أ. د. عادل الأسطة - في المعابر..

1 - " عذابات الفلسطينيين....وعذابات اليهود " :
هل هناك مجال للمقارنة بين عذاب الفلسطينيين وعذاب اليهود؟
يقال إن اليهود تعذبوا منذ التيه في سيناء والنفي إلى بابل وعاشوا متشردين مشردين وعرفنا شخصية اليهودي المتجول في بلاد الله وجاء البوغروم والهولوكست و ..
كلما عبرنا النهر واجتزنا الحدود أو وقفنا على حاجز أو اجتزنا معبر قلنديا أشعرنا اليهود أننا مثلهم نواصل رحلتهم .
ماذا يسمي علماء النفس الشخص الذي ينهي معاناته في شخصه ويتلذذ في رؤية الآخرين يعانون منها ؟
مازوخي سادي - مازو - سادي .
2 - " تعلم الصمت " :
في المعابر تتعلم الصمت. تكتشف أنه نعمة أو حكمة أو أنه الخيار الأفضل أو الخيار الأسلم.
ماذا يمكن أن تقول لمن يريد أن يعلمك النظام على أصوله ؟
لست في المعبر وحيدا . هناك آخرون يريدون خلاصهم من رحلة العذاب .
والشرطي يصرخ ويعطي أوامره والكل يعطي أوامره .
وأنت تكتشف حكمة الصمت . أن ترد على الصراخ والأوامر بالصمت والصمت فقط .
هل تتذكر سطر الشاعر اليمني عبد العزيز المقالح :
" الصمت عار "
أم تتذكر سطر مظفر النواب :
"ما هذا الصمت يسمى باللغة العربية ؟ "
مش زابطة لا بالصمت ولا دونه وسوف ننتظر ...
3 -" أيضا وأيضا " :
صارت المعابر جزءا من حياتنا ولاحقا صارت مثلها الحواجز .
قبل 1967 كانت هناك بوابة ( مندلباوم ) ولم يبق لها أثر .
في الحادي عشر من حزيران صار نهر الأردن فاصلا ومعه الوضع الجديد عرفنا جسر الأحزان وجسر العودة وفيروز وسلامي لكم يا أهل الأرض المحتلة وبدأت المعاناة فكتبت فدوى طوقان قصيدتها " أمام شباك التصاريح " .
منذ تلك ألايام وحتى يومنا نعاني
وجاءت الحواجز التي أوحت للقاص أكرم هنية بكتابة قصته " زمن حسان ".
اليوم صباحا رأيت قوات مكافحة الشغب في الجانب الأردني تقف لتنظم الحركة خوفا من فوضى .
أدركت أن الأمر شكلي ولكنه استثار في نفسي المعاناة والقصيدة والقصة و " عرب فوضى كلاب " - كانت فدوى أوردت شتائم الجندي الإسرائيلي في 1968 تقريبا لنا -.
الحق أقول إنني خفت وشعرت بذل الفلسطينيين منذ 1948.
وعلى الرغم مما سبق فقد خدمتني الفوضى شخصيا . هل كنت انتهازيا ؟
كنت استغللت الفوضى فوصلت أول الواصلين . ومع ذلك ورغم ذلك شعرت بالإهانة وقد تجمعت في نفسي منذ النكبة .
الكتابة عن المعابر لا تنتهي ، مثل حزيران الذي لا ينتهي .
نحن الآن في حزيران
4 " أمرك سيدي " :
في المعابر تجرب أن تسلك سلوك " الجندي الطيب شفيك " وسلوك من سار على خطاه مثل " سعيد أبو النحس المتشائل " .
تحاول أن تكون بطلا سلبيا ، فالبطولة الإيجابية قد تؤدي إلى الهلاك ، فكم من فلسطيني قتل على الجسر برصاص إسرائيلي أو ضرب لأنه أراد أن يكون بطلا إيجابيا ؟!
الشرطي الأردني لاحظ غير مسافر على شباكه فطلب منهم الابتعاد وإلا فإنه لن يعمل جيدا .
كنت الخامس في الدور والتزم الآخرون بكلام الشرطي وعادوا وصفوا واحدا واحدا .
كلما تناقص المسافرون واحدا أبقى ثابتا في مكاني لا أتزحزح حتى صارت المسافة بيني وبين شباك الشرطي مترا ونصفا ولم أتقدم إلا بعد أن انتهى الشرطي تماما من آخر مسافر أمامي ، وهكذا أثبت للعرب - لا للإسرائيليين - أن العرب ليسوا فوضويين .
كما لو أنني شفيك ( ياروسلاف هاتشيك ) أو سعيد متشائل اميل حبيبي .
- أمرك سيدي الشرطي ، فالأوضاع في الأردن كلها متفجرة ولا أريد أن أكون شرارتها .
5 - " ابتسامة الإسرائيلية وكشرة الشرطي " :
لست يوسف في الجمال . إنني أشبه الشرطة الأردنيين شكلا وعلى محياي كشرة تهرب عشرة ، مع أن المثل الشعبي يقول عن بعض أصحاب الكشرة " عليه كشرة بتسوى عشرة ".
ثم إننا جميعنا خلقة الخالق ولا أحد اختار شكله ، وفوق هذا كله فإن نفسيتي برجوازية ولكن " إن الله جميل يحب الجمال " والكتابة تطول .
في المعابر على الطرف الإسرائيلي تودعك الموظفة بابتسامة وديعة هادئة وبلا أي عبارة ، وأما على الطرف الآخر الأردني فثمة شرطة شباب ولكن كشرتهم لا تشعرك بالراحة . وأنت تعرف أنهم قد يكونون طيبين جدا وان حياتهم قاسية جدا وأنه " كان الله في عونهم " وأنهم من مناطق فقيرة ماديا وفقيرة بيئيا ، فلا جمال طبيعة ولا أشجار و ..
هل يدرس علماء النفس الإسرائيليون الموضوع ومدى تأثيره على نفسيات المسافرين ولا يفعل الأردنيون الشيء نفسه .
غالبا ما نعت الأدباء العرب اليهودي بأن ابتسامته صفراء ، وغالبا ما ننعت أنفسنا بإننا غلاظ ولكن قلوبنا بيض/اء وطيبة. ولكن هل يكفي هذا؟
في المعابر تودعك الموظفة الإسرائيلية بابتسامة ويستقبلك الشرطي الأردني بكشرة .
هل هذا جزء من الحرب ؟
أحيانا أهذي . !!
سامحوني
6 " فحص طبي شامل " :
هذه المرة تعرضت ، في المعابر ، على الجانب الإسرائيلي ، لفحص طبي شامل ، بعد أن تعرضت ، على الجانب الأردني لفحص جسدي لا أعرف ما هي أسبابه .
على الطرف الآخر الأردني ، وأنا عائد ، تحسس شرطي جسدي و أجساد الآخرين .
هل كان يعتقد أننا نحمل سلاحا أبيض أو سلاحا أسود ؟ ثم إننا خارجون من الأردن لا داخلون إليه - اللهم إلا إذا كانوا حريصين علينا من أن نسجن في سجون الاحتلال أو سجون السلطة .
في الجانب الإسرائيلي ناداني الفلسطيني الريحاوي :
-يا حاج .. يا حاج .. هنا
وأشار إلى ماكنة تفحص ما في معدتك من طعام وتنك وذهب ورصاص و ( ار بي جي ).
- يا حاج .. يا حاج ضع كل ما في جيوبك على هذه الطويلة المتحركة ثم قف داخل الجهاز .
الصورة على الجهاز واضحة . ثمة موطيء للقدمين وثمة ذراعان مرفوعان إلى الأعلى . ثمة استسلام تام .
- يا حاج ... يا حاج ! لا تتحرك حتى يعطيك المراقب الإشارة .
قبل سنتين سقطت إحدى طواحيني وكذلك سقطت أخرى قبل أسبوع . هل بلعت الطاحونتين مع الطعام ؟ وماذا لو بقيتا في جسدي؟
على المعابر لا بد من فحص طبي شامل ، هنا وهناك والحمد لله وللدكتور رامي الحمد لله أنه لا يوجد فحص طبي شامل ثالث في استراحة أريحا .
7 " السجائر " :
أكثر ما يلفت الانتباه في المعابر هو ( كروزات ) السجائر التي تشترى من السوق الحرة .
غالبا ما تكون السوق الحرة على الجانب الأردني مزدهرة ، وغالبا ما يشتري المسافرون ( كروزات ) الدخان ، إما لاستهلاك شخصي ، وإما هدايا لمعارفهم ، وإما ضربا من التجارة التي تسهم في كسب شواكل تقلل من تكاليف السفر ، ومع أنني لا أدخن إلا أنني أحيانا أجدني في السوق الحرة أشتري ( كروزات ) الدخان ، ضربا من التجارة .
كان أحد زملائي يوصيني باستمرار بعدم نسيان إحضار ( كروزي ) دخان له ، ثم وجدت أن مربحهما يمكن أن يحل أزمة مالية لابن أخي ، فأخذت اشتريهما له كي يبيعهما ويربح بعض شواكل .
هل كنت أمارس سلوكا خاطئا ؟
أكثر المسافرين الآن يشترون ( كروزات ) الدخان وأحيانا يشترون كميات أكثر من المسموح بها ، وينتظرون أحد معارفهم لكي يحملوه ما اشتروا .
وفي المعابر تصغي إلى قصص عن شغف الناس بالدخان . وتتذكر الحداء الشعبي في أعراس الريف يغني " وعريسنا شريب السيجارة " فتحمد الله أنك لم تتعود عادات كريهة .
( كروزات ) الدخان غدت جزءا من المعابر .
8 " تذاكر السفر والحافلات " :
في المعابر تصعد في حافلات مريحة . ربما هذا هو الشيء الوحيد الذي لا تذمه ولهذا قد لا يلتفت إليه كثيرون في أيام الأزمات لانصراف الذهن إلى العذابات الأخرى وما أكثرها .
الحافلات وتوابعها تبدو أنيقة جميلة مريحة .
من توابع الحافلات تذاكر السفر وطرق فحصها . ثمة وسائل فحص متطورة أيضا تفحص التذاكر حتى لا يتم تزويرها أو التهريب من خلالها . وسائل فحص متطورة مثل أجهزة فحص البشر ؛أجسامهم وعيونهم وحقائبهم .
أصحاب شركات الحافلات مثل الدولتين على الجانبين حريصون على عدم التهرب والتهريب وكما أن الدولتين حريصتان على امنهما فإن اصحاب الحافلات حريصون على أمنهم الربحي وعلى عدم التهرب من دفع الأجرة . إنهم يقدمون خدمات جيدة وحريصون أيضا على مواكبة التطور .
حتى تذاكر السفر غدت ناعمة ورقيقة وعلى الجانب الأردني يطبع اسمك على التذكرة كما لو أنك مسافر عبر المطار - تتذكر تذاكر السفر بين برلين الغربية والشرقية في 1988 فتذم الاشتراكية وتمدح الرأسمالية ومثل تذاكر السفر أكياس الورق في ألمانيا الشرقية-
الله يرحمك يابا. كنت سائقا على خط نابلس- عمان وبالعكس ولم تشهد هذا التطور المذهل الذي جلبه لنا حزيران والاحتلال والتطور التكنولوجي .
9 " منشار هنا .. وآخر هناك " :
الجسر مثل منشار ينشر باتجاهين . وأنت خارج عليك أن تدفع رسوم مغادرة ، للسلطة ودولة أبناء العمومة ، ولدولة الأشقاء الأردنيين - بعض إخواننا الأردنيين يقولون إنهم أصبحوا أقلية فهم مليونان من ثمانية ملايين عربي وغدت دولتهم نموذجا لدولة الهلال الخصيب القادمة -.
عليك أن تدفع هنا وأن تدفع هناك .
في الطرف الإسرائيلي - الفلسطيني تدفع 153 شيكلا - أي ثلاثين دينارا ، وفي دولة الهلال الخصيب التي تضم أردنيين وفلسطينيين وسوريين وعراقيين ولبنانيين تدفع عشرة دنانير أردنية .
