– إبراهيم محمود - من كتاب أوهام الحشْر المضروب

أمم، شعوب، بالجملة، وإن كانت على مضض، تعيش هول الحشْر المضروب عليها، في وهم اسمه كورونا، في مستجد عربيد لا يقاوَم اسمه كورونا، في متربص بكل تجمُّع، أو حركة في الساحة، في الحديقة، في الشارع، في مركز التبضع، في الهواء الطلْق، في الطبيعة خارجاً، اسمه كورونا، في قابض أرواح بالتسلسل غير مسبوق اسمه كورونا، في منقذ لأرواح مصطفاة عاشت هول سقوطها، وفي اللحظات الأخيرة من شماتتها بالملايين، وبالحياة، وخالق السموات والأرض، وما بين النفْس والنفس، بين كل زوجين بشريين إجمالاً اسمه كورونا.
***
أمم، شعوب، تُحشَر، أو تقسَّم، وهي تحشَر طبعاً، بما يتناسب وملذات أهل الحل والعقد في بلاد بلادات موجَّهة، بلاد لم تكن بلاداً، تطلق نوافذ أوهامها في الهواء المخنوق والمريب، تفتَّت بما يتناسب والمقاييس التي تقطّرها في قوتها، في هيبتها، في أصل وجودها، لتصفَّى هباء موعوداً، فلا تبقى أمم، لا تبقى شعوب، في هذا الحشِر المنتظَر بالتأكيد، لأيد عبثت مذ وجِدت بقوانين كونية، قوانين حياتية، قوانين خلْقية، قوانين يُمضى عليها في وضح النهار، وباسم ظلمات مبارَكة، وعزلات مباركة، وغيابات هي تغييبات مباركة، قوانين يكال لها المديح من ذوي المدْح المعلومين، لنعيش في عهدة اصطفاءات مقدَّرة، باسم قوانين لا تناقش محروسة .
***
خليك بالبيت، حرصاً على سلامتك!
هي الجملة السحرية الغاية في الإيجاز، الغاية في العنف المحتَسَب، الغاية في التقانة السلطوية، الغاية في الإشهار لنفوذ سلطوي اُنتظِر طويلاً، ليكشّر عن جبروته وآفة فيروسه المصنَّع، الغاية في التقزيم والتلغيم والتهشيم لأمم وشعوب، لم تعد شعوباً وأمماً، وقد مورس فيها التجزيء الصناعي أو المحسوب ميكروسكوبياً، وقد وجّهت إلى عُلَب مقدَّرة تُسمى بيوتاً، ودائماً باسم السلامة، إلى أجل غير مسمى، الغاية في الإهانة، وهي منزوعة الاسم والصفة حصراً، لتعيش تحت وطأة الفيروس المعلَن عنه، وعبر أكثر من متابعة ليلية، نهارية، سرّية وعلنية، والإجهاز عليها، في فلتة مراقبة، ودائماً باسم قانون مرسوم، أو مرسوم قانون مدفوع الأجر، لمن يعرّفون بأنفسهم في لحظة لا أفق لها، لا عمق لها، في حشْر جماعي لم يعد جماعياً.
***
أمم، شعوب، أفقِرت علانية، ومعروضة لإبادات سريرية، أو صمتية في زوايا البيت، فرادى، أو دون فرادى، موهوبة لواهبي الحياة والموت، تكنوقراطيين على أعلى مستوى، مرشدون إلى حياة هي الموت واقعاً، وإلى موت لا أكثر ذلاً وإذلالاً منه، ما أن يصبح أي كان فريسة الفيروس الوهمي والمركَّب في مخابر القيّمين على حياة شعوب وأمم، فلا يعود يُسأل عنه، ممنوع هو السؤال عنه، ليصبح في عهدة من لديهم حرية التصرف بجسمه، وإن مات فلا سؤال عنه، وتلك لحظة المتعة الكبرى، لمن يعيشون سادية الإيقاع بالجماهير، وقد أدخِلت في بلوكات مجمدة، وذرّرت دون حساب، وتحاسَب حتى على مرضها، في تكاليف مخادعة من عل ٍ .
***
أمم، شعوب، في جهات من الأرض محسوبة بكل صغائر أمورها، تعيش خارج خريطة الحياة المعلَن عنها أوصافاً سحرية في كتاب غير متاح النظرَ فيه، كتاب من يشرفون على الحياة والموت، وهم قلة مرهوبة الجانب، أو زكّيت لتكون مرهوبة الجانب، وهي تضع خريطة شعوبها، وأممها على طاولة: احسبْها كما تشاء، واضربها كما تشاء، وأجّل حشرها كما تشاء، وقل لها ما تشاء وكما تشاء، وأنزِل فيها العقوبة المقدَّرة كما تشاء في طقوس الحجْر الصحي .
***
أمم، شعوب ميتة، أو شبه ميتة أصلاً، وقد سحِب منها إكسير حياتها الفعلية، نُزِعت عنها بلازما حياتها المطلوبة، وأودِعت، ودائماً باسم الحرص على سلامتها، في أجساد يراد لها ألا تموت، يُراد لها أن تكون فوق عضة الفيروس المزعوم كورونا، أو مباغتة مداهمته للجسم المقدَّر للموت، وقد شُرّحت أساساً مذ سمّيت شعوباً أو أمماً، ومذ أعلِن عنها جماهير تحشَر في ساحات عامة، ليسهل التحكم فيها، أو في شوارع ليسهل النيل منها، إذا خوَّلت لها نفسها التنفس بمقياس الصحة النموذجية، والدفع بها إلى حيث يجب عليها أن تكون، وهي ألا تكون، في ظل من يكونوا أولاً وأخيراً، وفي عهدة من يظهرون للملأ خارجاً، في لقطات ترشح موتاً موجهاً.
***
أمم ، شعوب ، أو هكذا سمّيت، وهي في المنبت الدستوري السلطوي الجاري رعاع، دهماء، شذّاذ آفاق، مكمومة الأرواح، ملجومة الأنفس، بمقادير ممدوحة من أهل التقوى والكرَم والرؤيا والشفافية القانصة، تعيش لتأكل ما يبقيها في الحياة، لحساب من يعيشون ليحيوا حياة خارج أي نظام مراقبة، حياة محروسة، حياة ضاربة ضارية، توجه الشعوب، الأمم بيادق، في المكان والزمان، وتستخرج في كل آونة وجهة، قانوناً يزيد في تفكيكها، ولحمة القيّمين عليها قوة. لحمة لم تكن إلا حصاد هذا الضبط لشعوب وأمم، ضخّمت، وعظّمت، ليُتمكَّن منها بسهولة أكبر.
***
شعوب، أمم، محشورة، في بيوتها، ودائماً باسم سلامتها، أعني، لتكون أقدر على منْح المتنفذين فيها قوى غير منتظرة، ترتد إليها وهي في هزالها القاعدي، وهي في بؤسها المعرَّى، والموسوم بالكفاحية والجهادية، ضمان أمن ِ سلامة من يزدادون سمنة وعتواً وخروجاً عن كونها آيلين إلى الفناء. أم تراهم حقاً، من نطفة الأمم أو الشعوب لتلك، وهم يعززون أنفسهم بسموات غير متاحة لسواهم، وأرض تنفجر ملذات غير معلَنة أبداً لسواهم، وحياة تصرّف لهم وليس لسواهم ؟
***
أمم، شعوب، لا مجال لها إلا أن تقتصد في أنفاسها،في طعامها، في شرابها، في رؤيتها لما حولها، لا مجال لها إلا أن تسمع، وأن تركع عند اللزوم، وأن تغلق عينيها عند اللزوم، وأن تخرس بمعايير خاصة، عند اللزوم، وأن تصمت كما يُطلَب منها، عند اللزوم، وأن تتوارى عن الأنظار عند اللزوم، وتنتظر التعليمات: الأوامر دائماً، تنتظر العقوبات المترتبة على أي خرْق للتعليمات، وأن تغلق أبوابها على نفسهال، أن تغلق شبابيكها على أنفاسها، وتنتظر التعليمات دائماً، وليس عليها إلا أن تلزِم نفسها بالمكان المرسوم لها: علبتها البيتية، وهي لا تملك من الطعام ما يبقيها حية، ليس لديها من ماء الشراب، ما يبقيها رطبة الأفواه، ليس لديها ماء الغسيل، لتغسل يديها بالطريقة المرسومة لها، ليس لديها فسحة التنفس، وقد أسلِمت إلى وهن مضطرد في كامل جسدها، لتكون شاهدة بطريقتها هذه على مدى فطنة أهل الحل والعقد، شاهدة شهيدة منزوعة الاسم، لا تعود تبصر نفسها في مقابر ذات شاهدات معلنة .
***
أمم، شعوب، جرى الكشف عنها، وهي محشورة في أشكال هندسية غاية في الصغر ومسهّلة على الاختناق، مرصودة من الجهات كافة، تُرى،ولا ترى، مثبتة على كره في نقاط معدومة الحيلة والوسلة داخل بيوت لم تعد بيوتاً، وهي ليست ليست بيوتاً أصلاً، إنما توائم معتقلات من نوع آخر، مميتة من نوع آخر، وقابضة حيوات من نوع آخر. وأن تدبّرأمرها، وهي في صحراء بيوتها، يعصف بها الجوع، يكتسحها العطش المقدَّر، يقضقضها الوهن والذل، وعليها أن تتحمل، وهي تسير من وهن إلى وهن، ليطلق أولو أمرها كلماتها في هواء العالم الأكبر، وفي المرئي والمسموع، أن شعوبها بخير، أن أممها بخير، وأنهم بخير، وكل موت بالجملة، لا يد لهم فيها، إنما هو أمر من الفيروس وقضاء مقدَّر منه، فيروس لا يسأل عن كيفية ولادته، وعن قابلته، أو أبويه أصلاً، لتضييع الأثر، وهم لا يدخرون جهداً في ممارسة المزيد من الضبط، حرصاً على سلامة شعوبهم وأممهم، وبما يتوافق وقواعد الصحة المرسومة .
***
أمم، شعوب، ولِدت باسم منتظريها ممن لا حياة لهم دونها، وكَبُرت من أجل منتظريها ممن لا إمكان حياة لهم دونها، وعلّمت، وثقّفَت، لصالح منتظريها ممن لا يمكنهم التمتع بالحياة ومعايشة ملذاتها دونها، وضُبِطت، ودجّنت، وجيّشت في وعيها، لحساب منتظريها ممن لا يمكنهم الشعور بالحياة، إلا وهم ينزِلون فيها عقاباً، ويسمونه ثواباً، وميتت قبل أن تموت، وتموت وهي ميْتة أصلاً، في سجلات منتظريها ممن يمكنهم الحياة بسادية محسوبة إلى أجل غير مسمى .
***
أمم، شعوب، لا أمم، لا شعوب، في زحمة الوهم العالمي الأكبر، في عهدة مخلّص حكومات، أنظمة، رؤوس مسطحة، أو مفلطحة، أو مسلحة بالوباء السلطوي أصلاً، أو مريحها في وضع غير مسبوق كهذا، لتجدد عقود طغيانها، من نوع آخر، ولتتفتق قريحة لجْمها لأممها وشعوبها، وهي ليست بشعوب ولا بأمم أصلاً، إنما ما يُسميها شعوباً وأمماً، لتوحي الرؤوس السالفة الذكر، أنها معنية بشعوب وأمم، وفي هيئات ومؤسسات، ووفق قوانين دقيقة، ودساتير صالحة، ليحلو لها التصرف بها، تميت متى تشاء، وتزيح من تشاء، وتذل من تشاء، وليكون فيروس كورونا الحل السحري الأنجع، لإقرار المزيد مما هو مميت، وإحكام السيطرة أكثر من ذي قبل على ملايينها المقدَّرة، وهي منزوعة الاسم واقعاً، والتباهي أمام أمم العالم الحية، أو شعوب العالم الحية، أنها أكثر جماهيرية، أكثر شعبية، أكثر إخلاصاً لموت شعوبها وأممها عملياً طبعاً .
