وكانت تتضمن محاولة لإعادة النظر في يقينياتنا وثوابتنا عندما نكتشف عدم مسئوليتنا عن دقها وصياغتها في نفوسنا وبالتالي صياغتنا نحن وفقاً لها ..حتى أسماءنا التي قد تكون حجاباً على أرواحنا التي هي في مكان آخر طول الوقت . أما مفرداتي كشاعر فهي متغيرة طول الوقت سواءً كحروف وكلمات وجمل ، أو كمعانٍ ومدلولات.. الشاعر يختزن صوراً ومشاهد وأصوات وروائح وذكريات ثم يضعها بين قوسيْ جملته وإذا تكررت مفرداته عليه أن يحذر حتى لا تتكرر معانيه ..أنا مَعنِيٌّ طول الوقت ببناء نصي الذي هو لعبة مع الوجود والذي هو أيضاً لغة وكلام يتراوح بين الخفوت والوضوح والوحشية والحلمية وكذلك هو صور ومجازات تتفاوت بين الصور الجزئية وبين أن يكون النص كله كناية كبرى ، أما الدلالة فلا أقصد دلالات بعينها وإنما يهب النص دلالاته – إن كان نصاً أصيلاً- مع كل قراءة ..

* في ديوانك "تفكيك السعادة" قصيدة من كلمتين:(السعادة هى..!).فماذا لو فككت لنا مفهومك للسعادة كشاعر؟
& في هذا الديوان استفدت من رحابة امكانات قصيدة النثر وصنعت كتاباً شعرياً عبارة عن بحث شعري حول معنى واحد هو السعادة ..وبعد الكثير من التطواف والاحتمالات- الشعرية طول الوقت والحذرة إلى حد الموت من الذهنية والأفكار الغُفْل- وصلتُ لنتيجة مفادها أن السعادة هي أكثر المعاني غموضاً وافتقاراً إلى الثبات والحسم فهي معنى مخاتل ومراوغ ومفتوح دائماً على المدى النفسي والمكاني الخ وبالتالي فالسعادة هي مجرد نقاط متوالية تزيد عدداً كلما تقدم العمر وكَلَّ البصر وانفتحت البصيرة.. كان التحدي في هذا الديوان أن يكون كل اقتراح وكل احتمال ، نصاً شعرياً يسبح وحده حيناً وحيناً وسط السياق الشعري ، وهكذا نلعب بالشعر ونلعب معه..

*في الكثير من قصائدك تحاور قراءك وتطرح عليهم الأسئلة،هل يأتي هذا كنوع من الحيرة الشعرية أم رغبة في بناء جسر من التواصل معهم؟
& هي أسئلتي أنا وحيرتي أنا ولا أقصد أمراً بذاته عندما أطرح ملامحي وروحي وعقلي عبر وسيط هو الكتابة .. وإذا كانت بعض النصوص تملك طموح أن تترك فخاخاً لملأ فراغاتها ومحاولة إكمال دوائر الاحتمالات أو التشظي ، فإنما يحدث ذلك بطبيعية و دونما رؤية مسبقة أو تخطيط ينوي إشراك القارئ وإمساكه من تلابيبه حيث أن كلمة القارئ في النهاية تتضمن معنىً غامضاً فهو ليس واحداً بعينه وليس صاحب أفكار ورؤية وتوجهات ثابتة وواضحة ومتوقعة ومضمونة لهذا فأنا لا ألمح ولا أحس بأية حياةً وقت الكتابة- ولا شخوصاً ولا تنفساً ولا ضجيجاً ولا موتاً خارج حيوات وأبعاد وسيرورة هذا النص بالذات..أنا أسكب ذاتي فقط بغية رؤيتي من جديد ولا أملك طموحاً كبيراً اللهم إلا أن تتقاطع روحي مع أحد الأرواح فيهربان خارج حدود الأجساد ويربت كلاً منهم على الآخر بدلاً من أن يقتله ..

*من أواخر دواوينك ديوان"حيزٌ للإثم".. كيف يكون الاحتفاء بالإثم كمكون بالنفس البشرية؟
& يتبدى من كلمة الإثم مفهوم الخطأ ومقارعة النفس والاستعداد الدائم للعقاب ..هي مفردة شخص خائف ومقموع ويقضي حياته في الهرب من الشياطين والأشباح ولا يتمنى إلا حيزاً صغيراً ينفرد فيه مع إثمه وخوفه ورعبه ليقابلهم وجهاً لوجه ويقتلهم وينتصر.. لكنه في الحقيقة وعلى الدوام ليس موقناً بانتصاره لذلك يظل يقترب ويبتعد عن حيزه الوهمي ويرتعش بإزائه.. مرةً يحشو الطريق إليه بالظلال التي قد تحميه ومرة يقطع ملامحه ويملأ بها الفضاء علها تطير وتطير..

*ما مصدر ذلك الحزن الدفين المسيطر على معظم قصائدك؟
& بصيغة هذا السؤال لا يكون الحزن دفيناً بل هو حزن صريح ومحاولات معنوية وفنية متوالية ومتحورة في صيغ للانتحار. قد ترجع قتامة كلماتي – إن سلَّمتُ بطرحك- للنشأة المتحفظة المنغلقة أو للانطواء الذي فرضته عليَّ تلك النشأة أو لانكسار تجارب عديدة ومختلفة في حياتي تخص أشخاصاً وأمنياتٍ ومشاهد درامية. لقد اصطدمت مع الموت منذ طفولتي المبكرة حيث ألقى في وجهي بأسئلة الوجود التي ظهر أنها لا تحل حتى قبل أن أستطيع صياغة ورسم ملامح أولية لما يشغلني ككائن بسيط ..حتى أنني و بعيداً عن مستوى العقل والأفكار - كنت أحس به يتمشى حولي ويحيط بي ويلمسني طول الوقت وكلما تأثرت صحتي لأي سبب عارض كنت أتأهب له وتصيب جسدي الزرقة وأعراض انسحاب الروح ولا تسمع أذنيَّ إلا قرع نعال الأهل وهم يغادرون مقبرتي!!!!

*ألا تخشى من سوء فهم تأويلاتك الشعرية عندما تتجرأ في استخدام مفردات مقدسة في الوجدان العام؟
&
للأسف حدث الصدام الناتج عن سوء تأويل نصوص تخصني أكثر من مرة، ليس فقط في محيط حياتي الضيق بل وحتى المتسع والبعيد والافتراضي، رغم أني مع غيري ممن يصيغون وجودهم عبر الشعر ،لا نحاكي الكون بحذافيره وإنما نعيد خلق عالم آخر، موازي ، وبالتالي فمفرداته ليست هي المفردات المعيارية القارة في التلقي المباشر ..أنا أكون حراً وإنساناً آخر أثناء نزع كل قداسة متوهمة تتسرب من العالم الواقعي إلى العالم الذي أشيده أنا ..ولا علاقة لهذا الشاعر الجسور أو حتى الخائف في الحقيقة – مع الانسان البسيط الذي لم يسبق وأن اخترق أي محظور اجتماعي مطلقاً ويحلم كثيراً وهو نائم بفتنة السِباب وضرب الجميع حتى يتنفس بشراسة ويملأ رئته حتى آخرها بالهواء!!

*لديك نشاط واسع في مواقع التواصل الإجتماعي.ما رأيك في مدى جدوى هذه المواقع بالنسبة للشاعر؟
& لقد أعادت هذه المواقع النظر في مفاهيم الزمان والمكان وأعادت تقييم مفاهيم الصداقة والاجتماع والحب والابداع الفني ربما لصالح تصورات أخرى ليست كلها موفقة بالضرورة لكن بالنسبة للشعراء حفزت من كان مبتعداً منهم على العودة لنصه وعَرَّفت الجميع بتجارب رائدة كانت نصوصها بعيدة وفتحت النوافذ أمام أجيال بأكملها ..وبالنسبة لي أنا ،فلا أطرح على حسابي الشخصي على موقعيْ فيسبوك وتويتر مثلاً إلا أدباً فقط ، ما زلت للأسف أخشى وأخجل من طرح أفكاري في القضايا العامة ..تعلم؟ أكتب (بوستات) طول الوقت وأعلِّق على كل الأمور لكني أنشرها داخلي فقط!! هذه المواقع تجعلك تعيش داخل وهم افتراضي كبير وهو ما يغير شخصيتك أو يكشفها لكنه يناسب شخصيتي للأسف حيث التعامل الأكثر أماناً بالنسبة لي هو ما كان من وراء جدار حتى لو كان من الدخان ..

*حصلت على جوائز في القصة والمسرح.ما سبب عدم استمرارك في الكتابة السردية؟
& كلما كتبت شكلاً غير الشعر أخاف أن أحبه وهو نفس السبب الذي قاومت لأجله الكتابة للطفل ، حيث أوقن أنني إذا انجرفت في الكتابة في السرد أو المسرح سأستغرق في روعتهما وبالتالي لن أعود للشعر ..أنا أقترف أشكالاً أخرى كل فترة مثل المقالات والنقد لكني أكون في حالة أشبه باستراحة محارب عجوز من عراكه مع ذلك الذئب الأشعث الذي أعتبره قَدَري وحبيبي وغريمي ولعنتي الدائمة التي أهرب منها وأعود إليها بشكل يقبض على النفس ويُوثِقها أحياناً لكن لا مفر ولا فكاك من هذه الصحبة :هذا هو يقيني الوحيد للأسف والذي أخاف أن أغيِّره ، تماماً كما أخاف أن يتملكني غيره ..

*هل هناك اهتمام كاف بالمسرح في مصر والعالم العربي يشجع كتاب المسرح على الاستمرار؟
& الحركة المسرحية العربية ككل في أزمة وراءها تراجع وانحسار الإيمان بأهميته ودوره الرائد والرائع .. يا سيدي هذا هو زمن اليوتيوب.. مسارح الدولة ومسارح الجامعات وتجارب الهواة موجودة وتعمل لكن الناس لا يعلمون ولا يريدون أن يعلموا والنصوص المناسبة موجودة لكن الأمور لا تتم للنهاية ، بل إن المسابقات المهتمة بالمسرح صارت عديدة ويَنْتُج عنها نصوص غاية في التنوع لكن انتاج نص والانفاق عليه وتوفير الدعاية المناسبة له مع عناصر النجاح الأخرى أصبح صعباً مع تغير مفردات اللعبة الفنية خاصة مع انحسار ثقافة الأسرة التي كانت تذهب للمسرح بشكل دوري ..المسرح الذي يصل لحد عنك أسبوعياً على قنواتك المفضلة هو المسرح التجاري المسطح القائم على الإسكتشات والإفيهات وهو ما يرسخ لدى الأجيال الصغيرة أن هذه هي صورة المسرح الوحيدة بل أن هذا هو المسرح للأسف..

*ما رأيك في الصراع الدائر بين أنصار الأشكال المختلفة لكتابة الشعر،وهل أفاد الشعر أم أضره؟
& هو صراع معتاد وطبيعي في كل العصور الشعرية وهو صحي في بعض وجوهه حيث يضمن حراكاً وحماسة للتجديد والإبداع وكشفاً لمناطق تميز كل شعرية وتوهجاً لأصحاب التجارب الأصيلة في كل اتجاه لكن العيب القاتل هو إحساس كل طرف وتوجه أنه يحمل الحقيقة المطلقة وأنه الأفضل والأجدر بالوجود فيؤثر هذا على سؤال الشعر ويجعله يضعف ويتكلس وتجف قنواته كما أن إنفاق الجهد في صراعات شخصية بديلاً عن التدافع الموضوعي الهادف لتقليب تربة الأفكار وتنشيطها- أمر في غاية البؤس..

*في رأيك ما الذي يجعل الشاعر مختلفاً؟
& أن يكون هو نفسه طول الوقت ويخلع أردية الآخرين كلما أحس أنه في طريق للاستلاب ولا يزحف وراء كل شعرية تمر به فيعتبر أن كونها قد لاقت قبولاً طارئاً هو المعيار الوحيد بل يطرح رؤاه هو وأسئلته واقتراحاته الجمالية غاضاً الطرف عن كل ما هو غير شعري وسابق على التجربة .. هو صاحب التجربة الصادقة القلقة التي تثور على منجزها الشخصي كل فترة وتغذيه وترفده بتجارب الإنسان وآماله وأحلامه وإحباطاته في كل زمان ومكان ولا تركن أبداً لإجادة أسلوب أو طريقة أو بنجاح نقدي لتجربة طموحة عنده فيكون هذا دافعاً لاستنساخها وإعادة إنتاجها ..لابد أن يفتح الشاعر عيونه على اتساعها ليرى الجميع لكن لا يفتح إلا بصيرته هو ليرى نفسه ويرى نصه ويهدهده مرةً ويسائله بعنف مرات ومرات..

جريدة (القاهرة ) عدد يوم الثلاثاء 8 إبريل 2019

هذا النص

ملف
مؤمن سمير
المشاهدات
108
آخر تحديث

نصوص في : حوار

أعلى