الجسر مثل منشار ينشر باتجاهين وليس الأمر في دولة أبناء العمومة بالجديد ، ففي الزمن الغابر كنت تدفع ذهابا إيابا وأحيانا تكون الضرائب على البضاعة مرتفعة . وكان المحسوبون على السلطة الإسرائيلية من الفلسطينيين يأخذون أقل القليل . هؤلاء كانوا يقدمون خدمات فكانت الأولوية لهم في أيام الأزمات ، وكان المسافر المضطر يدفع . كما لو أن المحسوبين على السلطة الإسرائيلية في الزمن الأغبر كانوا أصحاب حافلات نقل ال VIP في الزمن الحالي .
لم يتغير الكثير ، وعلى رأي البنيويين فالثنائيات منذ القدم شبه ثابتة . تتغير الملامح أما الأنساق الرئيسة فثابتة .
" اللهم أدمها نعمة " : يقول المتنفذون هنا وهناك . وسبحان مغير أحوالي وأحوال أبو فادي محمد دحلان . كنا فقيرين واثرينا ؛ هو من المعابر وأنا من وظيفتي في الجامعة .
اللهم لا حسد . دقوا على الخشب .
10- " السواقون " :
إن سافرت من نابلس ما عليك إلا أن تذهب إلى مكتب تكسي ، مثل مكتب تكسي المدينة ، فتحجز وتحدد الساعة .
قد يتأخر السائق عن الموعد ربع ساعة أو نصف ساعة ، ولكنه يأتي حتى لو كانت حافلة ( الشتل ) غير مكتملة العدد . خمسة ركاب من سبعة يكفون ولا تدفع أنت فرقية الأجرة لعدم اكتمال العدد ، والأجرة محددة .
السائق يأتي إلى مكان سكنك في المدينة .
من الجسر إلى نابلس هناك دور ونظام وقد يتذاكى سائق ولكنه إن اكتشف يجد من يقف في وجهه .
في أثناء عودتي سألني سائق :
" - إلى نابلس ؟ "
ولم يكن يقف في الكراج ، فتصدى له سائق ثان وقال بصوت مرتفع :
" - اسأل أين نمت الليلة ؟ الليلة نمت في الشرطة من أجل حضرتك وحضرة الدور "
وأشار بيده أن ... :
- إلى هناك
حيث الدور ، وأنا اتبعت الإشارة بلا تردد .
هل الأمر يبدو على الطرف الآخر مشابها أم أنه مختلف حيث نحن في حارة كل من " إيده إله " ؟
الكتابة عن السواقين في الطرف الآخر الأردني تحتاج خربشة منفردة .
" وكل حزيران ونحن بخير "
11 - " حارة كل من " إيده إله " :
هل حركة الحافلات على الطرف الآخر الأردني منتظمة كما هي في الضفة ؟
ليتها منتظمة .
على الرغم من أن هناك نظاما جيدا على المعبر لا يمكن ذمه ، إلا أن ما يمكن الكتابة عنه ، سلبا ، هو تنظيم الحافلات وانطلاقها .
في الجانب الأردني للمعبر تجد سواقين ينادون ؛ سائق ال ( تكسي ) صاحب الدور ، ومعاون سائق ال ( باص ) ذي العشرين راكبا ، وسائق لا دور له يعرض عليك أن يقلك وحدك إلى عمان بعشرين دينارا .
هل هناك أجرة محددة متفق عليها ؟
هذا ما لا تعرفه ، وسيكون الأمر عاديا لو اختلف من عام إلى آخر ، فغلاء المعيشة قد يفرض ارتفاعا مطردا في الأجرة ، ولكن المشكلة تكمن في اختلاف الأجرة في اليوم نفسه .
ما إن تصعد إلى سيارة ال ( تكسي ) حتى تبدأ المفاوضات على الأجرة وأنت وشطارتك وشطارة السائق .
يسأل السائق الركاب راكبا راكبا عن مقصده مكانا ويطلب السعر الذي يريد وتتعلق الموافقة بالراكب .
