عبد الواحد السويح - يوميات رجل في زمن الكورونا

– بِضْعَة أَيَّامٍ وَيَنْتَهِي اَلْحَجْرُ.

جُمْلَة يُرَدِّدُهَا اَلْأَمْوَاتُ اَلَّذِين اِشْتَرَوْا بِمِزَاجِي بَلَاهَةً وَيرحلون. إِنَّهُمْ لَا يَعْرِفُونَ حَقِيقَة مَا يَجْرِي. مُنْذُ أَنْ وَعَيْتُ وَأَنَا فِي اَلْحَجْرِ، وَالتَّحَوُّلُ اَلَّذِي طَرَأَ لَيْسَ إِلَّا مجرّد اِنْتقال مِنْ اَلْحَجرِ اَلْمَجَازِيِّ إِلَى اَلْحَجْرِ اَلْحَقِيقِيِّ.

فِي اَلشِّعْرِ عَادَة مَا نُحَوِّلُ اَلْحَقِيقَة إِلَى مُجَازٍ لَكِن اَلْوَاقِع اَلْآنَ هُوَ أَنَّ اَلتَّجْرِيدَ وَالتَّهْوِيلَ وَالْخَيَالَ وَكُلَّ هَذِهِ اَلْمُصْطَلَحَاتِ اَلْفَنِّيَّةِ تَحَوَّلَتْ إِلَى كَائِنَاتٍ مَحْسُوسَةٍ.

ثَمَّةَ أَشْيَاء لَا أَمْتَلِكُهَا فِي بَيْتِي وَعَلَيّ أَنْ أَخْرجَ يَوْمِيًّا لِابْتِيَاعِهَا. لَا يُمْكِنُ أَنْ نَسْتَغْنِيَ عَنْ اَلْخُبْزِ وَلَا نَمْلِكُ لِلْأَسَفِ لَا اَلْفُرْن اَلتَّقْلِيدِيّ وَلَا اَلْحَدِيث.

أُعبرُ “حَوْمَة اَلشَّرْقِيّ” فِي اِتِّجَاهِ اَلْعَطَّارِ. اَلْأَدْعِيَةُ اَلْمُنْبَعِثَةُ مِنْ مِضَخَّاتِ اَلصَّوْتِ تُعِيدُنِي قَسْرًا إِلَى زَمَنٍ مَضَى. إِلَى مَهْزَلَةٍ ظَنَنْتُ يَوْمًا أَنِّي شَيَّدت جِدَارًا أَسْمَنْتِيًّا يَفْصِلُ بَيْنِي وَبَيْنهَا. أَسِيرٌ فِي اَلشَّارِعِ وَتَلْمَعُ فِي ذِهْنِي صُورَة اَلشَّيْطَانِ اَلَّتِي جَسَدهَا اَلْفَنَّانُ عَبد اَلرَّحِمَانِ أَبُو زَهْرَة فِي أَحَدِ اَلْمُسَلْسَلَاتِ اَلْقَدِيمَةِ وَكَيْفَ كَانَ يَتَهَاوَى وَيُصِيبُهُ اَلصَّرعُ كُلَّمَا جُوبِهَ بِالْقُرْآنِ أَوْ بِالدُّعَاءِ أَوْ بِذِكْرٍ لِاسْمِ اَللَّهِ.

هَلْ كُنْتُ وَاهِمًا حِينَ خَلَصَتُ نَفْسِي مِنْ تُرَّهَاتِ اَلدِّينِ؟ هَلْ سَكّنَنِي اَلشَّيْطَان أَخِيرًا فَأَصْبَحَت فِيمَا أَنَا عَلَيْهِ اَلْآنَ؟ أَيُّ أَحَاسِيس تَنْتَابُنِي وَلِمَاذَا تَزْدَادُ نِقْمَتِي عَلَى اَلدِّينِ؟ لَم أنْتَبه إِلَى تَفَاهَةِ تِلْكَ اَلْأَدْعِيَةِ كَمَا اِنْتَبَهتُ إِلَيْهَا أَيَّام اَلْحَجْرِ وَإِلَى تَهَالُكِ اَلسَّجْعِ فِيهَا وَإِلَى فَرَاغِ مَضَامِينِهَا. وَرُبَّمَا لِهَذِهِ اَلْأَسْبَابِ لَا يَسْمَعُهَا اَللَّهُ. “لَا يُمْكِنُ لِمَنْ خَلْق هَذَا اَلْكَوْن أَنْ يَكُونَ أَبلها” أقول ذَلِكَ فِي نَفسِي وَاشْتري اَلْخُبْز وَأعود أَدْرَاجِي.

