د. سامي عبد العال - المثقفُ منبوذاً

حجمُ الإهانةِ داخل أيِّة ثقافةِ متعثرةٍ لا يتم باجترار كهوفها المظلمة ومواضِع التخلف فيها، إنما بإفشال إمكانية نقد وغربلة الأسس القائمة عليها، والحيلولة دون فهمِ الأحداث والقضايا فهماً حقيقياً. والإهانةُ ليست أخلاقيةً هنا، لكنها معرفية، لأن الأخلاقيات لدينا تنفذُ إلى كافة المستويات وتتشكل بأكثر من وجوه، ليس أبعدُها أنْ تقلل من شأنك، لكن أقربها أنْ تستنفدَ وجودَك وعقلك.

هذا هو الحاصل ضمن بعضِ ثقافتنا العربية بامتياز تاريخي، على سبيل المثال فكرة " السمع والطاعة " إلى حد الخنوع والإذلال (وهي فكرة سياسية) قد تأخذُ وضع المعرفة الواثقة، بينما جذرها هو المعنى القائل: ليس في الإمكان أبدع مما كان، حيث يتواطأ الفعل السياسي والديني والاجتماعي. أي إبقاء الأوضاع على ما هي عليه، كأنَّ هناك قائلاً يقول: لا تقترب أيها المثقف(أقصد المثقف الحقيقي) مما نعتقد، كُن بعيداً بقدر ما لا يبلغُك سوطُ اللعنة. لو اقتربت، فرّدُ الفعل لن يكون متوقّعاً، الرد من أطراف( متناقضة) في وقت واحدٍ. صحيح أن التشكيل غريب، بيد أنه يحتاج تاريخاً من التحليل والتفكير، كل آفاق اشكالية لا تُعطي نفسها لأول وهلة، إنما تتمنّع عن الظهور والانفكاك لدرجة الاستحالة.

إذن المثقف منبوذاً، مطروداً، كالجمل الأجرب في الحياة العربية هو واقع الحال. النبذ نوع من الترك والطرح بَعيداً دون اهتمامٍ، مصير هو الإقصاء والابعاد بسبب معنى غير قابل للمهادنة. والنبذ عادةً نتيجة التجرؤ على ما يمثل شيئاً ذا بال، ولا نقبل النّيْل منه في الأفق العام. تحمل دلالةُ الكلمة جوانب الازدراء والهُجران وتترك نكهةً لاأخلاقية بعد سماعِها. كأنَّ المنبوذ قد ارتكب ما يستحيل التسامح معه. وبالقرآن جاء اللفظ في سياق التنابذ بالألقاب ربطاً بالفسوق بعد الإيمان(الأخلاق+ المعرفة+ الاعتقاد). إذن من يحمل المعنى يغدو مفعولاً به جمعياً في المعجم العربي، أي أنَّ النبذ نتيجة عامة وليست خاصة بحالٍ. وهذا هو "مصير المثقف الحقيقي" منبوذاً إذا فكَّر بجديةٍ، أنه المَرْمِي هناك بأي مكان، فقد يقرنه البعض بالعزلة نتيجة اهتماماته الخاصة، لكن الرمي فعل مقصود( الاهمال) إزاء حالة عامة ( تراكم الثقافة).

حيث ثمة فوبيا من انتقاد الموروثات الفكرية الرائجة، ويتجنب المثقف طوال حياته ذلك، لدرجة أنَّه تجري ملاحقة من يقول شيئاً مخالفاً، فهو المتهم سلفاً قبل أي شيء آخر. وسيكون عليه أنْ يدفع تهمة لم يرتكبها وجريمة لم يقترفها، وهي: انتهاك كيان الأمة والتسبب في ايقاع الأذى بالسلف والخلف وبالمقدسات الحيّة والميتة. إنَّها حالة الرفض الكلي الذي يترصد الكُتاب والأدباء والباحثين الجادين مع النتائج المترتبة على ما يطرحون فكرياً وسياسياً.

لقد شكلّت المحرمات الثقافية - باتساعها- لعنة تصيب كل من يقترب. لأنَّ قداستها غدت فخاً يُدمي أقدام كل مستكشف قادم، لمجرد أنَّه يطّأ أرضاً لم يسر عليها الآخرون. هكذا تورط المثقفون في معركة أشبه بمعارك طواحين الهواء التي لا تنتهي. فهم يحاربون ظلالَّهم الكئيبة نتيجة تداعيات القضايا الفكرية بهذا التوصيف... مثل قضية الأصالة والمعاصرة أو قضية تحديث المجتمعات العربية أو قضية قراءة التراث أو قضية ابداع انسانية كونية عامة. والأنكى أنْ تستدير الظلال الهاربين منها لتحل محلهم .. فتقوم الثقافة مرةً أخرى بمطاردتهم(دائريةُ عودٍ على بدء). لكن: كيف يُحال دون الظلال المشوِّهة للمثقف بكل عنفٍ؟! ما طبيعة الثقافة التي تأكل أبناءها؟! ولماذا تنقلب إلى جحيم دنيوي؟!