في أثناء عودتي من عمان/ طبربور إلى الجسر تسابق سائقان ؛سائق ( تكسي ) وسائق . ( باص ) وكادا يختلفان ثم قررت .
كنا اثنين وجاء ثالث فاقترح السائق أن يدفع كل واحد منا عشرة دنانير بدل ثمانية حتى ينطلق . سألنا بعضنا ولم يعترض أي منا .
في الطريق توقف السائق في محطة بنزين وقال لصاحبها "
- ب خمسة عشر دينار ! "
والتفت إلينا "
- الأجرة يا شباب ! "
فنقدناه ما اتفقنا عليه . هل أراد السائق أن يقول لنا إن نصف الأجرة يذهب للبنزين وأن الجيبة فارغة والرزق يومي وعلى الله .
الكل في عمان يشكو إلا قلة قليلة أنا منها ، مع أنني لست من سكان عمان . هل أشكو لشكواهم ؟
12 -" الحقائب المنسية " :
لم تستمر حالة الفرح التي انتابت الشاب ، حين غادر المعبر ، طويلا .
لأول مرة أختار ال ( باص ) ذا العشرين راكبا .
كان أصحاب الحافلات على الجانب الأردني يتسابقون داعين الركاب للسفر معهم . وقد أغراني معاون ال ( باص ) ذاهبا إلى أنه يحتاج إلى آخر راكب ، وكان صادقا .
أجرة الراكب محددة وهي 4 دنانير فقط .
جلست في المقعد الخلفي الذي يحتاج إلى راكب واحد .
بعد أن انطلق السائق وسار حوالي 20 كلم فطن أحد الركاب إلى أنه نسي حقيبته في المعبر الأردني وهات اجتهادات أبداها الركاب والسائق . وربما لكل فلسطيني حكايته بخصوص الحقائب ؛نسيانها واستبدالها وضياعها والعثور عليها والجهد الذي بذله من أجل معرفة مصيرها ( - مرة أوصيت أخي على ديوان محمود درويش " كزهر اللوز أو.. أبعد "2005 ، ونقدته 5 دنانير ثمنه . اشترى لي نسخة من عمان وفقد ، في المعبر ، على الجانب الإسرائيلي ، الحقيبة ولم يستعدها -).
كان اليوم يوم جمعة وعليه فإن المعبر يغلق بوابته مبكرا ، والشاب سيسافر من المطار ليلا في الثانية والنصف فجرا .
هبط الشاب من الحافلة باحثا عن سيارة تعيده إلى المعبر وكان عليه أن يدفع 20 دينارا ذهابا أما الإياب .... إلخ إلخ !!
هل استعاد المسافر حقيبته وسافر على متن الطائرة ؟
في الحافلة سرعان ما نسينا الشاب ولهذا سبب يستحق كتابة .
13 - " إنه رمضان " :
تبدو المعابر في شهر رمضان مختلفة . لا أحد من المسافرين يحمل زجاجة ماء أو يدخن سيجارة ، والحمد لله أننا في اليوم الأول من حزيران لا في تموز " حيث تغلي المياه في الكوز " ولا في " آب اللهاب " .
محلات بيع المياه والدخان والأطعمة كانت شبه فارغة ويبدو أن أكثر المسافرين صائمون أو متعاطفون ، وأنا من الأخيرين .
في الحافلة ثمة مشادة كلامية بين أحد الركاب والسائق .
فجأة أخذ أحد الركاب يصرخ في وجه السائق :
- أنا اتفقت مع المعاون أن تقلني إلى العبدلي لا إلى طبربور .
ولم تكن لهجة السائق في إجابته هادئة . أخذ يصرخ وغدونا على عتبة معركة وربيع عربي .
- رمضان كريم يا أخوان .
قلت ، وتابعت :
- مش محرزة .
وكلمة من هنا وثانية من هناك حتى هدأت المعركة وانتهى ربيع الحافلة .