عِدَّةُ كُتُبٍ تَسْتَيْقِظُ فِي ذَاكِرَتِي: اَلِانْتِبَاه لِأَلْبِيرْتُو مُورَافْيَا وَالْيَوْم اَلْأَخِير لِمِيخَائِيل نعيمَة وَأَهْل اَلْكَهْفِ لِتَوْفِيقِ اَلْحَكِيمِ… أَصْبَحَتْ لِي اَلْقُدْرَةُ عَلَى اَلِانْتِبَاهِ إِلَى كُلِّ شَيْءٍ وَاكتَشَفتُ أَنَّ عَلَاقَةً آثِمَة كانت تَجْمَعُ بَيْنَ أَصَابِعِي وَوَجْهِي وَأَنِّي قَذِرٌ إِلَى أَبْعَد اَلْحُدُود وَأَنَّ اَلْأَوْقَاتَ اَلَّتِي كُنْتُ أَقضِّيهَا خَارِجَ اَلْبَيْتِ قَادِرَة لِوَحْدِهَا عَلَى إِقْنَاعِي أَنِّي فِعْلاً تَجَاوَزَت اَلْخَمْسِينَ مِنْ اَلْعُمْرِ وَاكْتَشَفَت أَيْضًا أَنَّ وَلَدِي اَلصّغير اَلَّذِي كُنْتُ أَعْتَبِرُهُ طِفْلاً تستهويه لعبة الاستمناء خِلْسَة كُلَّ لَيْلَةٍ.

أَفْتَحُ حِسَابِي عَلَى اَلْفَايسبُوكْ. أَصْدِقَائِي اَلْكتّاب يَتَفَاخَرُونَ بِالْكُنُوزِ اَلْمُتَوَفّرةِ لَدَيْهِمْ وَاَلَّتِي يقْبلُونَ عَلَى قِرَاءَتِهَا بِسَبَبِ اَلْحَظْرِ فَأَنْزَعِجُ كَثِيرًا لِأَنِّي لَمْ أَقْرَأْ كِتَابًا وَاحِدًا مِمَّا يَعْنِي أَنِّي لَا أرتقي إلى مرتبتهم.

أَتَأَمَّلُ نُصُوصِي اَلْعَدِيدَة وَكُتُبِي وَتَرْجَمَاتِي اَلْمُلْقَاة هُنَا وَهُنَاكَ وَأَتَسَاءَل: هَلْ يُمْكِنُ لِهذا اَلْمُنْجَزِ كلّه أَنْ يَحْمِينِي مِنْ اَلْكُورُونَا وَمِمَّا وَرَاءِ اَلْكُورُونَا وَهل يمكن له أن يوفّر لي اَلطَّعَامَ؟ أَطْفَالِي أَرْبَعَة وَأُمّهمْ وَأَنَا، مَحْكُومُونَ بِأَنْ نَعِيشَ بِثُلثِ اَلرَّاتِبِ اَلَّذِي يَذْهَبُ ثُلْثَاهُ فِي اِتِّجَاهِ اَلْقُرُوضِ فَمَا جَدْوَى اَلشِّعْرِ إِذْن؟

أفْتَح اَلتِّلِفِزْيُون وَأَتَجَوَّلُ فِي قَنَوَاتِ اَلنَّايِل سَاتْ بَحْثًا عَنْ فِيلْمٍ تَافِهٍ أَنْتَقِيهِ بِعِنَايَة فَائِقَةٍ. وَيُخْطَر فِي ذِهْنِي حِينِهَا مَا قَالَهُ اَلنُّقَّادُ اَلْعَرَبُ عَنْ ضَرُورَةِ اَلْجَمْعِ في النصوص بَيْنَ اَلْإِفَادَةِ وَالْإِمْتَاعِ فَأَلْعَنهُمْ جَمِيعًا وَأَتَمَنَّى لو يعترضني أحدهم لحشو أيري في إليته. لَا شَيْء أَجْمَل مِن اَلْإِمْتَاعِ وَاللَّعْنَة عَلَى اَلْعِبَرِ وَالْقِيَم. كَيْفَ تَحَكَّمَتْ فِيّ اَلْقِيَمُ طِيلَة خَمْسِينَ سَنَةً وَكَيْفَ لَمْ أَفْتَحْ لَهَا سَرَاوِيلِهَا؟

