ثقافة شعبية واسيني الأعرج - حيزية من المرثية إلى الأسطورة

لا توجد قصيدة أثارت كل هذا الجدل بفنّها الكبير وبمحتواها الإنساني المتجدد، الذي جاءنا من أواسط القرن التاسع عشر، مثل قصيدة حيزية التي كتبها الشاعر محمد بن قيطون، ثم انطفأ، ليظهر صوفياً في مكان آخر. حتى أن القصيدة، كما في كل النصوص العظيمة، أكلت مع الزمن شاعرها، محمد بن قيطون. تكفي كلمة حيزية لتتجلى القصة ولا أحد يتعمق في سؤال كاتبها، مثل ألف ليلة وليلة، ودون كيخوتي، وزوربا، وغيرها من النصوص العظيمة التي تنوب فيها العناوين عن كتابها، وهذه واحدة من سمات خلود النصوص الاستثنائية التي أنتجتها البشرية.
القصيدة كانت مهملة، محفوظة في ذاكرة أهل الجنوب الصحراوي، في سيدي خالد، ليس بعيداً عن مدينة بسكرة ومحيطها، حتى جاء الباحث الفرنسي كونستانتان لويس سونيك Sonieck في 1902 وترجمها إلى اللغة الفرنسية، وأخرجها من الغباب نهائياً، إذ بدأ المهتمون يولونها عناية خاصة بوصفها من المراثي الكبيرة، قبل أن يتسلمها مترجمون آخرون، جزائريون هذه المرة، معتمدين ترجمة سونيك كأرضية، فأدخلوا عليها بعض التعديلات، كما فعل الدكتور حاجيات، وبعده الدكتور سهيل ديب.

