احمد شحيمط - هل الإنسان مدني بطبعه ؟

الإنسان ذلك الكائن المجهول الذي يتوارى خلف ركام من الحقائق، يحمل خصائص ظاهرة وأخرى كامنة ، يتشكل من الوعي واللاوعي، ويحمل مجموعة من الصفات والسمات التي تستدعي التشخيص والتحليل باليات المناهج العلمية، ولا يتحدد الكائن الإنساني بهذه البساطة حتى نحكم عليه بالمدنية والتحضر بمجرد انتقاله من التوحش والهمجية إلى نزعة التأنس والتعايش، عندما تنازل هذا الإنسان عن الحرية المطلقة وحق القوة، ودخل في إطار الوحدة وأرسى قواعد المجتمع المدني. تدرج الإنسان من حالة الفوضى نحو حالة التمدن يعني إضفاء صفة المدنية على الوجود الإنساني لان الطبيعة الإنسانية ميالة للعيش المشترك، والإنسان بطبعه مدني كما في رأي أرسطو وابن خلدون، الخير هنا نتاج للطبيعة البشرية أما الشر فهو عرض ونتاج للمجتمع، وليس شرا متصلا في طبيعته. آليات التأويل والحفر في الفكر والنفاذ نحو اللاشعور والربط بين الأسباب والمسببات يكشف عن حدود الكائن البشري ونوازع الشر في طبيعته وأفعاله والتي تعود للخلفيات والدوافع الكامنة، والبعد الإيديولوجي في خطابه، والغرائز الهدامة في اندفاع الإنسان بدون كوابح ذاتية .
مكامن القوة في الفكر الفلسفي الجديد ونظريات العلوم الإنسانية نقد فكرة الإنسان الطيب، والإنسان الخير بطبعه، والفعال والصانع والمفكر، يعني نقد منطق التفكير الفلسفي القديم والكلاسيكي، والنزعة الإنسانية الخاصة بعصر النهضة والأنوار، انقلاب في تحليل وتأويل الإنسان في بعده النفسي والاجتماعي والثقافي، الإنسان المركب والمحدد بالحتميات والاكراهات، والكائن القابل أحيانا للتنميط جعلت منه الفلسفة القديمة والحديثة فاعلا وصانعا ومفكرا، إنسان الفضيلة، والكائن الذي لا يمكن أن يعيش إلا في قلب الجماعة، أرسطو عبقري الفكر اليوناني يعتبر الإنسان مدني بطبعه، وكائن اجتماعي وسياسي يعيش على التنظيم، ويسعى للتعاون مع الآخرين، والمجتمع البشري يتألف من الأفراد والجماعات، ومحدد بالأهداف والغايات، ومدنية الإنسان تعني حضور الجانب الأسمى من التحضر في السلوك، وأصل الاجتماع البشري مبني على ما هو طبيعي، وليس على ما هو صناعي كما يذهب لذلك السفسطائيون، في اعتبار الروابط مصطنعة، والقوانين حيلة من الضعفاء ضد الأقوياء، ولا وجود للعدالة لأن القوي لا يعترف بمنطق المساواة. يفند أرسطو هذه الأفكار والمواقف ويعيد الاعتبار للفرد والأسرة والمجتمع والدولة، وبالمقابل يعتبر طبيعة المدنية تأتي من وحدة الناس في إقامة كيان موحد، يكفل الحرية والعدالة للكل، وبالتالي إنسانية الإنسان تعني حاجة الناس لبعضهم البعض، وتبادل الخيرات المادية، وأصلح نظام سياسي من ينسجم وطبائع وصفات الناس في مجتمع معين، كما تُحدد هذه الطبائع من التقاليد والعادات والقيم السائدة، وأعلى الأنظمة الصالحة في تحقيق الوحدة بين الفرد والمجتمع، وتجسيد العدالة كإنصاف أي الأنظمة الممكنة في التدبير هي الملكية والارستقراطية والتيموقراطية .
فكرة مدنية الإنسان يعني التسليم بالاجتماع البشري الذي يبنى على ما هو طبيعي، اجتماع متأصل في الطبيعة البشرية، في الميل نحو الجماعة والعيش بأمان، الإنسان خير بطبعه، والطابع المدني عامل مساعد في تحقيق الدولة كإطار تنظم شؤون الناس وحياتهم، وترسخ فكرة المجتمع ككيان مادي في الفكر والواقع. الإنسان حسب الفيلسوف توماس هوبس ليس مدنيا بطبعه، ولا يمتلك كل صفات الخير والكمال، والالتزام بالقوانين الوضعية ليس إلا نتاجا لحاجة الناس للسلم والخوف على مصيرهم، وحرصا على ضمان الحق الطبيعي في العيش، رغبة الناس في إطار تنظيمي للحماية والأمن يعني وجود دولة قوية بحاكم شديد، يستمد المشروعية من تفويض الشعب له، ومن صلاحيات القوانين الممنوحة