إذا تصورنا القدرة النقدية خروجاً عن الثقافة المتراكمة، فلتكن قدرةً لتطوير المهام التساؤلية والفكرية لكل مثقف مبدع إزاء مشكلات المجتمع وظواهره. وهذا سبب محاصر المثقف داخل زجاجة مغلقة، بحيث لا يقترب من المحظورات الاجتماعية. ومن ثم ينهض أتباعُها دفاعاً عنها(من غير معرفة أبعاد الموضوع). ذلك لكون ارتباطهم بإنتاج الثقافة يؤكد وجودهم ووجودها معاً. أحياناً يدخل الناسُ معركة (الأفكار الجديدة) ظنّاً منهم أنها معركة حياةٍ أو موتٍ، بينما هم الخاسرون قبل أنْ تبدأ، وأنَّ الطرف المقابل ليس هو دائماً الخصم الصحيح. لأنه لابد في المعارك الفكرية من الوعي الخصب بما يجري ومعرفة أبعاد المسألة قبل البدء في إطلاق عبارات النفير.

فقد يظهر مثلاً التواطؤ بين الإسلاميين المتشددين والثقافة الشائعة على نبذ المثقفين. حيث توجد مصالح مُشتركة كانت ممتدةً ومازالت بين الطرفين. في الحقيقة كانت زواجاً بين التدين الشعبي وحالة الذهنية الشائعة بميثاق سياسي غليظ. لأنَّ السياسة - في تاريخ المجتمع العربي- لم تكن لتضمن الولاء إلاَّ بضمان هذين (التدين والذهنية الشائعة). فكم خدم الإسلاميون أيةَ سلطةٍ سياسيةٍ استبدادية بقدرِ خدمات الناس العاديين لها.

ذلك بالرغم من الصورة المنتشرة عن محاربة الارهابيين للسلطة القائمة وأنَّ الأخيرة تحاول تطهير البلاد والعباد من رجسهم الشيطاني. إنَّ الفكرة هي قمة الزيف الذي انكشف بجلاء في التاريخ القريب، عندما تعايش الاثنان في مصر طوال السنوات الماضية. حتى افسحت الأنظمة السياسية للمتشددين البرلمان كجماعة الإخوان المسلمين والسلفيين. ثم وجدناهم وقد اخذوا السلطة نفسها بعد الربيع العربي في أكثر من دولةٍ عربية. وشكلوا الرهان الغالب في عين الغرب للملمة قطعان الثوار وهوام الفوضى التي كانت بداية للعيان.

براجماتياً في الواقع، لم تكن ثمة خصومة بين الجماعات الارهابية والأنظمة السياسية الديكتاتورية أيضاً إلاَّ بصدد الوسائل فقط. السلطة القمعية تبلغ مآربها باحتكار العنف باسم القانون والشرعية السياسية ذات الآليات الحديثة، ثم تغلفها بنصوص اللوائح وطقوس العقوبات السياسية والقانونية البراقة. بينما يمتلك الاسلاميون – كما يظنون- مشروعية العنف بقرائن دينية وبآليات عنف مبررة مرحلياً. الفارق أن السلطة لها الغلبة بموجب المُؤسسات ومواقع الحكم في حين لا يجلس الآخرون (الذين تطاردهم لذات الهدف) داخل المؤسسات.

الأخطر أنَّه لو كان هناك صراع بينهما(السلطة- الإسلاميون) فليس لصالح الشعب إنما كان جرياً وراء كرسي الحكم. وكل مبررات تساق في هذا المجال لا قيمة لها إطلاقاً إذا لم نأخذ بالحسبان هذا الجانب غير المطروق. وذلك ما يجعل غالبية الناس البسطاء هم وقود الصراع المشترك كذلك. ولذلك يتناوب الإسلاميون والسلطة الحاكمة اللعبة الشهيرة بينهما: "تديين السياسية وتسييس الدين" حتى أخر رمق.

