عبدالله البقالي - اترتتن..

... يتنامى لديه الاعتقاد بأن ما عاشه منذ هب عليه إعصار "زينب"، يفوق ما عاشه كل عمره. و أن رحلته الأخيرة لم تكن من مكان إلى آخر بقدر ما كانت من عصر إلى عصر. حتى أن كل انشغالاته السابقة قد توارت.فماذا صار الآن يعني مبغى "زينب" و لا حانة "لاسطراص" و لا حتى رجال الجبال؟ كلهم يبدون معصوبي الاعين، و مقذوفين لقطع مسلك هو وحده في النهاية من سيعيدهم إلى زمانهمأو يزج بهم في متاهة بلا نهاية. و الحال ان الحياة تمتد مشعة على جانب المسار الذي يقطعونه. لماذا يجد نفسه مستثنيا، هل وطأ بقدمه الدرب الفاصل بين الوجود و الفقد؟
تلقى تهنئة من رجل الجبل. لكنه لم يحس بأنه أنجز شيئا خارقا مقارنة بما يقوم به رجال المعسكر . فهو على الأقل لا يحس بالجوع و لا بالبرد. بل هو ينجز اكتشافات قد لا تحصل فرصة تحقيقها الا مرة واحدة في العمر. وهو مستمتع مثلما لم يحصل في أي مرة من سنين مجونه و جنونه. و بالرغم من ذلك، يلزم أن يحتفي . ليس بالتهنئة و إنما بهذا الجديد الذي يجتاحه و يوطد إحساسه بأنه يرقى درجات سلم يمكن من يبلغ القمة من كتابة عنوانا لعمره.
في الطريق للحانة، التقط صوت شدو "كيو" وهو يردد موالا لأغنية جزائرية. و طريقة شدوه كانت تفيد أنه على مشارف الثمالة. و حين أصبح في مجال رؤيته، توقف كيو عن الغناء. امال رأسه قليلا تاركا عينيه نصف مغمضتين، و قد ضمن نظراته كل معاني الاستغراب و قال: كأن هناك من يحاول إقناعي بأن الذئب قرر أخيرا أن يتحول إلى حيوان عاشب.
ضحك و قال: حتما سيبدو الأمر عاديا حين يتحول سكير إلى واعظ. لكن الإثارة ستكون بكل تأكيد في أن يتحول الواعظ إلى سكير.
صمت كيو للحظات و قال: في مجتمع الحمير، تصبح الحشائش هي العملة. لكني لا افهم أي شئ ستصير في نهاية الدوامة التي دخلتها.
عقب: هذا ما جناه علي قلبي. و ما جنيته على كبدي.
نظر كيو مطولا اليه و قال ساخرا: كبد؟ انت لديك عوض الكبد مطاطا.
هو وكيو شخصان غريبان.التقاطع بينهما هو انهما ينتسبان لعالم أفرز على الدوام صنفين من الرجال. الفقهاء و قطاع الطرق. و بين الاثنين وقف الآخرون مشكلين مساحة تغري بالاكتساح. في شبابهما كانت آثار عصور السيبة تطل برؤوسها و تحفر في الوعي بقرونها، لتبدو بارزة كالغبار الذي خلفه نقع لخيول متوحشة لا تستقر على اتجاه. و في العالم جنوبا كانت تتقدم الآليات في زحف غير مسبوق. و من الخلف برز عبدالكريم كنسر نشر جناحيه، لا ليفترس و إنما ليشمل بالدفء فراخا كانت أعشاشها قد خربت. باثا روائح في التخوم تفيد حدود لعرين أسد لا يرحم من من يجتازها. أقام المحاكم. أوجد للعدالة مواقع كانت مفقودة في خرائط العيش. وقاد الرجال في صفوف وقف فيها الأعيان إلى جوار العامة من أجل تعبيد مسلك للتاريخ كي يمر بمحطتهم. و كان ان ارتفعت الهمم، و توقف السبي و السلب، ليلتقط القوم الأنفاس، و تهدأ المعارك لتبدأ الحرب...

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى