الطاهر وطار - يوم مشيت في جنازتي ومشى الناس..

لست أدري كيف كان موتهم، وكيف سيكون موتكم أنتم، أما موتي أنا فقد كان أعجوبة الأعاجيب··· فيلم خيالي من أفلام هيتشكوك، أو من أفلام العلم المستقبلي·كنا ثلاثة أطراف في العملية، الموت، أنا، الناس·الموت، يجلس عند رأسي حائرا فيما سيفعل، فقد نفذ أمرا اكتشف أنه نفذه قبل أوانه·أنا ممدود في نعش أخضر أحضروه من المسجد، لم يجف الماء الذي غسلوني به بعد··· ذلك أنهم لم يكلفوا أنفسهم إحضار منشفة من المناشف العديدة التي كانت في خزانة الحمام، بعضها أبيض، بعضها وردي، بعضها أزرق باهت· نسيت أنني لست في بيتي··· المعذرة·

الناس يروحون ويجيئون قلقين، كما يدل استطلاعهم للساعة بين لحظة وأختها، يتوافدون الواحد تلو الآخر، بادين في الأول بعض الحزن، ثم سرعان ما ينسون المناسبة والمقام، فينخرطون في حديث تافه، أغلبه يتعلق بمن حضر من الرسميين ومن لم يحضر، ومن يمكن أن يحضر، فالمناسبة هامة، وليس أدل على ذلك من حضور طقم التلفزة، وكثير من ناس الصحافة والإعلام المختلف، وكل الزملاء الكتاب، حتى أولئك الذين لم نتبادل كلمة واحدة منذ ما يزيد عن عشرين سنة، حتى أولئك الذين كتبوا فيّ تقارير سرية ومقالات علنية يطالبون بنفيي أحيانا وبإعدامي أحيانا، وباعتباري منحرفا اجتماعيا، فمكاني الوحيد هو الصحارى والسهوب للعمل مع مجرمي الحق العام في اقتلاع الحلفاء· حتى هم حضروا ويبدو عليهم الحماس للتقرب من المتقربين من جثماني أكثر من غيرهم· الدكاترة، أساتذة الجامعة الموقرة، كان حضورهم بينا لا يمكن إطلاقا عدم الانتباه إليه، فهم عادة لا يظهرون إلا بمحافظهم المنتفخة، واليوم بالذات، تجلت المحافظ بشكل غير عاد·

كان الجميع يتوجهون بالعزاء للسيد الوزير والسيد الكاتب العام للوزارة، والسيدة مديرة الديوان، دون السؤال عما إذا كان هناك أحد من أهل المرحوم الذين يتقبلون العزاء·· الحق يقال، كان الوزير ومن معه من وزارته ومن زملائه الذين سبقوه في هذه الوزارة، وقد استنفروا جميعهم، أحسن من يقدم له العزاء، فقد كان الحزن يطفح من النظارات السوداء التي تغطي أعينهم· أما أهلي فقد كانوا على قسمين، قسم النساء، بقي في المنزل يهتم بالمعزيات من أهل الحي، وبما سيفعل مع الدائنين وبالصحف القديمة والكتب والمجلات المتناثرة في كل ركن من أركان البيت، والتي كثيرا ما كانت مصدر خلاف عائلي حاد· وقسم الرجال الذين حضروا مباشرة من المطارات، إلى المستشفى أولا ثم إلى قصر التكريم، حيث أتمدد على ظهري في النعش الأخضر، وسط القاعة الكبرى للقصر، وحيث يطغى صوت المقرئ، على أصوات السادة والسيدات، المودعين والمستقبلين·

أهلي الذين كانوا هنا، غلبهم الانبهار بما يجري، فاعتراهم الشعور بأنهم في عرس وليسوا في مأتم، وقد سرهم ذلك أيما سرور، ما جعلهم يذوبون ويزدادون إحساسا بأن كل هذه المكانة التي ما كانوا إطلاقا يتصورون أنني أحتلها، لا شك أنها دليل على ثروة كبيرة تركتها، وسينالون من التركة ما يزيد في محبتهم لي، حيا وميتا، سيستفيدون لأشهر عديدة، إذا ما قصدوا إدارة، لغرض ما، أو إذا ما ارتكبوا مخالفة فأوقفهم الشرطي أو الدركي بالتأكيد·

كيف مات؟

كان هذا السؤال، أكثر ورودا وترددا على الألسنة، بعضهم يطرحه استغرابا، وبعضهم يطره حسدا وغيرة، وبعضهم يطرحه وشاية، وقليل من يطرحه فضولا، ومع أنهم مجمعون في قلوبهم على أن هذا البهرج الذي يرافق جنازتي، في فائدتهم أكثر مما هو في فائدتي، فإنهم مع ذلك يرون أنه لولا السياسة، ولولا الظروف العامة المحيطة بالنظام، وبالصحافيين والمثقفين عامة، لما كان أحد يعيرني العشر من هذا الاهتمام·

مع ذلك كان الثناء على النظام وعلى السيد الوزير وعلى كاتبه العام والسيدة النشيطة مديرة ديوانه، كبيرا لدى جميع الحاضرين· فمثل هذه الفرص التي يخرج فيها المثقفون من جحورهم نادرة، إذ أن عمر الشاقي باقي وعمر الكلاب طويل كما يقول المثل، والأدباء والكتاب والمبدعون عموما، مع قلتهم، فإنهم مصممون على أن لا يموتوا إلا في أرذل العمر حتى ينساهم الناس ويفقد وجودهم لمعانه·

يقال إنه مات مقتولا على يد إرهابي·

غير الموضوع رجاء، فالأيادي عديدة والموت واحد··· غير الموضوع، فالين اليباني في أوج ارتفاعه والمسجلات شغالة·

قال آخر لمن يقف معه:
أمات بالرصاص أم ذبحا؟
يقال إنه اختنق بالغاز· لم يكن أحد في المنزل ساعة موته·
المعلومات التي عندي تقول إنه مات خارج منزله·
المهم أنه مات والسلام، والأعمار بيد الله·
بينما كان اثنان ينسحبان خارج القاعة، ويتهامسان···
تقول ممرضة، صديقة لنا، إن الرصاصة سكنت رأسه وإن الطبيب الذي عاينه، رغم أنه أجبر على إعلان الوفاة، إلا أنه ظل يردد أن الموت الإكلينيكي لم يتحقق بعد· هددوه، إلى أن وقع على وثيقة الوفاة، إلا أنه ما أن انصرفوا حتى اقتحم القاعة التي ينطرح فيها الفقيد، فأخرج الرصاصة، خبأها في جيبه، ثم قدم بعض الأدوية له·

تقول، ظل الطبيب، مقتنعا بأن المرحوم حيّ وأنه لربما يسمع ما يقال حوله، ويدرك وضعيته، ولربما يفكر· فعندما يتوقف كامل الجسم، تعود إلى المخ طاقات لا حدود لها· لقد ظل الطبيب يتردد على القاعة وفي كل مرة يراجع النبض ويطيل في ذلك، وعندما اقتحمت الشرطة غرفة الإنعاش واستولت على الجثة، سمع عن الطبيب أنه قال: ستدفنونه حيا، فاصطحبوه معهم عنوة ولم يظهر بعد·

''إذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون'' أبرز المقرئ الآية، بل إنه كررها ثلاث مرات، في نبرة تهديد ووعيد، أكثر منها نبرة تلاوة على قراءة ورش ونافع·

متى قتل؟

الظاهر أنه ضرب اليوم مع الفجر· بعد أن اختفى منذ يومين، وقد أخبر أهله بموته أمس وطلب منهم الحضور للجنازة التي تتولى الدولة إقامتها، وعندما طلب أن يدفن في قريته، ردوا عليهم بعنف، بأنه سيدفن مع المكرمين في مقبرة المكرمين، فالبلد ليس فيه الكثير من أمثال هذه العبقريات·

ضرب تقول؟ المسألة رصاص إذن؟

''يجعل قال على من قال'' هناك قول آخر، يزعم أنه شك بمادة مجهولة وأن الطبيب اهتدى إلى معرفتها، وأنه عالجه بمضاد يأمل أنه سينقذه· ما تؤكده الممرضة أنها سمعت الطبيب يقول بعظمة لسانه ''ستدفنونه حيا'' وأنه، الطبيب، ما يزال في قبضتهم·

كنت أشعر بوجوده عند رأسي، الموت، بل إنني كنت أراه في شكل شخص يرتدي لباسا عسكريا، ويحتزم بعدة مسدسات وكلاشات وأربجيات وخناجر وسيوف وقنابل على مختلف الأحجام والأشكال وطائرات كذلك·

تمنيت أن أسأله، عما إذا كانت ساعتي قد حضرت فعلا، وأن المغادرة قد حانت ولا رجعة في ذلك، أم أنها لم تحن وأن المسألة بين البينين، وأنه سيظل هكذا عند رأسي مدججا، لربما ساعات ولربما أياما ولربما شهورا·

فهمت في بداية الأمر، أنه قال، إن هناك خطأ ما وأنه قام بمهمة لم يكلف بها· أتمنى أن تحل الإشكالية على خير، قلت في رأسي، وقد بدأت أحس ببعض الدفء يراود جسدي· مهما كان الأمر، فالموت لا يعني شيئا للكائن، ولولا الوجع الذي يحصل بسببه، لما فرقنا أبدا بين أن نكون هنا أو لا نكون· وإذا حدث وحصل الوجع، فالأحسن أن يموت المرء بأسرع ما يمكن· الوجع هو ما نخشاه من الموت· وما يحدث لي هو أشق أنواع الموت··· ذلك أنني هنا ولست هنا· هنا أسمع كل ما يقال حولي على بعد مئات الأمتار، بل إنني بمساعدة روحي التي تطوف بالمنطقة كلها، وتتأمل وجوه الحاضرين والحاضرات، أستطيع حتى قراءة ما في رؤوسهم·

توقف المقرئ عن التلاوة· أمر بذلك· طوى المصحف ووضعه في محفظة كانت معه، تحت الكلاشينكوف· حاول أن يخفي الكلاش قدر الإمكان، لكنني رأيتها وأستطيع حتى أن أعدد أرقامها·

اكتمل الجمع· حضر كل من أعلم بذلك من أهل الفكر والفن والثقافة، ومن الوزراء والوزيرات السابقين والسابقات، أكثر من ذلك، فإن رئيس حكومة سابقا، ما أن سمع الخبر في الإذاعة حتى تلفن يستعلم عن مكان انطلاق الموكب وموعده ومقبرة الدفن، ثم انطلق·

ظل يردد، كنت أتوقع ذلك، وأذكر أنني حذرته مرة منهم· ربما لا يحب، لكنه يستحق الاحترام· خصم عنود وشريف· انطلقت الطويوطا الخضراء، يحيط بي بعض الأقارب، ومعهم كاتب وأستاذ جامعي وصحفي كان يحبني وكان الوحيد الذي ذرف دموعا علي· تلي الطويوطا سيارة التلفزة، بكاميرتها الشغالة والمركزة على معاليه، ثم سيارة معاليه، والموكب الوزاري باختصار، وكان المقصد مقبرة المكرمين، أولئك الذين يشرفون الوطن الحبيب بشكل أو بآخر·

- شيوعي كلب، لولا الظروف، لما مشى في جنازته، حتى أقرب الناس إليه·
كتاباته تافهة ومعظمها سرقه من الكتاب الروس والبلغار والغربيين بصفة عامة·
- أنا واثق من أن أمثال هؤلاء يكتب لهم أسيادهم، وهم لا يفعلون سوى وضع أسمائهم·
- أما الترجمة فحدث ولا حرج· لا تستطيع أن تكون كاتبا مقروءا في لغة أخرى، حتى وإن كانت لغة قبيلة بالوبا إلا إذا كنت حمارا أحمر·
- معك حق·
- إسلاموي كلب· لقد كتب يدافع عنهم ويدعو إلى غض الطرف عنهم والسماح لهم بالوصول إلى السلطة·
- هكذا إذن·
- وأكثر، الوحيد الذي فلت من الموت على أيديهم، لو لم يكن من قادتهم، وهو الذي يأمر وينهي، يأمر بقتل ذا وتجاوز ذاك··· راسبوتين خبيث، ما عرفت البلاد مثله·
- لكن ها هم قد قتلوه أخيرا·
- من يدري؟ فالكلاب شعوبا وقبائل، تيارات وعصابات وأرهاط، ومن يدري فقد يكون على علاقة بمافيا ما ومات على يدها، لربما ولربما· أمثال هذا الرهط تجوز فيهم، ربما، بكثرة·
- لربما·
- هل قرأ ت له شيئا؟
- أعوذ بالله· أقرأ لهذا الملحد الداعر· أقسمت أن لا يدخل كتاب له بيتي· لن ألوث مكتبتي بأفكار هذا الرجل· لن أجعل أولادي وبناتي عرضة لأفكاره السامة·
- لكن كيف تحكم عليه؟
- سيماهم في وجوههم يا رجل· تكفي عناوينه لوضعه في الخانة التي يستحقها· المزبلة·
- لكن الناس يحبونه·
- الرعاع يحبون حتى الرهج· خالف تعرف·
- والله· ثم والله العلي العظيم، لولا أن الوزير شخصيا ترجاني أمس أن أتولى تأبين الرجل لما جئت ولما حضرت ولما مشيت في جنازة هذا الكلب·
- تؤبنه·
- نعم وللضرورة أحكام·
- يا أخي كما قلت لك، في القصر، الخيط الوحيد الموصل لموت الرجل، بعد الطبيب المختطف، الممرضة، وإنني لأخشى أن تختطف بدورها إذا ما استمر لسانها في اللوك· الموت في هذا الزمان لا يعني سوى الغياب ثم النسيان· كم يغيب الناس وكم ننسى بسرعة·
- هل أعددت التصريح الذي ينتظره الصحافيون· سأل معالي الوزير الأمين العام، فبادرت مديرة الديوان:
- التصريح عندي، إنما أردت أن اسأل معاليكم، هل نوزعه مكتوبا أم تقرؤه أم تقول فحواه لا غير· أرى يا معاليكم، كما يرى السيد الأمين العام، أن تقول كلمات أمام الكاميرا وينتهي الأمر·
- طبعا بعد الصلاة والتأبين والدفن· أضاف الكاتب العام·

ساد الصمت قليلا، ثم بادر معاليه:

- لربما يحضر الكبير· لربما يحضر الأكبر منه، فالمناسبة، كما نرى مهمة، وقد عكر الأمر، حضور رئيس الحكومة الأسبق البغل هذا·
- هذا الرجل لا نفهمه· لا ندري مع من هو· ليس بطيخا وليس خيارا ولا فقوسا· ليس شيوعيا، ولكن يردد نظرياتهم في التطبيقات الاقتصادية، كاد يخرب البلد لو لم يطرد شر طردة· لم ينضم للجنة إنقاذ الجمهورية ومع ذلك لم يعلن تأييده للكلاب·
- لا هو طين ولا هو فخار··· ما الذي أحضره، لو لم يكن ذلك تشويشا على الحكومة، وإيحاءا للناس، بأن جزءا مهما من هذا الكاتب الحقير لا يعني الحكومة، ولربما يريد بهذا الحضور المتطفل أن يقول للناس كلاما آخر·
- أعتقد أن هذا هو الهدف الحقيقي، فهؤلاء الناس لا يتحركون فرادى ولا بشكل غير منظم·
- كيف استطاع هذا المعتوه أن يكون رئيس حكومة؟ إنه زمن الرداءة فعلا·

أضاف معاليه، وكان قد نسي تمام النسيان أن من عينه وزيرا هو هذا الذي يتحدث عنه بهذه الصفة، وبالتأكيد لو ذكره أحدهم بهذه الحقيقة لقال بأنه استنجد به، ولولا استحقاقه وأهميته لما بقي بعد ذهابه هو·

ثم إن الفارس من ركب اليوم، كما تقول العرب·

كنت أحس بالدفء يعتري جسدي، كلما اقتربنا من مقبرة المكرمين، رغم الطقس البارد الذي كان سائدا، حتى أن أحدهم علق قائلا: نهار مثل اليوم، لا يموت فيه إلا اليهودي· سنبتل في المقبرة، بل إن فرصة التسليم والتقديم والتعرف، تكون محدودة جدا جدا·

مزعج حيا وميتا·

غير أنه ما إن بلغنا المقبرة، حتى بزغت الشمس، فتنفس الجميع الصعداء وانهالوا على بعضهم يسلمون بحرارة، ويضربون أكتاف وظهور بعضهم ضربات خفيفة لطيفة، حتى أولئك الذين كانوا بالأمس مع بعضهم، كأنما اليوم يوم عيد·

حضر أقوام آخرون لا أعرفهم، وقفوا جانبا، مبتعدين عن المحفل الرسمي، بعضهم بلحى سنية وبعضهم الآخر بلحى غيفارية، بعضهم يتجلبب بقمصان طويلة مختلفة الألوان، وبعضهم يرتدي سراويل جين وقمصانا زرقاء، بل إن بعضهم تجرأ ووضع ربطة عنق حمراء في عنقه، في حين وضع بعضهم قبعات حمراء على رؤوسهم· كان تحديا صارخا من هؤلاء وهؤلا·