كانت الأوضاع في الأردن بدأت تتوتر ، " والحق كل الحق على السعودية وقطر ومفتي فلسطين الحاج أمين الحسيني " هتفت في سري ، ولعنت بريطانيا وبلفور واتفاقية سايكس - بيكو.
14 - " غسيل بلا تشحيم " :
غالبا ما ألحظ ،في المعابر ، على الجانب الإسرائيلي ، تغييرات وتصليحات وترميمات . وأحيانا تؤثر هذه قليلا على حركة السفر.
في سفري الأخير ، وأنا عائد من الجانب الأردني
، لاحظت مساحة ربما يبلغ طولها عشرة أمتار وعرضها ستة أمتار . كما لو أن لونها أخضر . كما لو أنها بركة سباحة ماؤها آسن .
هل يريد الإسرائيليون أن يفسحوا المجال للحافلة ، بركابها ، للسباحة ؟
سؤال ساذج .
كان المنظر جديدا ولافتا . وغالبا ما يفاجئنا أبناء العمومة بالجديد ؟ وأتذكر أن دار الإذاعة الإسرائيلية في القرن الماضي كانت تبث برنامجا عنوانه " تحديدات واختراعات " تأتي فيه على اختراعات علماء إسرائيل الجديدة ، وهذه لم تكن في مجال الحمص والفلافل والتبولة وما شابه .
هل اخترعت الدولة العبرية وسيلة جديدة لفحص الحافلات وركابها من خلال بركة سباحة ؟
حين أدهشني المنظر سألت الراكب الجالس إلى جواري فأجابني بأن هذه المياه لغسل بطن الحافلة .
كان لون المياه أخضر وأقرب إلى السواد فتذكرت رواية الروائي عبد الرحمن منيف " أرض السواد ".
هل من رابط ؟
هكذا يفاجئنا أبناء العمومة بالجديد وثمة أيضا وأيضا .
15- " تحسينات .. وأخيرا ربحنا قليلا " :
لم أحص ، من قبل ،كم مرة كنا فيها ، ونحن على المعبر ، نتعرض فيها للتفتيش ، حيث نخلع أحذيتنا ، ونفرغ ما في جيوبنا من نقود ومفاتيح ، و نفك ما على معاصمنا ، كالساعة مثلا ، و ننزع ما في أصابعنا من خواتم أو محابس الزواج / الدبل .
في هذه السفرة لاحظت على الجانب الإسرائيلي/ الفلسطيني نقص عدد المرات واحدة ، إذ اكتفي بأن تمرر جندية إسرائيلية آلة الفحص على الحافلة ، ولم ننزل نحن الركاب لنخضع للتفتيش من خلال المرور بمستطيل فيه جهاز فحص .
ويمكن القول إن هذا حدث أيضا في أثناء العودة قبل دخول نقطة الفحص .
كنا من قبل ما إن نصل إلى الجسر حتى نهبط من الحافلة لبضع دقائق ثم نصعد ثانية . هذه المرة لم يحدث هذا ، وهكذا أعفانا الإسرائيليون من المشقة قليلا .
ولكني أظن أنه تم الأمر على المعبر الأردني حيث خضعنا ، ونحن عائدون ، للمرور عبر جهاز فحص.
رحم الله أبي . كان يعمل سائقا قبل 1967 على خط نابلس - عمان ولم يكن يخضع لهذا كله وكانت الرحلة تستغرق ساعة .
ولكن ماذا نقول عن المشروع الصهيوني وبركاته ؟
يجب إحياء ( ثيودور هرتسل ) لكي يرى مشروعه إلى أين قاد بطله العربي رشيد بك الذي رحب بالمشروع واعتبره خيرا للمنطقة كلها .
حين تزوج رئيس عربي عرف في اليوم التالي أن هناك خلافا حدث بينه وبين زوجته أدى إلى عدم أخذه لها ، وقد عزا المراقبون الأمر إلى المعابر :
" لقد اختلفا على المعابر .

( تمت الزيارة في
1 و 2 حزيران 2018 )






هذا النص

ملف
أدب الرحلة
المشاهدات
118
آخر تحديث

نصوص في : ملفات خاصة

أعلى