فرأينا السياسيين يلتحفون عباءة الدين بالمناسبات العامة وغيرها. يغتنمون الفرص تباعاً لتدجين الشعوب العربية بمطارق الدين الناعمة( فالدين يوازي الصلاح والإخلاص والطاعة). ولكن نظراً لخشونة الإرهابيين، فإنهم يعلنون نواياهم على الملأ مباشرة دون مواربة. وإذ ظلوا يرددون أنهم يقصدون وجه الله حتى سقط القناع – أثناء الربيع العربي وبعده- باعتبار دولَّهم إسلامية. وحتى أصبحت الخلاقة مثل القناع الأكبر الذي يضم كافة الوجوه الاخوانية والسلفية وغيرها. إلى درجة أن التحدي الجسيم لكل فكر عقلاني هو: كيف يستطيع اقتلاع هذا التصور من الأدمغة؟!

كم يخرج رحال الحكم ليعلنوا على الملأ أنهم يخشون الإرهاب تحت مظلة الدين. وبالمقابل يعلن الارهابيون أنهم يحاربون من يحارب دين الله. ويستهدف الاثنان التهام رؤوس القطاع العريض من الناس. وإذا حدث نبذ للمثقف ومطاردة له، فإن الأخيرة مطاردة مزدوجة. الإسلاميون يفعلون ذلك لحماية المقدسات ثم يتضامن معهم السياسيون بالصمت المريب. والأنكى أنْ يفتحوا لهم المؤسسات القضائية الحداثية لإقامة دعاواهم ضد المثقفين. ويدخلها الإسلاميون بثقة منقطعة النظير بضمان التعاطف الشعبي دفاعاً عن دين الله. ولخداع الناس أيضاً من زاوية أنهم يحترمون اجراءات القانون وأصول الدولة المدنية. بينما هم ينتظرون الفرصة المواتية لتقويضها والانقضاض على السلطة. على الجانب الموازي يبتهج السياسيون كثيراً. لأن الاسلاميين سيخلصونهم من مصادر الازعاج(المثقفين) وبخاصة إذا لم يستطيعوا ترويضهم.

إذن هناك ازدراء صامت(ومتبادل) في صلب كل اتهام للمثقفين والأدباء بالتطاول على المقدسات. لم يكن لتهمةٍ أن تبحث عن مجرم وهمي إلا بإيعاز من كراهية شاملة( من العامة والإرهابيين والسلطة السياسية). فالمثقف الحقيقي كائن منبوذ إلى حد الرجم في المجتمعات العربية، لا محل له من الاعراب. أصلاً يقال: ماذا يقدم؟ هل سنأكل من عمل يديه؟ ما أهميته هنا أو هناك؟ ألاَ يمثل خطراً سياسياً؟ إن تلك الأسئلة المفترضة - كلما أدلى برأي أو طرح تحليلاً أو اخذ موقفاً- تنطلق تلقائياً من جميع الاتجاهات المذكورة.

كل ازدراء تجاه أي شيء يهون أمام ازدراء المجتمع بجميع أطيافه المختلفة للمثقفين. لقد تركهم يتسولون لدى الحكام ووضعهم خارج حساباته. ولذلك ما كان لأي إرهاب أنْ يتصيدهم( كطعن نجيب محفوظ وتكفير نصر حامد أبو زيد مثلاً) دونما أخذ الاشارة الخضراء من المجتمع. كما أن هذا الارهابي بلغ مكانته عن طريق خيول الفتاوى والخطاب الديني وثقافة الدهماء. الإرهاب يعشعش بجميع أشكاله في أحشاء اجتماعية متخلفة كانت لها الغلبة إزاء أي فكر نقدي. وحتى لو كان المثقف صاحب انجاز حقيقي، فلن يجد موضع قدم مقارنةً بخطاب ديني متشدد يسلب عقول الناس مقابل وعدهم بالنعيم والحور العين.

هكذا فالأسوأ أنَّ المثقف لا يلاحقه الارهابيون والساسة فقط، بل القطاعات العريضة من المجتمعات العربية أيضاً. وبالتالي كل اتهام له يصبح ثلاثي الأبعاد بصرف النظر عن ماذا يكون: اسلام سياسي كان يدفعه إلى المحاكم ويحاول إهانته وقتله، ثم يتلاعب به النظام السياسي، فيقف الناس له مهللين!! هذه المأساة جعلت التواطؤ السالف كماشة تقتل كل ابداع فكري وثقافي.

إن المشكلة لن تنتهي إلاَّ بنقض محددات الثقافة ذاتها، نسفها من الجذور التي تسمح بتضامن المتناقضات وتواطؤها على السطح إزاء الفكر. بحيث أن اتساع الهوة يبقي منظوراً بين هذه الأطراف، لكن سرعان ما تجتمع للاتفاق البراجماتي فوق جثة المثقف.

والتهمة الجاهزة( ازدراء الاديان وخلخلة المجتمع وتكدير السلم العام)، كانت بهذا المثلث نوعاً من التنكيل بأي مثقف يفكر بصورة مختلفة. لأنَّها تهمة تبحث عنه بثلاثة مقابض( المجتمع والدين والسياسة) أينما ذهب. كما أنها تركت بموجب القانون عصا غليظة في يد الناس لانزال العقاب الجماعي به لو أحيل إلى المحاكمة. وذلك يفسر أنه كلما تثار قضايا نقد النصوص التراثية تذهب إلى القضاء فورا بمباركة السلطة. وفي النهاية يزعم الإسلاميون دفاعهم عن هوية الأمة. وكأن تلك الهوية هي الصليب الذي يُعلق عليه المثقف، حتى تترك جثته في العراء لأكلي الجيف من البشر. رغم أننا تجاوزنا عصر الهويات القاتلة كما يقول الأديب اللبناني أمين معلوف. وحينما يسمع الإنسان العادي بالخطورة القائمة على هويته ينطلق للدفاع عنها بأنيابه ومخالبه.

وبالتالي سيستّحِل أي إنسان عادي دماء المثقف مصمماً على أخذ الثأر بنفسه. والحقيقة كما رأينا مع نجيب محفوظ فقد قام بطعنه شاب جاهل ثقافياً. لم يقرأ كلمة واحدة من كتاباته ولا يعرف من هو محفوظ ولا أهميته ولا حتى كيف يتجرأ على قضايا الدين. وبالتالي لم يعرف قيمته الأدبية في تاريخ الرواية. بل كانت تلك الأفكار بالنسبة إليه هلوسات لا قيمة لها.

لقد صيغت تهمة "ازدراء الأديان" التي توجه للمثقفين لإشباع نهم السلطة والاسلاميين والناس العاديين من دمائهم. إنَّ سك الازدراء بوصفه انتهاكاً للموروثات يعني تطويقاً لكل محاولة تفكر في المعتقدات الجمعية. وحينما تتكيف كلمة الازدراء مع القوانين والدساتير، فهي تهدم أسس الدولة المدنية. لأنه ليس ثمة شيء في الدولة الحديثة اسمه انتهاك المقدسات. إلاَّ إذا تمَّ تسييس ما لا يُسيَّس كما أشرنا. والتهمة مجهلَّة " القادر" على اقامتها من جهة الحق والإمكانية والقبول والتبرير والمعاني حتى. وبالتالي تصبح اللغة كخطاب من هذا الصنف سلاحاً في يد كل من يريد ملاحقة المثقفين والأدباء رغم تفاهتهم في حالات كثيرة.

لقد أمست تهمة ازدراء المقدسات خارج حتى القانون. لأن وقعها الاجتماعي والديني أكبر من دلالتها قانونياً. ذلك والإسلام السياسي كان قد نحج في خلط الأوراق مسرباً قناعاته إلى الرأي العام كما في مصر والأردن مثلاً. وربما لو دققنا النظر فليس ثمة فارق كبير بين الإرهاب وهذا الوعي الصامت. فمن أين خرج الدواعش؟ لماذا يجند الاسلاميون أتباعهم بسهولة على النت ومن دور العبادة؟ حتى جاءت تهمة ازدراء الأديان مرادفة للكفر، لأنه لا يتم مناقشته وتحول من مجال المعرفة والتساؤل والنقد إلى مجال الدين. ولهذا لم يكن ليقيّم أحدٌّ أعمال الكتاب والمثقفين ويرد عليها إنما يكفرونهم مباشرة.

والتقييم الديني على النوايا في ضوء ثنائية الكفر والإيمان يغالب أيَّ تقييم فنيٍّ داخل هذا المناخ. كما أنَّ التواطؤ الثلاثي السابق(الاسلاميون- السلطة- الناس) يُعْلي نبرة التشفي تجاه المثقفين. حتى أنه يمكننا اعتبار تهمة ازدراء الاديان المجاني قتلاً لا إنسانياً لهم. وفوق ذلك تغذي التمادي في تناولها بالأوصاف اللاأخلاقية، وأساسها هو كراهية التغير والمشاركة في حالة من التفكير تجاه الواقع وأزماته.

هذا النص

ملف
د. سامي عبد العال
المشاهدات
28
آخر تحديث

نصوص في : مقالة

أعلى