يَقُولُونَ إِنِّي شَاعِر مَجْنُونٌ وَمُتَمَرِّدٌ لَكِنِّي أَدْرَكَت أَخِيرًا أَنِّي لَمْ أَتَجَاوَزْ اَلدَّرَجَة اَلصِّفْرَ لِلْجُنُونِ وَالتَّمَرُّدِ. كَانَ عَليّ أَنَّ أُشْرِبَ يَوْمِيًّا وَأُضَاجِعَ مِنْ يَعْتَرِضنِي يَوْمِيًّا وَكَانَ عَليّ أَنْ أَقُولَ لِمُذِيعَةِ اَلتِّلِفِزْيُونِ اَلَّتِي اِسْتَضَافَتْنِي يوما في برنامجها الثقافي إِنَّهَا لَا تَصْلُحُ إِلَّا للْفِرَاش وَأَنَّ أَجْمَلَ مَا فِيهَا مُؤَخَّرتهَا اَلَّتِي لَا يَعْرِفُ سِرَّ سَعَادَتِهَا إِلَّا قَضِيبي.

كَانَ عَليّ أَنْ أَزْجُرَ اَلسَّمَاء عِنْدَ نُزُولِ اَلْمَطَرِ وَأَقُول لَهَا إِنَّهَا تَنْهَمِرُ بِكُلِّ غَبَاءٍ عَلَى اَلْمُدُنِ اَلْعَاهِرَةِ.

كَانَ عَليّ أَنَّ ألغّم طُرُقَ اَلْمَقَابِرِ وَسَاحَاتِ اَلْمَسَاجِدِ أَيَّامَ اَلْجُمْعَةِ وَالْأَسْوَاق فِي رَمَضَان بِأَلْغَامِ شِعْرِيَّةٍ أَجْمَعَ مُفْرَدَاتِهَا مِنْ دورِ اَلْخَناء وشوَاطىء اَلصَّيْف وَأَعْرَاس اَلْفُقَرَاءِ.

لَيْتَنِي مَا ذَرَفت اَلدُّمُوع يَوْمًا وَلَيْتَنِي مَا فَكَّرت وَلَوْ لِبُرْهَةٍ فِي خِيَانَةٍ أَحَدهمْ.

يَا وَيلِي كُنْت أَعْتَقِدُ أَنِّي صَيَّادُ مَعنى لَكِنِّي اَلْآن فِي هَذَا اَلْحَظْرِ وَالْحَجْرِ اَلصحيّ خَالٍ مِنْ كُلّ شَيْءٍ بَلْ حَتَّى اَلْمَعَانِي اَلَّتِي أَوْهَمت نَفْسِي أَنِّي حَصَّلتهَا تَتَهَاوَى.

“قُمْ وَدّع يَوْمكَ اَلْأَخِيرَ” اَلْعِبَارَة اَلْبُؤْرَة فِي رِوَايَةِ مِيخَائِيل نعيمَة تَسْتَبِدُّ بِي تُسَيْطِرُ عَليّ. أَعُودُ إِلَى نُصُوصِي اَلسَّابِقَةِ فَأَجد أَنَّهَا مُفْعَمَةٌ بِالْمَوْتِ وَبِمَسَائِلِ اَلْوُجُودِ وَبِمَا يَجْرِي حَالِيًّا وَلَكِنِّي لَا أَسْعَد وَلَا يعترِينِي فَخْر بِقُدْرَتِي اَلْفَائِقَةِ عَلَى اَلِاسْتِشْرَافِ بَلْ أَبدو مُسْتَعِدّا أَنْ أَهَبَهَا جَمِيعًا لمنْ يُخَلصنِي مِنْ هَذَا “اَلْيَوْمِ اَلْأَخِيرِ” لمنْ يَسْتَطِيع أَن يَجْعَلَنِي أَحْزَنُ وَأَكْتَئِبُ بِإِرَادَتِي لمنْ يَجْعَلنِي أَمُوتُ بِرَغْبَتِي لمنْ يُعِيدُ إِلَيّ اَلْقُدْرَة عَلَى اَلِانْتِحَارِ.

هذا النص

نصوص في : ملفات خاصة

أعلى