ألف ليلة و ليلة عبد السلام بنعبد العالي - «ألف ليلة وليلة».. من نبحث عنه بعيداً.. يقطن قربنا

هذا الكتاب عودة جديدة لصاحب «العين والإبرة» إلى كتاب «الليالي». بعض النقاد ارتأى أنها عودة ترمي إلى إبراز أهمية كتاب «ألف ليلة وليلة» من جديد، وكشف قيمته التي تتمثل في كونه نصًّا فريدًا في الثقافة العربية، بالنظر إلى غناه، وإلى جذوره الممتدة «من الثقافات الإنسانية الأخرى وإليها». هذه الرؤية القيمية الأكسيولوجية والتنجيمية (أي التي تعتمد فكرة التأثير) جعلت أصحاب هذه القراءة يؤوّلون عنوان كتاب كيليطو على أنه تذكير بالأشياء الثمينة التي نمتلكها بين أيدينا، إلا أننا لا نقدّر قيمتها ولا نتبيّنها قربنا، فنذهب إلى البحث عنها بعيدًا في ترجماتها وتأويلاتها عند المستشرقين.
أعتقد أن عبد الفتاح كيليطو بعيد عن هذه الرؤية القيمية والهويّاتية لتاريخ الأدب. فهو لا يهدف إلى أن يثبت أن كتاب «الليالي» اتخذ قيمة كبرى في الثقافة العربية منذ ظهوره، وأننا ضيعناه لنبحث عنه بعيدا. فحتى إن افترضنا عنده تمجيدا لهذا الكتاب، فلن يكون ذلك إلا على طريقة السارد البروستي الذي ينوي تأليف كتاب مطول كألف ليلة وليلة، لكنه، كما يقول «سيكون شيئاً مختلفاً».
يود كيليطو، على عادته، أن يرصد «منطق المعنى» الذي يحكم المخيال الإنساني. من هنا ذلك الطابع المقارن الذي يسم منهج الكتاب بكامله، سعياً وراء الكشف عن المنطق الذي يحكم، ليس المخيال العربي وحده، وإنما مخيال الإنسان بما هو كائن يحيا بالرمز ويتغذى عليه. من هذه الوجهة تتساوى النصوص وتتناصّ فيما بينها، فيصبح «منطق المعنى» الذي تفصح عنه النصوص الأدبية غير بعيد عن ذلك الذي يثوي خلف النص المقدس. من هنا ذلك الانتقال الذي يطبع الكتاب في مجمله، والتردد بين «الليالي» وبين «سفر التكوين»، و«الأوديسة»، وملحمة جلجامش، و«جاك القدري»، و«البحث عن الزمن الضائع»، وقصص الأنبياء، وكتابات بورخيس، و«الكوميديا الإلهية»، بل وحتى القصص المصورة.
لا نقصد بذلك أن الخيال يعمل على النحو نفسه في جميع هذه الأعمال، وإنما هناك تقاطعات وبنيات وأشكال تتردد هنا وهناك، وعلاقات هوية واختلاف بين هذه النصوص، بحيث إن إدراك دلالاتها لا يستقيم من غير التقريب بينها لرصد منطق «الهوية والاختلاف» الذي يتحكم فيها.
لا عجب أن نجد أنفسنا نتنقل بشيء من «القفز والوثب» مع كيليطو من «الليالي» إلى رواية «جاك القدري» لديدرو، إلى «أوجيني غراندي» لبلزاك، ورواية «السّجينة» لمارسيل پروست. ومن بلزاك إلى الإلياذة فالكوميديا الإلهية، من السندباد إلى روبنسون كروزو، ومن رواية ديدرو إلى القصة المؤطرة لألف ليلة وليلة، ومن جلجامش الى شهريار... قد يتردد الكاتب بعض الشيء في بعض الأحيان فيتساءل فيما يتعلق بـ «الكوميديا الإلهية» على سبيل المثال: «لست أدري هل تجوز المقارنة، لكنّي أحس أنّ أشعار دانتي يمكن أن تحمل بعض الإضاءة لحكاية السندباد. فـ «آخر بحار الدنيا» هو إلى حدّ ما البحر المهلك الذي غرقت فيه سفينة أوديسيوس».
منذ ترجمة غالان لـ «الليالي» «بدأ زمان تناسى فيه الرواة بنت زيوس وتعودوا على وضع قولهم تحت رعاية شهرزاد». منذ هذه الترجمة والكتاب ما يفتأ يُقرأ ويستلهم: «يحلم ستاندال أن ينساه حتى يستأنف قراءته بنفس متعة القراءة الأولى، والسارد الپروستي يقرأه «من دون انقطاع». بل إن الكتاب لن يفتأ يترجم، وهو لم يترجم كما تترجم باقي الكتب. بل إن «كلّ مترجم، بحكم مزاجه أو بخضوعه لإرغامات عصره، حاول تقديم نسخة خاصة به، وركز اهتمامه على واحد من أوجه الكتاب المتعدّدة. وهكذا صار عندنا من الليالي بقدر ما عندنا من مترجمين: «لدينا ليالي أنطوان غالان، ليالي جوزيف شارل ماردروس، ليالي روني خوام، ليالي إدوارد وليام لين، ليالي ريشارد بورتون، ليالي رفائيل كانسينوس أسينس، ليالي فرنسيسكو غابرييلي، ليالي إينّو ليتمان، ليالي سلفادور پِينْيا... ».
كان على «الليالي» أن «تنتعش» في كل هذه الترجمات وتبتعد عن الثقافة العربية كي تقترب منها، «إذ ينبغي الافتراق ليتحقّق الاجتماع، تنبغي الخسارة ليتحقّق الربح، ينبغي التيه ليتحقّق الوصول». فهل كان للثقافة العربية أن تذهب بعيداً بحثاً عن كنز، بينما الكنز موجود في البيت؟ ربما، «فللوصول الى الكنز، يجب مغادرة المسكن والتقاط خبر موضعه من مكان آخر. الكنز موجود حقاً في المنزل، في الجوار، لكنّ الخريطة التي تدلّ على محلّه الدّقيق بعيدة ونائية».

هذا النص

ملف
كتاب الليالي : الكتاب الذي لا ينتهي...
المشاهدات
31
آخر تحديث

نصوص في : ملفات خاصة

أعلى