عبدالله البقالي - حين اصبحت جدا..

أحيانا تصب اللغة في حاجة إلى مخاض كي تولد. إذ في العمق المغلف بالإبهام، يستدعي الأمر شيئا ما يوقظ الحواس الباطنية، من اجل مد خيط يوصلها بالمخيلة التي تتحرك بتواز و تلقائية مع اللغة، التي تستقيم على نفس وتيرة الخيال، للحد الذي لا يعرف من يكون السباق لتلقف الافكار و الصور. و من يكون الخلاق و العاكس للصدى.
منذ زمن و انا اتحرك في هذه البركة نفسها. عنصر ما من آلية الكتابة يمتنع عن الارتفاع للمدار الذي يبيح تشغيل الدواليب و استقبال الأفكار. لكن رغبتي في الاحتفاء باللحظة ملحة. اتغاضى عن هذا التمرد. و احاول ان اصل للغاية بكيفية مختلفة، تاركا أمر التلقائية و التفاعل جانبا. احاول تشخيص الوضع كامر تقني لا يتطلب خيالا و لا توقد حواسا.
أنا ملفوف بحمرة الغروب. لا يمكنني ان أنظر للخلف. ليس لأن كل المساحات مكتشفة، و إنما لأن أشعة الشمس التي تصلني أفقية، تزيد من ضعف بصري. ثم لأن الجانب الأهم المتبقى من رحلة العمر، كامن في ذلك المدى البعيد الذي يقع غربا. و لا أعرف ما إن كان المتبقى من العمر، سيسعفني يوما من أجل البلوغ إليه. و لذلك، فالذي أنظر إليه كحقيقة، هو أن وطيس و اوار العمر قد تركته خلفي. و أني الان على عتبة المواسم الباردة.
كانت هذه هي كل الحقيقة قبل أن تعمد الحياة إلى إحداث تصويب في تفكيري، عن حجمها الذي استصغره تفكيري. و قد تطوعت لإفهامي أنها لم تبدأ معي. و لن تنتهي بنهايتي. و اني لست أكثر من مجرد نسخة تكررت الاف المرات قبلي، و ستتكرر ملايين المرات بعدي. و أن الخلود بالفهم الذي حلم به كل العابرين لربوعها، لن يكون في وسعها حتى هي نفسها تحقيقه ، و هي بتلك القدرة الخارقة المدهشة على الانحصار و الانفلات من مخالب العدم. مقدرة تجعل كل الكائنات مجرد أداة من ادواتها التي تؤهلها لبناء موقعها داخل حوار الفناء و الخلود.
أدرك اني عالق في أوحال العدم. و يعز علي ان اكون بكل الذي اعتقدته ةعن نفسي . و بكل الذي مثلته كعاشق للحياة ، مجرد حلم كاذب، ألوانه و خفقه و احتفاؤه و عشقه مجرد وهم فضحته قرائن الحقيقة.
أبحث عن طوق نجاة. عن منفذ يوسع المدى الذي اجد نفسي محاصرة داخله. أعي أخيرا ماذا يعني أن اصبح جدا.
كانت الحياة بالنسبة لي هي اللحظات التي اعيشها. أشم انفاسها بأنفي انا. المس ذخائرها بيدي انا. كل شئ فيها لم تره عيني ، و لم تلتقطه اذناي لامعنى له و لا قيمة و لا وجود له. لكن في اللحظة التي تفهمك الحياة أنك في رحابها لم تكن اكثر من مجرد ضيف، تصبج كمسافر في حافلة مكتظة. و حين بلغ محطة المغادرة، يبحث من بين الركاب عمن يهديه مقعده. وكانه يبحث عن ترك بصمته و تأثيره على الرحلة حتى وهو خارجها.
هل نهجت نفس نهج الحياة في محاورتها للفناء؟ اعتقد اني فعلت ذلك. و أني فتحت لوجودي جسرا للسير قدما إلى جوار الصيرورة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى