عبد الغني أبو العزم - ظلال البيت القديم واللوحة التي لم تكتمل بعد

عبد الغني أبو العزم.jpg

الإهـداء : إلى الصديـق القاص أحمد بوزفـور
للذكرى، ذكرى أيام رعب وعسف
ورياح عاصفة من أيـام الصحراء.
ترددت وصيته مثل الصدى وهو ينطقها، وتراءت لي صورته الشاحبة في اللحظة التي كان يحتضر، مشيرا إلى الأفق، مازلت أتذكر كيف علق عينيه في فضاء الغرفة وحدق بإمعان... كان واضحا أنه يتذكر، يسترجع الزمن الخائب الذي لوح به بعيدا عن الأرض والأهل، لقد أحسست وهو يقبض - بيده التي تسري فيها حرارة الموت - على يدي الممتدة نحوه أنه يود أن ينقل عبر آخر نبض يجري في عروقها كل أحاسيسه المحبطة، وفي اللحظة التي شَعَر فيها أن رحيله قد اقترب، ولم يعد بعد إلى مسالك المدينة القديمة التي اكتسحها الأشرار، يوم غادرها وهو يحملني رضيعا، ومن ورائه أمي وإخوتي، والأقارب، والطفل الجريح الذي تخلف عن السير عندما سقط في حفرة، ولم ينتبه إليه كل النازحين وهم يلهثون ويتقاذفون تحت العسف وأزيز الرصاص، عاد ليحدق في وهو يردد :
- لا تنس أرضك، والمدينة القديمة القابعة في خلد التاريخ التي نشأتُ فيها وولدتَ بها، عد إلى بيتنا القديم، واترك هذه الديار التي تعبت من إيوائنا.
وقبل أن يلفظ آخر كلماته، أخرج من تحت المخدة مفتاحا يعلوه الصدأ، وأشار إلي بقوله :
- هذا هو المفتاح، مفتاح الخير، وعربون الإقامة الدائمة، مفتاح بيت أبيك وأمك المرحومة، بيت آبائك، خبر إخوتك وأخواتك الذين تشتتوا في كل الديار، خبرهم أني أموت وأنا حزين، بالله كم كنت أود لو كانوا جميعا الآن أمامي، لأذكرهم، وإن كانوا ليسوا بحاجة للتذكير، ولكن لست أدري متى ستعودون ؟ الأيام، هذه الأيام تسير ثقيلة، يحاول الأوغاد تقييدها بالسلاسل والأوتاد ،، لكن، عد، عد، عد، عد، عد، عد، عد.
ظلت آخر كلماته، عد، عد، عد، عد. التي كان يلفظها رصاصا، وحجارة، وقذائف، تلازمني، وصرت أكررها وأعود إليها لأعيدها، وأحيانا أترنم بها، وأضيف إليها مقاطع شعرية تسكنني، وكأني بذلك أنفذ ما لم أنفذه بعد.
أخبرت إخوتي وأخواتي المشتتين في الديار بالنبأ، كان ألمهم شديدا وأنا أحدثهم عن اللحظات الأخيرة، وشوق الوالد لرؤيتهم، والوصية التي لم تنفذ بعد، وأظهرت المفتاح أمامهم وقلت :
- إنه الأمانة التي تركها بين أيدينا.
* * *
تشتتنا من جديد، ومازلت أنقل المفتاح في حلي وترحالي،، وكلما أخذت الفرشاة لأرسم لوحة من لوحاتي المبعثرة في المرسم، تتحول ألوانها مفاتيح، وحتى ظلالها تتشابك دوائر، وتصير مفاتيح، تطل على مشارف ومسالك المدينة التي لم يجف بعد دم الطفل الجريح الذي حدثني عنه والدي، ومازالت بساتين الزيتون والكروم تحيط بها.
قطعت مسافات طويلة لأقتحم كل الطرق المؤدية إلى الحي القديم في المدينة القديمة لكي أصل بيتنا القديم، ولأقف على مشارفه فوق الرابية، حيث إخوتي مازالوا يزرعون قنابل الأمل في ربوعها، وكل المسافات التي كنت أقطعها تبعدني بإجحاف عن البيت الذي نشأ فيه والدي، وقد ظل يحدثني عنه في الحضور والغياب، فأنا لا أذكر شيئا من ظلاله، ولا الأزقة المحيطة به التي كان يردد أسماءها عن ظهر قلب،، أتصور فقط بساتين الزيتون والكروم، والمعاصر التقليدية التي كان يشرف عليها وتمد كل القرى بالزيت.
لم أكن أحمل معي في ذاكرتي إلا الصور التي كنت أتخيلها وأرسمها في لوحاتي، أتخيل الشتاء أيام المطر، وضوء القمر في ليالي الصيف، وعطر أوراق الزيتون تنتشر في كل القرى البعيدة والقريبة، وقد صارت الآن مبعثرة تفصلها الأشواق والأسلاك، وجداول النهر الكبير، وقد تسرب إليه دم الطفل الجريح، ومازال دمه ينزف ولم يمت بعد، كبر كل أطفال جيلي، والطفل الجريح يعاند شيخوخة الزمن، يصارع الوحشة، يرفض البكاء، ودمه ينزف، ولم أعد أميز بين ماء النهر الكبير ودم الطفل الجريح.
عندما وقفت على مشارف المدينة القديمة في الضفة الأخرى، رأيت من بعيد البيت القديم ،، آه مازال قائما، قيل لي هنا أنهم هدموه ثماني وأربعين مرة، لكنه يعود لينبت مرات أخرى كما تنبت الفُطْر، رأيته بالكلمات الواصفة التي ما فتئ الوالد يصف بها جدرانه، وبابه، ونوافذه الْمُشَرَّبِيَّة، ولونه وغباره،،، آه مازال ينبض قائما في قلب الأزقة المحيطة به.
جلست فوق الرابية المطلة على بيتنا القديم، وبدأت أرسم، كان الوقت يطل من لحظة الغروب، هبت رياح عاصفة، تتخللها أصوات وأصوات منبعثة من زمن سحيق، تشق الفضاء، ويتردد صداها في البقاع القريبة والبعيدة،، وكانت هناك أيضا أصوات مخيفة، رهيبة مذعورة، تناديني أن أرحل، أن أبتعد،، إن هناك خطرا يهدد حياتي، أحسست بالرابية تهتز تحت أقدامي، توقفت عن الرسم لحظة لاستعيد أنفاسي، ساورني الخوف، وفكرت أن أعود أدراجي، إلا أن صوت والدي انفجر رعدا مدويا وغطى على كل الأصوات :
- تقدم، تقدم، عد، عد إلى بيتك القديم، لا تدع الخوف يدب بين أوصالك.
بدأت أسترجع دَوِيَّ الصوت الذي شق الفضاء، وقد جذبني المكان بكل هوله لاستغرق فيه، وكأني غارق في حلم بعيد عن الحقيقة، وعن موقعي فوق الرابية، وأنا أرسم بيتنا القديم، وأتحسس المفتاح الثقيل في جيب معطفي، في هذه اللحظة لم أعد أبالي بكل الأصوات الموبوءة التي تملأ سمعي.
كنت أمشي بأقدام عارية عندما بدأ الفجر يرسل خيوط ضوء واهية، سرعان ما بدت شفافة، وارتفعت شيئا فشيئا لتضيئ الهضاب والسهول والمرتفعات والتلال، آنذاك تأملت لوحتي التي لم يكتمل رسمها بعد، إلا أن ملامح جدران بيتنا القديم بدأت معالمه تظهر وتتضح أكثر، عدت لأتحسس المفتاح الثقيل في جيب معطفي، أحسست أنه يتحرك، يستعد لولوج قلب القفل ليفرغ كبته وإحباطاته، ويزيل صدأه الذي عَلِق به منذ ثماني وأربعين سنة.
انفجرت الأشعة، واستيقظت النباتات، وارتفعت أكمامها وأوراقها، وانتصبت سيقانها، ولم تعد ترتجف كعادتي بها، الأقحوان بقُنابه المستديرة، وحراشفه المرصوصة الشفافة الأهداب، وأقراص زهره تتمايل مفعمة بالشذور، تتوسطها زهيرات صفراوات اللون، والبنفسج يفوح عطره من خلال أوراقه القُرْصيَّة، وأزهاره المتعددة الألوان، زرقاء وبيضاء وصفراء تملأ السهل، والزنابق بأوراقها القُرْصيَّة وسيقانها المستقيمة المورفة تقف منتصبة بأزهارها الفواحة، تعلوها تواشيح حمر قُمْزِية، مستغرقة في حديث ذي شجون مع السوسن في لحظة انبلاج زهرها، وهي تتهيأ لتنتصب بأقلامها القصيرة، وتمد ساكنيها بموادها الطبية، حيث تسكن جذاميرها متغطية بأزهارها الكبيرة بقدها وقديدها، بينهما النرجس يحدث نفسه في خَيَلاء، وشقائق النعمان غير آبهة بما حولها وهي تكتسح الحقول بألوانها الحمر… كنت مشدوها بما أرى، ولم تكن فرشاتي لتتوقف عن الرسم،، أرسم ما أرى مزهوا، ووجدت أن كل هذه الزهور أعرفها وتعرفني، وصارت مطواعة بين أناملي وأنا أعيد تجسيدها، وأنشرها على جنبات بيتنا القديم، وما يحيط به من بساتين.
أرسلت الشمس خيوطها المشعة، وانعكست على القبة الذهبية المتلألئة بزرقتها، يا الله! ماذا أرى ؟ إني أرى بيتنا القديم يقبع قريبا جدا من القبة الصامدة، كما كان يحدثني عنها والدي،،، إني أسمع صوته يعلو فوق كل الأصوات، وأسمع صوت أمي التي لم أرها قط في حياتي تردد أغنيتها الحزينة :
يا دار العز وينْ الأهل والنّادْ الكانو يَلطخونَ العِطْرَ والنّادْ
بكت عيني على النّوار والنَّادْ عندما صارت فُجوجِكْ عفا
يعود صوت أمي خافتا ثم يعلو، ترافقه غنة كئيبة، وسرعان ما بدت لي بكامل قامتها مرتدية فستانها المذيل - كما كان يحدثني عنه الوالد - بلونه الأسود، والزركشة المنقطة بالأحمر، تعلو صدريته، زركشة تسطع، تُكَلِّم زمنا سحيقا منذ ظهور الفجر الأول الشبيه بفجر هذا اليوم، وكما رأيته بازغا بضوئه الخافت إلى أن اشتد، وارتفع يضيئ كل الهضاب والسهول والمرتفعات والتلال.
تهيئ أمي فطور الصباح بقهوته المرة، وتدق اللحم في المهراز الخشبي، وتعجن خبزها اليومي، ثم تنشر الغسيل، وتجلس فوق سطح بيتنا تتأمل القبة الذهبية، وتراقب المشاة العابرين، هابطين صاعدين، رأيت الحزن ساطعا من عينيها وهي تهدهدني وتقبلني، تكلمني وأنا أترنح بين ذراعيها، كنت أبكي دوما،،، كان أبي يقول لي وأنا يافع، إن بكائي وأنا صبي لم يكن عاديا،، وفي رأيه كان ينبئ عما ستطفح به الأيام القادمة من دورة زمنية حبلى بالتهجير والتشرد والمنافي، كان يعتبره إنذارا، لأن كل الصبيان كانوا يبكون بمرارة، ويردف والدي قائلا :
- لم نكن نفهم بكاءكم معشر الصبيان إلا عندما حلت الكارثة.
كل ما أراه، أراه كما كان يحدثني عنه والدي، غريب أمر هذه الرؤية، حتى الطفل الجريح مازال دمه ينزف، لم يغادر مكانه، ظل ملتصقا بتراب الأرض، ولم يكبر بعد، دمه يسقي النباتات وأشجار الكروم والزيتون، ينظر بعينين زائغتين، يقطر منهما السَّمْت، يعاند ذاكرة النسيان، صار النسيان يخافه، يهابه، وصار يذكِّر النسيان في كل حين.
أرى الضوء المكدس، يشع بين الأزقة، يتراكم أرضا وفضاء، أهاجر في الضوء، لأني أحمل معي هجرة الضوء، كان أبي يردد على مسامع كل أخواتي وإخوتي في الشتات :
- إذا نسيتم البيت القديم، فإن البيت القديم لن ينساكم.
ويسأل في خيلاء :
- أتعرفون لماذا ؟
ننظر إليه دون أن نجيب، يُطْرِق رأسه أرضا، ويسحب نفسا من نرجيلته، ويرشف جرعة من فنجان قهوته المرة، ويسرح بعيدا في انتظار أن نجيب، ويطول صمتنا ويقطعه قائلا :
- إن البيت القديم لن ينساكم لسبب بسيط، لأنه بني بصخر الضوء، وصارت ذاكرته ضوءا وصخرا.
لم يكن أبي فيلسوفا ولا حكيما، كان مجرد لاجئ مغترب في زمن مهترئ، لكنه ظل يسكن البيت القديم، كما ظل البيت القديم يسكنه، ولم تنقطع سكناهما يوما، كان ضوءا في اغترابه، وهو في كل اغترابه مقيم أبدا في البيت القديم، كان البيت القديم كما أراه الآن وراء الأسلاك الشائكة، والبنادق الخشبية تحملها أجساد ترتجف، ترتعد تهتز رعبا وخوفا وهلعا، تعيش كأنها لا تعيش، صار عيشها دمارا وقتلا، تريد أن تقتل الموت، والموت يقتلها، يقودها زيف التاريخ، يدفعها لتجتث الجذور من أصولها، وأنا فوق التل محاط بالزيتون، أرسم وأتحسس تحت ظلالها جذور الجذور، في شُعَب وخلايا الأرض، عميقة في أغوار أغوارها، تأبى أن تجتث، سأمكث طويلا مقيما في هذه الأرض، سأظل شوكة صغيرة في حلوق هؤلاء وأولئك، هذه وصية الاختيار.
ارتفعت شمس الظهيرة، ومازلت أراقب في صمت، القبة الذهبية فوق زرقة أجنحتها حيث ترتفع لامعة، وتحت ظلال الزيتونة الوارقة أمزج الألوان في بهاء، وتتحول من تلقاء نفسها معالم ومآثر ووجوها، وفجأة سمعت صوتا صافيا منبعثا خلف الأشجار، التفتت فإذا بي أرى الطفل الجريح يقترب مني، الطفل الذي كنت أراه بعيدا منتصبا يرمقني بنظراته البريئة، وقف يتأمل لوحتي التي لم تكتمل بعد، إلا أن معالمها صارت واضحة، وهالني أن أرى دمه ينزف، وهو غير مبال، وكأنه غير مصاب مما جعلني في حيرة من أمري، فخاطبته بعفوية بقولي :
- خذ بالك يا ولدي، إن دمك ينزف تعال، اقترب مني.
أخرجت خرقة من جيبي وأنا أتهيأ لأضمد جرحه، إلا أنه فاجأني بقهقهة عالية جدا وأردف قائلا :
- أترك دمي ينزف، لا تهتم بذلك، إنه دم الزمن الذي عاد بك إلى هذه الديار، دمي ينزف ليتجدد ليحيا، يتدفق هكذا، ليست لي قدرة على إيقاف نزيفه، هكذا أنا منذ ثماني وأربعين سنة.
لم استطع أن أخفي ذهولي وأنا أسمعه يقول : منذ ثماني وأربعين سنة، طفل صغير وعمره كذا سنوات، دمه ينزف وغير مبال، وعمره كذا سنوات، ويحدثني مثل رجل مجرب وعارف.
لاحظ الطفل الجريح ذهولي، وعدت لأتأكد من اللحظة التي أعيشها، أهي لحظة حلم؟ أم أني فعلا في حالة استيقاظ وبكامل وعي ؟ وسرعان ما أعادني إلى أجوائي التي أتحسس فيها وجودي بالفعل لا بالظن عندما سألني.
- أمازلت ترسم البيت القديم وما يحيط به من تلال وأشجار ؟
أجبته ناظرا إليه باستغراب، ودمه ينزف :
- أتعرف من كان يسكنه ؟
- أواه ساكنوه من دمي يا رجل.
- ماذا تقصد ؟
- ألا ترى هذا الدم الذي ينزف ؟
- ما علاقة ذلك بالبيت القديم ؟ أمازال البيت قائما ؟
- مازال قائما، وهذا الدم الذي تسألني عن نزيفه هو الذي جعله وسيجعله قائما.
- إذا مازال بيتنا القديم قائما.
- مازال قائما، مع أنهم هدموه ثماني وأربعين مرة، وفي كل مرة ينبت، يبني نفسه بنفسه، كما هو، دون تغيير، هو كما تركه أبوك يوم غادره مع كل أفراد الأسرة تحت نيران الرصاص، كنْتَ أنت آنذاك صبيا، لذلك لا تذكر شيئا، مع ذلك فإني أرى البيت القديم كما هو في لوحتك، إلا أنه مازال محاطا بالأسلاك الشائكة، والبنادق الخشبية التي لم تعد تخيف أحدا.
-كيف تذكر هذا وأنت طفل صغير ؟
تأملني باستخفاف، ولكي يخفف من دهشتي الواضحة عندما أردف قائلا :
- كان يوما رهيبا، سقط أبي وأمي وإخوتي تحت ركام البيت القديم الذي هدموه بقذائف، وجاءوا توا يدكونه دكا، كنت الوحيد الذي انسل من تحت الركام ودمي ينزف، حاولت آنذاك اللحاق بكم، فلحقتني رصاصة لم تكن طائشة، نزعتها من ذراعي وخبأتها في جيب سروالي، ومازلت أحتفظ بها، وحاولت السير، لكني تعثرت، سقطت في حفرة، واختبأت فيها، قضيت في هوتها أياما، وعدت من حيت أتيت يوم ذاك، إذ ظل دمي ينزف، وتوقف جسمي عن النمو، يقول عني الغرباء : إن قدري أن أبقى دون أهل، وأن أنفصل عن أصلي وجذري، ولكن ما يؤلمهم أن دمي يتجدد، ولا يريد أن يتوقف، إنه ينزف وينزف، وفي نزيفي يموتون يوميا خوفا ورعبا، وأنا أعيش يوميا في نزيفي، ومن ذلك الحين وأنا أستعصي على الكبر والْهَرم، أفهمت الآن لماذا أنا مازلت ذلك الطفل الذي كنته وما أزال؟ وأعتقد أني سأظل كذلك مادامت الأسلاك الشائكة تحيط بالبيت القديم تحوط به البنادق الخشبية.
عندما كان الطفل يتكلم، كان صوته يأتيني وكأنه صادر من بئر عميق، يتردد مع صداه، وكل ما كنت أسمعه كان يختلط في ذهني بما كان يرويه والدي في ليالي المخيم،،، وقد وجدت في كلامه تلك النكهة الصافية التي كنت أسمع عنها فقط، وأحببت أن يطول، وعلى أن أحفر في ذاكرته، بما يروج في خاطري، فلقد وجدت فيه ضالتي، وعسى أن يرافقني في هذا التل، ولكي أجْذِبه إلي، سألته :
- أتعرف لماذا جئت ؟
فأجابني بقوله :
- أنت جئت ولم تعد بعد.
أجبته :
- أعرف ذلك، ولكني أحْفِر طريق عودتي في المسالك وبين الحفر.
نظر إلي الطفل نظرة تضامن لم يعلن عنه، واستغرق في آن يتأمل لوحتي التي لم تكتمل بعد، واقترب منها قائلا :
- مازال البيت قائما كما يبدو في لوحتك.
أجبت بيقين :
- رسمته كما وصفه لي والدي، عندما كان يحدثني عنه، هل لك أن تخبرني عمن يسكنه الآن ؟
- رفع الطفل عينيه مستغربا سؤالي، فأحسست بالغباء، إلا أنه أجاب عنه بعفوية :
- قلت لك دكوه دكا، والغرباء الذين جاءوا يسكنوه من بلدان بعيدة متفرقة قيل إن بعضهم جاء يحمل جروحا وآلاما، جاءوا لينتقموا من أعدائهم في بيوتنا، وليقتسموا مع أهلنا خبزنا… الغرباء أعادوا بناءه فزلزلت الأرض زلزالها، وتهدم، فأعادوا بناءه، ثم تحطم فأعادوا بناءه، وهو الآن فوق بركان هائج، عاد كما كان أيام زمان، أسمع صراخهم الأهوج كل ليلة،، وفي كل ليلة يهرعون خارج البيت، يقتلون الأطفال والنساء والشيوخ، لم يعودوا ينامون ككل البشر،، صار يعتقدون أن البيت القديم يسكنه الجن، وقد صار فعلا مسكونا بالجن، بأهاليه وأصهاره وأقاربه، فهم في الليل والنهار يحدثون جلبة وضوضاء، ونسمع أحاديثهم وهتافاتهم، ولكن لا أحد يراهم، يتوهمون أنهم يجرعونني مرارة الحياة، وهم يتجرعون مرارة الموت كل ساعة.
لم أكن أستغرب ما يقوله الطفل، ولكن كنت أستغرب تطابق كلامه مع ما كان يحكيه والدي، وبدأت لحظات الاستغراب تتلاشى شيئا فشيئا عندما استمر في حديثه وأنا أسأله إن كان يتذكر شيئا عن الأهل، وأن يفصح أكثر عن سره، فأجاب قائلا :
- أنا لست أسطورة أو خرافة تحكى، أنا طفل لا يريد أن يكبر، أعاند زمني الخائب، أكلم الله في صلاتي تحت القبة الذهبية التي أرادوا هدمها، كل ما أتذكره أنهم حاولوا قتلي ثماني وأربعين مرة، كما قلت لك، وها أنا أحيا في قتلي، حقا إنهم قتلوا أبي وأمي وإخوتي وأخواتي، ولم أكن أفهم آنذاك أن قتلهم إياهم كان إحياء لي وسط كل البيوت المتفجرة والأطلال والقتلى، خرجت مذعورا من الحفرة التي سقطت فيها، وعدت من حيث أتيت، ولكن لم أعد إلى بيتنا القديم، طردوني، أرادوا نَفْيي فاستعصيت على النفي، أهلي لم تتغير عاداتهم، ولكن ملامح وجوههم تتغير، أصابها الشحوب، تغيرت السمات في الوجوه، قهوتهم صارت مرة مُرَّة مَرَّتين، مشوارهم صار رعبا، يعيشون اللحظة، ويفكرون في كل الذين رحلوا، يسمعون أخبارهم عبر المذياع من حين لآخر، يتعلقون بالأسماء، لا شيء أصعب من أن تسمع اسم من تحب ولا تراه، توالت الكوارث، وأصبحت الأيام تتشابه، بل غدت غير مرئية، خفية عن الأنظار، مزقنا اليوميات، قطعناها قطعا صغيرة، وذريناه في الفضاء.
صمت لحظة، ورأيته يغازل ضوءا متلألئا، ثم ابتسم، وسرعان ما استولت عليه كآبة يلفها وشاح أسود، وفي حلقه غصة، فأردف قائلا :
- في كل صباح، وفي كل ظهيرة، وفي كل مساء أحمل الأثقال، صرنا عبيدا في هذه الأرض الطيبة،،، اسمح لي الآن، لأتوقف عن الكلام، لقد حان وقت العودة، قبل أن يكتحل المساء بظلمته الكثيفة، ولأن الحراس الغرباء في الضفة الأخرى يفرضون علي أعود في جنح الظلام، ويمنعونني من الدخول إن أنا وصلت مع الفجر... شد حيلك، وكَمِّلْ رسم لوحتك، في انتظار أن تعود لبيتك القديم مع كل الطيور المهاجرة،،، حافظ على المفتاح .
أرسل الطفل الجريح دمعتين من عينيه وقال لي :
- إلى اللقاء، لست أدري متى ؟ غدا أو بعد غد، ومهما يطول الزمان، أعدك أني سأظل طفلا.
التفت الطفل الجريح جهة الشرق، متأملا الأفق لحظة الغروب، ثم عاد ليلتفت إلي مشيرا بيده، وأحسست وهو يشير بيده أني أتدفق بشوق عارم، وغارق في خزان من الأسئلة والكلمات والصور والذكريات، وبينما كان يبتعد ناديته ثم ناديته، ففهمت أنه لم تعد له رغبة في الكلام، وتوقفت عن النداء، وفجأة التفت وكأنه أحس بما في داخلي من هواجس وهو يواجه ظلام السيل قائلا :
- لا تغتم لحالي، لقد اعتدت على ما أنا فيه، وليست لي القدرة على وقف نزيفي، ففي نزيفي استمرار حياتي.
توالت خطوات الطفل وسط الظلام، إلا أنه وهو يمشي كان محفوفا بضوء كاشف ينبعث من جسده، يضيئ كل ما حواليه، وكنت أرى أحجارا مضيئة تتراقص دوائر ودوائر، وكان يلاعبها ويقفز وسطها، ويجري وينشد أناشيد في ترنم لم أتبين كلماتها إلا أنها كانت تهزني...
اختفى الطفل من أمامي، وبقيت مشدوها، ولأخفي شُداهي، عدت إلى لوحتي لأسكن في بيتها الذي رسمته،،، وقد مكثت في حُلْكة ظلمة المساء إلى أن برز ضوء القمر، فأضاء جنبات البيت القديم، وأخرجت المفتاح، وبينما أتهيأ لفتح الباب الرئيس، دوت أصوات هزت جدران الغرفة، فتحت عيني فإذا بي أرى كل العيون الحزينة التي كانت تنظر إلى وأنا مستلق على سريري،،، عيون أولادي الصغار والكبار، وزوجتي وأقاربي، أحسست لحظة الاحتضار، حدقت في عيونهم بإمعان، وفي فضاء الغرفة، كنت أسترجع الزمن الخائب الذي لوح بي بعيدا عن أرضي وأهلي،،، مددت يدي لأشد على كل الأيدي الممتدة نحوي، وتذكرت والدي، وتذكرت وصيته التي لم تنفذ بعد، يوم كنت وحيدا بجانبه، كان إخوتي وأخواتي في شتات الأرض، لم يكتب لهم أن يروه في آخر لحظاته، وهاهم جاءوا جميعا من شتاتهم لوداعي لأسلمهم المفتاح، كنت أرى في وجود كل هذه العيون المحيطة بي اليوم لحظة زهو مع فارق في الزمن، ورغم كآبة الموت، أموت مستريحا وأحمل معي رائحة العودة.
حَدَّقت في عيونهم جميعا، عيون تحمل غربة الليالي التي لم تنته بعد، كما كان والدي يحدق في عيني في لحظاته الأخيرة.
جمعت أنفاسي الأخيرة، حاولت أن ألفظ كلمات السر الأبوي، خانتني قواي، لم أعد قادراً على الكلام، وكل الكلام لم يعد كلاما.
* * *
أشار الأب المحتضر إلى أصغر أولاده ليناوله الفرشاة الملتصقة بجانب اللوحة، وأخذها بيد ترتعش، لكنها كانت صلبة وشرع يخط وصيته.
- لا تنسوا أرضكم والمدينة القديمة القابعة في خلد التاريخ التي نشأ فيها أجدادكم وولدوا فيها، عودوا إلى بيتكم القديم، واتركوا هذه الديار التي تعبت من إيوائنا.
وقبل أن يلفظ نفسه الأخير أخرج المفتاح وأردف قائلا :
هذا هو المفتاح، مفتاح الخير، مفتاح جدكم وجدتكم، بيت آبائكم، عودوا عودوا عودوا.
لقف المفتاح أصغر أبنائه، وظلت كلماته : عودوا عودوا عودوا تتردد على شفاهه كما لو كان يلفظ رصاصا، وحجارة، وقذائف.
الحالة
مغلق و غير مفتوح للمزيد من الردود.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
الحالة
مغلق و غير مفتوح للمزيد من الردود.
أعلى