القصيدة، كما ذكرت، عبارة عن مرثية مكونة من رباعيات مضمرة تتوحد في القافية والبيت الرابع، تلتحق بالقافية العامية التي تتحكم في القصيدة كلها (يائية).
ما شـــــــــــــــــــفنا من دلال
كي ضيّ الخـــــــــــــــــــــيـــــــــــال
راحت جدي الغزال
بالــــــــــــزّهــــــــد عــــــــــليـــــــــّا
مما يجعل إيقاعها خفيفاً قابلاً للإنشاد. ليس غريباً أن ينشدها كثيرون كمن ينشد ترتيلاً دينياً، وغناها أكثر من عشرة مغنين، هم: البار اعمر، والشيخ خليفي أحمد، ورابح درياسة، والشيخ عبابسة وابنتاه: نعيمة وفلة الجزائرية، ولزهر جلاّلي، وفيصل بن عيشة (ألحان وشباب)، وأعاد توزيعها وتحديثها الموسيقار العالمي الصافي بوتلة، وغنتها من جديد نعيمة عبابسة والفنانة الشابة فريدة رقيبة. وكلهم غنوها على المقامات الخفيفة الحزينة، بالقصبة كما عند خليفي أحمد ودرياسة، أو بالسانتي كما عند نعيمة عبابسة. أو بالآلات الحديثة (أنستريمونتال) كما هو الحال عند الفنانين الشباب، وحتى أكابيلا (من دون موسيقى) كما عند فلة الجزائرية (روتانا). وفي كل مرة تسمع القصيدة مغناة، تترك أثراً عميقاً من الحزن في وجدان من يسمعها، جاملة جرح مؤلفها القاسي. يظل إيقاع الياي ياي الصحراوي هو المؤثر والحاسم كما عند أول من غناها خليفي أحمد، عندما كان يرافق خاله المداح المعروف الحاج بن خليفة، الذي سجلها في تونس في 1933. عظمة هذه المرثية هي أنها لا تتوقف عند هذه الحدود، ولكن في قصتها نفسها التي أثارت جدلاً عظيماً متخطية السائد والمتداول والأبسط. القصة نشأت في مجتمع بدوي رحالة، ينتقل من سيدي خالد وعلى رأسه الشيخ أحمد بلباي والد حيزية، باتجاه المناطق المريحة صيفاً بازر صخرة، قريباً من العلمة وسطيف حيث الرطوبة والجو الجميل. تقضي القبيلة هناك وقتها كل فترة الصيف وتعود باتجاه سيدي خالد في فترة الخريف، حيث يكون الحرّ قد خف. حيزية كبرت داخل رحلتي الشتاء والصيف. في عائلة بوعكاز، من عرش الذواودة، بطن من بطون بني هلال، وقد ذكرهم ابن خلدون في تاريخه، كما أشار إلى بعض رحلاتهم في المنطقة من زمن بعيد. والقصة حقيقية، إلا أن الأخبار متضاربة حول علاقتها بابن عمها سعيد ووفاتها. لا نعرف عن سعيد عشيقها أو زوجها أو حبيبها الشيء الكثير سوى أنه نشأ يتيماً، وكفله عمه أحمد بن الباي أبو حيزية، فتربيا معاً، وتربى الحب وكبر معهما كما تقول القصيدة، إذ هي المرجع الوحيد حتى اليوم أو المرويات الشعبية المهمة؛ لأنها تشكل تاريخاً موازياً. يروى أنه، أثناء هذه الرحلات، كبرت قصة الحب هذه بينهما: حيزية/سعيّد، ابن عمها اليتيم. طلب يدها من والدها، لكن الرد وصلنا عن طريق قناتين: هناك إجابتان، الاحتمال المتداول تزوجها لكن الموت اختطفها منه، والاحتمال الثاني الذي تقوله كثير من الدراسات والأبحاث، أن والدها عندما وصله خبر القصة طرد سعيد من القبيلة فهرب هذا الأخير وتخفى في مكان سري خوف الانتقام بسبب أخلاقي. وذات يوم، ارتدت حيزية برنساً رجالياً والتحقت بحبيبها، لكنه عندما رآها قادمة ظنها رجلاً من أتباع الشيخ بن الباي وجاء لقتله، فأطلق النار عليها، فأرداها قتيلة في مشهدية تراجيدية قريبة جداً من روميو وجولييت. فماتت بين يديه. لكن نشأت بجانب هذه القصة الأسطورة احتمالات أخرى سمعتُ الكثير منها في بسكرة وسيدي خالد وأنا أسير على وقع خطى حيزية في منطقتها. منها أن والدها عندما سمع بالعلاقة ضربها ضرباً مبرحاً فمرضت، وتوقفت عن الأكل حتى الموت. حالة انتحار تم إخفاؤها عائلياً دفعاً للفضيحة، وهي فرضية الدكتورة ليلى روزلين قريش، والدكتور أحمد الأمين. وفي رحلتي الأخيرة لسيدي خالد حيث مسقط رأس حيزية وقبرها، وصلني من ناس كثيرين حافظوا على الرواية أو السيرة، قصة تستحق كل الاهتمام. وتستند هذه الفرضة إلى موتها الغامض أولاً، إذ ما معنى أن تموت حيزية حتى تصل إلى وادي إيتل حيث مقبرة العائلة وقبيلة الدواودة؟ وهل كان ابن قيطون مجرد ناقل لأحاسيس سعيد الذي طلب من ابن قيطون الشاعر المعروف في منطقة الزيبان أن يخلد حبيبته؟ تأمل بسيط للمرثية يخرج القصيدة عن الحب العذري الوهمي الذي قال به الكثير من الباحثين، وهو لا يقف على أي مبرر، لأن القصيدة حسية، بل إيروتيكية في بعض مواقعها. ولا يمكن أن يكون الأمر رهين الخيال وحده. قد يكون، وهذا الأقرب إلى المنطق، ابن قيطون هو الشاعر الجريح، وهو العاشق الحقيقي لحيزية. وهو ما يعمق فرضية قتلها لكتمان السر. كل الذين تناولوها شعرياً مثل عز الدين المناصرة، أو روائياً مايسة باي أو لزهاري لبتر، أو سينمائياً إخراج محمد حازورلي، أو الأوبريت، الشاعر عز الدين ميهوبي، ظلوا في العموم ملتصقين بالقصة المتداولة، لكن جوهراً ظل مغيباً عنها كلها.



هذا النص

ملف
ثقافة شعبية
المشاهدات
159
آخر تحديث

نصوص في : ملفات خاصة

أعلى