في العمل، وإقامة المؤسسات. ولذلك شيد توماس هوبس هذه الأفكار من خلال تشخيص حالة الطبيعة باعتبارها حرب الكل ضد الكل، ومن خلال مواصفات الإنسان في هذه الحالة، من الاندفاع والحذر والكبرياء والتنافس، حالة الحرب الأهلية وصراع القوى، والعنف المزمن الذي يحول الإنسان إلى وحش، ويصير الإنسان ذئبا لأخيه الإنسان، لا يؤمن جانبه في ظل هيمنة القوة وغياب القوانين الردعية، روسو اعتبر القضية فيها نوع من المبالغة في نقل الصفات السائدة في حالة الطبيعة إلى الإنسان في حالة التمدن، وتجريد الإنسان من طيبوبته، ومن ذلك السمو الروحي والوجداني الذي جناه من حالة الطبيعة باعتبارها اللحظة السعيدة في غياب قيود وسلاسل القوانين الوضعية، والانتقال بموجب عقد نحو حالة التمدن، يحدد فيه روسو مجموعة من المزايا والمكاسب. ويقصد روسو هنا صفات الإنسان الطبيعي أو الإنسان الأول قبل أن تصيبه الحضارة بمفاسدها وشرورها، وتختفي معالمه الأساسية من الطيبوبة والفطرة السليمة، وفساد الحضارة لا تعني أن الإنسان شرير لان الانسان في حالة الطبيعة كان خيرا بطبعه، يعيش اللحظة السعيدة التي تعني حياة البساطة والسعادة .
المدنية التي كان ينشدها روسو لم تتحقق بالمواصفات المنشودة في الحفاظ على الحرية والامتيازات التي كان يتمتع بها الإنسان من قبل، وليس الإنسان كما يصفه هوبس شريرا، بل بطبعه خيرا وطيبا، والأصل في الصراع بين الناس سببه حب التملك، ونوازع بعض الناس في السيطرة على ممتلكات الغير، من هنا كان لا بد من البحث عن ميثاق يضمن السلامة للبشر، ويصون الكرامة والحقوق، أما في الفلسفة السياسة عند ميكيافيلي، فالأمر هنا يختلف لأن التشخيص لا يبنى على دراسة فلسفية للطبيعة البشرية، لان الفكر النفعي محدد بالأهداف الواضحة والمعلنة، مهمة وضع الأمير أمام الواقع، نصائح من أجل السلطة وهيبة الدولة، طرائق مفيدة للأمير في الحفاظ على سلطانه، المدنية هنا لا قيمة لها في ظل الخوف المزمن بين الحاكم والمحكوم، وطبائع الناس وتقربهم للأمير تنم عن خوف الأمير من الدسائس التي تحاك ضده، وتحريض الناس عليه، وبالتالي ليست الطبيعة الإنسانية خيرة، وليست نوايا الأمير طيبة، إنها السياسة التي لا ترحم في ضرورة استعمال كل الأساليب والحيل لأجل استيعاب الآخر بالقوة والدهاء، من أولئك الذين يسعون في الالتفاف على السلطة، وانتزاعها من الأمير المهيمن والمتسلط. فلا يبالي ميكيافيلي بالطبيعة الخيرة للإنسان بل يدافع عن الأمير والدولة البورجوازية الحديثة، وعن وحدة ايطاليا المنقسمة لكيانات متنافرة ومتصارعة.
من حق الأمير الحذر من الآخر الذي يغلب عليه الشر أكثر من الخير، مواصفات الأمير واضحة بين الليونة والشدة، أن يكون الحاكم أسدا حتى يرهب الذئاب، وأن يكون ثعلبا حتى يجيد المراوغة والمكر والدهاء. يستعمل الأمير أساليب متنوعة، في تدبير أمور السياسية للحفاظ على السلطة والمُلك، يعني أن الإنسان ليس كما تصوره أرسطو في فلسفته السياسية من خلال علاقة متوازنة بين الحاكم والمحكوم، وفي قدرة هذا الإنسان الاجتماعي على بناء شروط للعيش بمواصفات معقولة، وشروط إنسانية مقبولة، في الطبيعة البشرية الإنسان ميال للخير بفضل ما يمتلك من ملكات كالعقل والنطق، والعيش في وسط الجماعة وتمثل العدالة كإنصاف. وبعيدا عن القراءة الفلسفية للطبيعة الإنسانية سلكت العلوم الإنسانية مسارات في الاعتراف بالإنسان ككائن اجتماعي، وما نلمسه في علم الاجتماع مع الرواد الاوئل من دوركايم وهربرت سبنسر وفيبر والمعاصرين، لأن وحدة المجتمع تقتضي التفاعل والانسجام بين الفرد والمجتمع ، وإضفاء الطابع المدني عليه، واعتباره وحدة نفسية وكيان ثقافي، والقول بالعدوانية مرده لكل العوامل المغذية للفكر والسلوك .

لا نستطيع تغيير المجتمع جذريا في قيمه لان المجتمع يوجد في أعماقنا، ومن طبيعة الناس العيش بانسجام، المجتمع الستاتيكي والمجتمع الدينامي عند دوركايم، وأشكال من المجتمعات التي تتقدم في مظاهر العيش وتحتفظ بالقيم الأخلاقية والمثل الاجتماعية، والمجتمع عند سبنسر بمثابة نسق مترابط الأجزاء أشبه بالجسد الإنساني في تناسق أعضائه وتباين وظائفه، وفي علم النفس مع سيغموند فرويد الإنسان ليس بالطبع خيرا بل فيه نوازع للشر والخير معا، دوافع الإنسان وغرائزه تؤدي أحيانا للعدوانية وأشكال من العنف والقوة في انفلات الغرائز من رقابة الأنا، وتكون هذه الدوافع لاشعورية، تعود بالدرجة الأولى للتربية وللمراحل الأولى من عمر الراشد التي تعتبر أساسية في كل نمو نفسي وجنسي، وهكذا حدد فرويد في الإنسان غريزتين: غريزة الموت والتدمير وغريزة الحياة، واختلال في الغريزتين يؤدي إلى تدمير الحضارة والقضاء على التعايش ونسف القيم، الوحش الذي يسكننا ويقبع في أعماقنا، يوجهنا ويحدد مسارنا نحو ارتكاب أفعال مشينة ولا إنسانية، عالمنا ليس بالمقاييس التي يحددها الفلاسفة في بناء نماذج مثالية ومعقولة، عالمنا تحركه قوى خفية ومصالح، وأهواء الجماعات والأفراد، ويزداد هذا العالم تعقيدا وصراعا على مناطق النفوذ وتأجيجا للعنف، ويندر بالحرب الشاملة. فالقرن العشرون الذي اعتبره البعض قرن الأزمات في حروب ضارية خلفت الكثير من الخسائر المادية والبشرية كان قرن تدمير وتجريب الأسلحة الفتاكة، وإظهار القوة النووية في الفتك، ومهما كانت الأسباب ، فالحروب كشفت عن الطبيعة العدوانية، وانفلات الفكر من أخلاق الضمير، وواجب الإنسان اتجاه الإنسانية، أما في القرن الحالي، فالحروب لن تكون عادية وأسبابها جمة في الاقتصادي والسياسي، حروب تغذيها مجموعة من الأسباب والعوامل موجودة في النظام العالمي، ودفاع الدول عن مصالحها الأحادية، وطموحات الإنسان في السيطرة على الجنس البشري.

مدنية الإنسان لا تعني الانتقال من البداوة إلى الحضارة، ومن حالة الطبيعة إلى حالة التمدن، ومن الأنظمة الشمولية إلى الأنظمة الديمقراطية، لان جدلية الصراع بين الخير والشر تبقى قائمة. في الفكر الفلسفي الحديث يميز الفيلسوف الألماني لايبنيز بين ثلاث أشكال من الشر: الشر الميتافيزيقي ويتجلى في عدم تحقيق الكمال للنوع الإنساني، والشر الفيزيقي ويتجلى في الألم والمعاناة، والشر الأخلاقي ويكمن في الخطيئة، والتقليل من الشر والزيادة في الخير يكمن أساسا في الحكمة والمعرفة والزيادة في الفضائل . كما يتخذ الشر دلالة دينية في مخالفة الشرع وعدم الامتثال للأوامر الإلهية وصعود القوى الراديكالية ذات نزعات قومية ودينية، يزيد في شرارة العنف واستفحال الشر وانتشاره ، أما معنى الشر في سياق الفكر المعاصر يعني الضرر وإلحاق الأذى بالغير وتهديده في وجوده، وحرمانه من الحقوق المدنية .​
  • Like
التفاعلات: محمد فائد البكري

هذا النص

ملف
أحمد شحيمط
المشاهدات
577
آخر تحديث

نصوص في : فلسفة

أعلى