أمل الكردفاني- المُثُل ككذبة أبريل...وتحالف الثروة والسلطة كحقيقة

اننا في عصر الهشاشة، الفاست فود، الفقاعات السياسية والفرقعات الإعلامية، الصراخ اللحظي، الدهشة المنطفئة بسرعة..هكذا خلقت الرأسمالية منظومتها وأحاطتها بسياج فولاذي. لقد قررت الرأسمالية السيطرة على الإنسان وتوجيهه نحو السلعة، بدلاً عن توجيه السلعة إليه. لم يعد هناك عرض وطلب للسلع، بل هناك جذب وسيطرة، وتشتيت للانتباه، وبالتالي دفعك كمستهلك للشراء. دفعك لشراء معقمات، وكمامات وودفعك لأن تكون نظيفاً بالقوة، حساساً تجاه التقارب الجسدي، تجاه لمسك للأشياء، وهكذا عزلك عن تاريخك البشري كحيوان يتكامل مع الطبيعة ويتشارك مع الآخرين جزءا مستقطعا من ذاته لتكثيف شعوره بقيمة ما، وأيضاً، استطاع الانتصار الرأسمالي على التوجهات الاجتماعية، أن يبدأ في عزل الإنسان عن الرؤى الغيبية، وتفنيد حججها القديمة. فعلى النصر أن يستمر ويحقق أقصى درجات سيطرته المُحكمة على البشر.
إن العلوم نفسها لم تعد علوماً من أجل العلم، بل من أجل خدمة الرأسمالية، فالعلوم الطبيعية تخلق السلع، والعلوم الانسانية تخلق الإنسان، بمعنى أنها تحاول فهمه للسيطرة عليه ومن ثم توجيهه نحو السلعة بعد التأثير على عنصريه الأساسيين (الإدراك والإرادة). ومن هنا تتكامل العلوم جميعها لخدمة جههتين متحالفتين: (اصحاب الثروة وأصحاب السلطة)، للتأثير على إدراكك أي وعيك بالأشياء، وبالتالي فرضها كحقيقة، والتأثير على إرادتك وبالتالي توجيهها نحو تلك الحقيقة.
الإدراك هو الوعي والعلم بالأشياء كما هي، وهو وعي حدْسي في المقام الأول، كما نظَّرَ بيرجسون، فهو وعي لا يصل حد الإندماج في موضوعاته، وهنا تلعب القوى الكبرى في مساحة الحدْس، يمكنها مثلاً أن تشيطن الزواج المتعدد، فهي أولاً تلقي بمسؤولية الزواج على الرجل فالرجل متهم دائما بالزواج من أربع نساء، رغم أن النساء الأربع هن في الحقيقة المسؤولات عن قبولهن للزواج برجل واحد. ويستمر توجيه الإرادة، عبر اللعب في منطقة الحدْس البشري، تلك المنطقة الضبابية ليفرض حقائق خاصة، فزواج النساء الأربعة برجل جريمة، لكن ممارستهن للجنس مع رجل واحد بدون زواج مباح، رغم أن زواجهن يفضي لمنحهن حماية قانونية خلافاً لغيره. هذه هي منطقة اللعب الأساسية، إذ نادراً ما يلتفت الناس إلى أن الحقيقة المفروضة عليهم ليست بالتماسك الذي كانوا يظنونه.
لذلك فواقعنا اليوم ومستقبلنا لا تحدده الحقيقة، لأن الحقيقة نفسها مصنوعة، ومختلقة، ومركبة، ومنشأة، ومزينة، بحيث تفرض نفسها عليك. سيلعب علم التسويق الدور الأكبر، وكان لزاماً على تحالف (الثروة والسلطة) أن يمنح التسويق بيئة أقوى من بيئته التقليدية، فطرق مندوب مبيعات للبيوت وعرض السلعة أصبح وسيلة قديمة جداً. بل حتى عرض السلعة وانتظار المشتري أضحى غير فعال، وهكذا تم خلق الإنترنت لممارسة هدفه الأساسي والجوهري وهو التسويق، فهو بيئة مفتوحة وفوق هذا قابلة لتمدد.. إننا عندما أسمينا تجمع المهنيين بتجمع الوهميين، لم يكن ذلك من فراغ، بل لأنه جسم تم تسويقه خلال يومين فقط، بما ينافي منطق العلاقة بين الزمن والأشياء والوعي. تماما كرواية هاري بوتر، التي تم التسويق لها كالديموقراطية، وكالحلم الأمريكي، وكحرية التعبير، رغم أن أكثر العلماء يعرفون أن كل ما تم التسويق له ليس أكثر من أكذوبة كبرى. فتحالف (الثروة والسلطة) يصنع الأصنام، ويوجه إرادة الناس نحو عبادتها. الزخم الإعلامي الذي تعاقب مع الثورة لخلق اصنام خلال يوم أو يومين، هو اللعبة التي ستسيطر على العالم تماماً في المستقبل. سيتحول البشر لروبوتات يتم برمجتهم برمجة كاملة؛ بدءً من توجهاتهم الدينية، عاطفتهم، أسلوب لبسهم، ذائقة طعاممهم، الموسيقى التي يسمعونها،..الخ. في يوم واحد استطاعت أغنية بائسة أن تنال - عبر تسويق ضخم- مشاهدة سبعين مليون شخص على اليوتيوب..لتشكل هذه الأغنية الذائقة المطلوبة من الفئة المستهدفة. يقوم فيس بوك بسرقة معلومات الملايين من المشتركين، ومنحها لشركات تحليل البيانات، وبالتالي فهم كل مشترك، فهما شاملاً، وتوجيه العروض الإعلانية التي تتناسب معه، سواء كانت عروضاً تجارية أم سياسية أم ثقافية. أي؛ أن أي انتخابات قادمة في أي دولة، يمكن توجيهها نحو فوز مرشح ما أو حزب معين، أو حتى التشكيك في نزاهتها ولو كانت نزيهة.