اقتربت منهم· كانوا يترحمون علي، وكانوا كلهم مجمعين في سرهم وعلانيتهم، على أن قتلتي هم هؤلاء الذين جاءوا يشيعون جثماني، ويدفنون معي كل تحد وكل إصداح بالحقائق ولو أن الدنيا دنيا، لألقي القبض على جميعهم، بما في ذلك هؤلاء السدنة البارعين في تقبيل خدود أسيادهم، والله لو استيقظ المسكين لأشار بإصبعه إليهم هاتفا: ''أيها القتلة، إليكم عني''·

الكبير لا يأتي، ولا الأكبر، لقد تسربت معلومات تفيد بأن مجموعة من الرعاع المشوشين، استبقوا إلى المقبرة لتدبير مظاهرة· ها هي طلائعهم·

جاءت البرقية الشفوية لمصالح الأمن، فتنفس معاليه الصعداء والتفت إلى مديرة الديوان يسأل عن طقم التلفزة وهل أنهى مهمته في التقاط الاستجوابات والشهادات حول المرحوم، فطأطأت رأسها بتأن بالغ أن نعم معاليكم والأمور على ما يرام، فكونوا مطمئنين·

شملني دفء عام، وأحسست أن عروقي تتدفق دما وأن قلبي يخفق·

لا شك أن دواء الطبيب المسكين فعل فعله·

قلت وهممت أن أنهض، غير أني استسلمت لغفوة لذيذة، لا هي بنوم ولا هي بدوخة، سرحت فيها روحي، كأنها فراشة، مع مخلوقات لطيفة في رقة النشوة التي تبعثها رائحة عطر خفيف لا يدري المرء أيأتيه شمالا أم يمينا·

هذه جبال هملايا بقممها وروابيها، بثلوجها وبأوديتها، هذه بحيرات إفريقيا، بكل كائناتها وأعشابها، هذه جبال الآلب بثلوجها وبصخورها الجرداء· هذه زهور ونباتات ما رأيت مثلها· هذا المريخ وهذه الزهراء وهذا عطارد·

واحدا من تلكم المخلوقات، كنت· بل أحيانا أندمج فيها وتندمج في، فأكونها جميعها مع إحساسي بأنها معي تأخذ بيدي وتثب مرددة:''نحن بناتك··· نحن أفكارك··· نحن رؤاك··· نحن المحبة والخير··· نحن البقاء، الصفة التي وهبك الله كي تبلغ رسالتك·

نحن الماضي ··· نحن الحاضر ··· نحن الأزمنة التي ستتعاقب ··· وجدك يتيما فآوى· وجدك عائلا فأغنى· وجدك ضالا فهدى··· حباك فأعطاك··· يذهبون فتبقى''·

واحدة منهن التصقت بي· وضعت كفيها اللطيفتين على خدي وجذبتني نحوها كأنما ستقبلني، فاعترتني قشعريرة، وتأهبت لاحتضانها· ''أنا زوجتك الأبدية''·

''كان رحمه الله···''

ظل مؤبني يلوك فعل كان، ويستنجد بكل العبارات البليغة التي لا تعترض مع النشرة الخبرية والصفحة الخاصة التي ستعد بهذه المناسبة الأليمة·

''إنه يتحرك''!· همس أحدهم في أذن صاحبه، فركز الإثنان نظريهما حولي·

''انظر إلى وسطه· شيء ما يتحرك هناك· هناك تحت السرة''·

اقتربت زوجتي الأبدية مني أكثر· أثارتني، الحق أقول· أحيت في كل العروق·

كثر الهمس، بينما مؤبني مغمض العينين، متجاهلا للورقات التي دبجها البارحة·

''كان رحمه الله··· الله أكبر· الله أكبر''·

هتف الناس عندما امتدت يداي ··· أحتضن زوجتي الأبدية وأحتويها·

ومشوا هاربين ··· مشوا هاربين، بما فيهم قتلتي ومؤبني·



شنوة: شاطئ بن حسين أوت 2002

هذا النص

ملف
الطاهر وطار
المشاهدات
364
آخر تحديث

نصوص في : قصة قصيرة

أعلى