***
أمم، شعوب، لم يعد لسياسييها من حضور وظهور خارجاً، لتجري المسرحية بمشاهدها بدقة، لم يعد يُرى قادتها، زعماؤها، إلا من وراء الزجاج المسلح، وفي غرف غاية في التقانة، لحماية أجسامهم المقدسة من كل مكروه فيروسي، وهي تتكلم بضع كلمات، داعية إلى وجوب التقيد بالتعليمات، مظهرة تقوى معهودة، ودون أي كلام آخر، عن كيفية تقييدها بالتعليمات، وهي مقيدة بالجوع والعطش، بالمعاناة، إزاء أطفال يبكون، وعائلات تتنحشرج جوعاً وألم حياة، لم يعد لظهور قادتها من أثر يستحق الذكر، كما هم في واقع أمرهم، وكما يمكنهم أن يكونوا بعيدين عن شعوبهم، عن أممهم، عن أي حرص على سلامتهم، معنيين أولاً وأخيراً، بكيفية إدامة حياتهم، والعيش بعيداً عن كل أذى، وهم في بلهنية العيش ومتعة رؤية مدنهم، خالية من أي حركة، كما يريدون، وكما لم يتوقعوه، وهم يطيلون في كيل المديح لفيروس كورونا ، وليس كما هو الحال في عالم شعوب وأمم، يتعايش قادتها وإياها، ويخالطونها، ويظهرون في كل آن وحين، ويعاينونها في كل آن وحين، ويخشون عليها في كل آن وحين...
***
أمم، شعوب، معرَّاة من كل قوة، أمم، شعوب هياكل مجوفة، أمم، شعوب، لا وجوه لها، جرّاء هذا القصاص الأبدي فيها، إلى ما لا نهاية له، لخطأ قاتل مرتكب، أو جرم شائن مقدر من قبل أولي أمرها، لتعيش مثل هذا التشتت والتفتت والتعرية من الداخل، وتنتقل من جوع إلى آخر، ومن ذل مرسوم إلى آخر، لا صوت لها، وهي ملجومة اللسان، أمم، شعوب، دون ثقافة تمنحها فرصة التعبير عمن تكون ، وقد اُحتكِر فيها كل شيء، لصالح القابضين على أنفاسها .
أمم، شعوب، نعيشها، أو نراها، أو نعاينها، أو نكابد أوجاعها، وهي لا تحصى حسابياً، أو نتحرى طرق ميتاتها المصنَّعة، وهي غاية في التنويع والتعددية هنا، أونقيّد ألوان أوجاعها، وهي بدورها تتناسب طرداً مع حرمانات من حقوق غاية في البساطة والمطالب المشروعة المهدورة في ساعتها، وأشكال عذاباتها الصامتة والصائتة، وهي تتضور ذلاً ومهانة، أمم دون ثقافة ترفع من شأن صوتها، وتضيء ساحة وجهها، أو ثقافة معطاة لتعطيل كل فورة ثفافية فيها، لئلا تُرى في الحالة هذه على هيئتها، وتسمى كما هي حقيقتها، وينظَر إليها من قبل الذين لا يرونها إلا محشورة في بيوت، أو عُلب بيوت ، أمم شعوب، تنتظر موتها، تنتظر زوالها، وهي تعيش رجاء هذه اللحظة، ليعيش القيمون عليها موتهم الزؤام تالياً، حين يجدون أنفسهم في عراء أنفسهم، وفي مواجهة موتهم الذي لا مهرب منه، ودون قبر، وفي صمت مريع فظيع .

هذا النص

ملف
إبراهيم محمود
المشاهدات
100
آخر تحديث

نصوص في : مقالة

أعلى