هناك الآن عِلْمان ضخمان، أو فلنسمهما بروتوكلان تندرج تحتهما سائر العلوم، وهما علما التحكم cybernetic وعلم السيطرة control، وهما المحيط الشرير جداً والذي ستسبح فيه سائر العلوم الأخرى.
إن الجامعات الأمريكية على سبيل المثال، لا تترك شاردة إلا وحولتها لعلم، حتى السحر والسحر الأسود، لا تتم دراسته كتقهقر عن الحضارة، بل تتم دراسة عمقه الحضوري في الثقافات الأخرى لاستغلاله مستقبلاً للدعاية السياسية أو التجارية. فالجامعات لا تخلق مثقفين بل جنود. وهم جنود شرسون جداً، لأنهم يمتلكون ما هو أقوى من السلاح، إذ أن السلاح له هدف واحد وهو بث الخوف، أما أولئك فلديهم هدفان أساسيان، التحكم والسيطرة بالعقل (الوعي والإرادة)، فيمكن أن تقوم باكستان أثناء حربها مع الهند بوضع بقرة أمام كل جندي، وبالتالي تكسب الحرب بدون إطلاق رصاصة واحدة..وهذا ليس مثالاً خيالياً، فأثناء حرب الفراعنة، قام أعداؤهم بإطلاق القطط في ساحة المعركة، وهكذا انهزم الفراعنة لأنهم كانوا يعتقدون في قداسة القطط. لذلك يتم خلق الأصنام باستمرار، إذ أن خلقها هو في الواقع الحصول على قدرة على السيطرة الكُلية على من يعبدونها. توجيههم للدفاع عنها، أو قتلها وتحقيق صدمة لأتباعها ومن ثم انهزامهم المدوي بسرعة وبشكل مخزٍ كما حدث في العراق.
منذ أواخر عام ٢٠١٩، انحسر الإرهاب إنحساراً مشكوكاً فيه. بالرغم من أن الدول الإسلامية قامت بتحولات راديكالية في توجهاتها. فلننظر للمملكة السعودية، التي تحولت تحولات ضخمة من ناحية الانفتاح الثقافي، مع ذلك فكم عدد الهجمات الإرهابية التي حدثت فيها منذ ذلك الوقت؟ وكيف لو قارناها بما كان يحدث قبل إزاحة الوهابيين عن السلطة؟ لقد أنتهى دور الحركات الإسلامية الراديكالية، ويمكننا القول أن حقبة الحرب على الإرهاب التي اختلقتها الولايات المتحدة الأمريكية قد أوشكت على الانتهاء، وسيتم خلق عدو جديد وتوجه بشري عام نحو أطروحة جديدة كل الجدة، كمكافحة الحرب البايلوجية مثلاً، فكورونا التي تم تضخيمها إعلامياً رغم أن حوادث السير تقتل يومياً أعداداً أضخم بأضعاف لم تنل ذلك الاهتمام. السرطان الذي يقتل يوميا الملايين لم ينل ذات الإهتمام. ومليارات الدولارات التي انفقت على الكورونا في إجراءات صورية، كان بإمكانها لو وجهت لمراكز الأبحاث أن تقضي عليها، ولو تم انفاق هذه المليارات على مراكز ابحاث السرطان لتم القضاء على هذا المرض السخيف في بضعة أشهر...ولو تم دعم أنظمة المرور في العالم بالمال والتقنية والخطط، لتجنبنا يومياً مقتل عشرات الآلاف من البشر، في مقابل موت واحد أو اثنين جراء الكورونا..إن كل المعادلات غير منطقية، لمن يتجاهل البروباغاندا الإعلامية العالمية، ويحاول فهم واقعه ليستمد منه الحقيقة. لكن الحقيقة اليوم لم تعد هي حقيقة الأمس. فالحقيقة ليست هي التي تدركها انت، بل التي يجب أن تدركها انت. لقد فقدت الحقيقة عفويتها.
  • Like
التفاعلات: فائد البكري

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى