د. أحمد الباسوسي - رحلة السيد العجوز.. قصة قصيرة

حركته في شوارع القاهرة لم تعد مثل زمان، ثقلت، وهنت. عاتقه مثقل بكل ما يحمله على كتفيه من ايام وصراعات وأحداث وأحلام وامنيات تبخرت كما يتبخر الماء المغلي في القدور. أمراض تتآمر على ركبتيه وظهره وعموده الفقري ومعدته. وهنت عضلة القلب، قدرتها وحركتها تباطأت في ضخ الدماء الى اوصاله، انذرته عدة مرات بكوارث لكن الله سلم. انتثرت اخاديد الزمن في خلايا وجهه ورقبته وذراعيه، ضرب الشيب في كل مكان يمكن ان يصل اليه في تفاصيل هيئته التي يصر دوما على الخروج بها الى الناس. أحلام شيابية عظيمة حملته على اجنحتها في عشرينياته، طارت به نحو تغيير العالم والتاريخ، لكنها في النهاية تقزمت لدرجة الانقراض. الآن لم يعد يتبق له من شيء سوى عصى يحجل بها فوق ايامه المتبقية، وابتسامة عريضة مريحة يصدرها للعالم، ابتسامة تكشف بوضوح عن حالة فسيحة من الرضا والتصالح، والانفصال عن عالم الصراع والتشاحن والجدل. لم يعد يملك من عالمه سوى بضعة انفاس مريحه يحمد ربه عليها، وراديو ترانسنوستر مثبت على موجة وحيدة يتيمة وهي موجة اذاعة القرآن الكريم، يظل رحيقها يملأ غرفته البسيطة، يستدفئ وينتشي بتلاوة القرآن طوال الاربعة وعشرون ساعة من دون انقطاع. كذلك بقى له تلك الرحلة التي اعتاد على خوضها مرة وأحيانا مرتين كل اسبوع يطالع فيها شوارع القاهرة، ومحالها وناسها واحاديث الناس. اعتاد ان يحجل متكئا على عصاه الى موقف الحافلات العامة المجاور لمنزله في هدوء وصمت بالغين، وحرص تام على عدم السقوط في الطريق الاسفلتي المترب المرصع بالحفر والمطبات العشوائية المفخخة التي يترصع بها الطريق، ثم يلقى نفسه داخل أحد مقاعد الحافلة العامة بجوار الشباك الزجاجي، يترك حواسه لتعليقات الناس، ومعرفة آخر الأخبار، ومطالعة الشوارع والأحوال والمحال التجارية، كل ذلك من خلال زجاج الحافلة في رحلة الذهاب من موقف الحافلات بالقرب من منزله، الى موقف الحافلات في الجانب الآخر، ثم يظل جالسا في مقعده لايحرك ساكنا في انتظار رحلة عودة الحافلة للموقف الأول لكي يترجل حجلا الى المنزل. اصبحت تقاطيع وجهه الكمثري المضمخ بحمرة الجلد المحروق المكرمش الذي يكشف عن آثار الزمن التأديبية في خلاياه مألوفة لدى الناس في الطريق، وكذلك بدت تلك النظارة الطبية ذات الزجاج السميك الذي يطلقون عليه كعب الكباية والمعلقة بعناية على وجهه ومقفوشة على صيوان اذنيه المفرطحين، والمثبتة بارتياح على ارنبة أنفه الغليظة علامة واشية على حضوره المميز وهيبته واناقته البسيطة، بالاضافة الى التقوس البارز على ظهره والمنسجم مع حركته البطيئة الحجلى في الطريق، اصبح كل ذلك يمثل بالنسبة له علامات والفة وود مميز له لدى غالبية السائقين والكمسارية وكثير من الوجوه التي تستخدم هذا الخط من الحافلات في ذلك التوقيت من النهار. بعد صلاة الظهر مباشرة يظهر هذا السيد العجوز صاحب الشعر القطني الناعم، الذي أهمل تشذيبه وقصه لدرجة تطاير خصلاته متحررة تراقص الهواء وتمنح وجهه الأبيض المريح زخما هائلا من الوسامة والاعتداد بالنفس، اعتاد ان يظهر في هذا العالم وتلك البقعة من الأرض، يمضي في الشارع المتخم بالفوضى والعشوائية والوجوه القبيحة التي تصاحبه خلال رحلته الاسبوعية المعتادة. يمضي في طريقه مصطحبا عصاه وعباءته السمني الخفيفة فوق الجلباب الأبيض ومصطحبا أيضا معه اعوام ثمانون يسير في ظلها، متحررا من كافة القيود والعراقيل التي تحول كل تلك الأشباح التي تترجل حواليه الى كائنات ممسوحة الملامح، غاضبة دائما وليس لديها يقين. الأولاد كبروا، تزوجوا، غابوا في مشاكلهم وقيودهم. لم يعد يكترث كثيرا بحضورهم المؤقت والاحفاد في حياته الحالية، اعتاد زياراتهم الروتينية الباردة. يمنحهم واطفالهم كل الذي يملكه مع كل زيارة، يأخذ بضعة دقائق أو حتى ساعات يتمرغ فيها الأحفاد في حضنه وكفى. غادرته امرأته فجأة ومن دون سابق انذار ذات نهار صعب في أحد ايام الصيف منذ أكثر من عشرين عاما. كان في العمل في هذا الوقت، هاتفه جهاد أصغر الأبناء حينئذ، كان يصرخ مهلوعا " بابا ماما وقعت في المطبخ، موش بتتحرك خالص، مفيش حد في البيت"، انخلع قلبه، طار الى المنزل. المكان مخنوق بالرعب والقلق والناس الذين هرعوا للمساعدة، كانت مسجية على ظهرها بجوار موقد الغاز، الهدوء والراحة بادية على ملامح بشرتها البيضاء المبتسمة، حملوها الى المستشفى القريب، لم تفلح ضربات القلب الهلعة من تغيير النتيجة والقدر، ابلغه الطبيب الشاب الذي وشت ملامحه عن مبلغ كبير من التأثر قبل ان يختفي من امامه سريعا " المدام متوفاة منذ أكثر من ساعتين، واضح انه هبوط مفاجئ وحاد في الدورة الدموية، شد حيلك". رياح تلك الذكرى عندما تزوره تعرقل من حركته وتطفئ وجدانه وعيونه. هذا الذي حصل اليوم اثناء اختراق الاوتوبيس شوارع القاهرة، وانتشار الجلبة والضوضاء حواليه، رياح الذكرى السوداء منعته من التحديق كالمعتاد في الشوارع والناس، بدت الشوارع والارصفة أمام عينيه كأنها خلت من الناس ومن الحياة، بل ان الحافلة ذاتها التي يركبها كأنها لاتتحرك. استسلم لقدره الذي اعتاده. ترك نفسه تسبح في ملكوت الأيام الغائمة، وعطرها الذي يحتويه، هذا هو الشيء الذي بقى له في هذا العالم، مع عصاه، وذلك الراديو الترانسيوستر القديم وصوت اذاعة القرآن الكريم. توقفت الحافلة في الميدان الفسيح، نزل جميع الركاب سواه، صعد آخرون، تغيرت وجوه الناس واسمالهم واصواتهم، ملامح الباعة الجائلين اختلفت واختلف معها بضاعتهم الرخيصة ونداءاتهم لجذب الركاب للشراء، بقت فقط رائحة العرق لم تتغير رغم اختلاف الاجساد. كأن الحركة في الميدان والضوضاء المنبعثة من عشوائية السلوك وعدم انضباط الحركة والناس تمنح زخما للحياة من نوع مميز جدا، كأنها تبعث في الأرواح التي قبضتها الذكريات والأيام السوداء قبلة حياة جديدة لكي تستعيد القها وطبيعتها. كأن ذلك هو ما حدث بالضبط للسيد العجوز سجين المقعد داخل الحافلة العامة. الرجل استفاق على صوت الجلبة وحوارات الناس مع انفسهم، وفي هواتفهم النقالة بصوت مرتفع، ونداء محصل التذاكر له بصوت مرتفع معتقدا ان سمعه ضعيف " تذاكر" ، خرج من غفوته، اعتدل في جلسته مفسحا مكان أوسع للشاب الصغير المنكمش بجواره. دارت السيارة في رحلة العودة، تعلقت معها ابتسامة العجوز المريحة المعتادة، انتفضت خلاياه بتلك الفرحة الداخلية التي تفجرها هذه الابتسامة الرائعة التي تكسو وجهه الرائق، وهدوءه اللافت الذي يكشف عن طبيعة هائلة في السيطرة والتسامي، والارتقاء بعيدا عن ترهات البشر الطبيعيون. الحافلة تمخر عباب الشوارع والصراخ وسباب الناس لبعضهم والوقت الذي يمضي من دون طائل في شوارع ضاقت بكل شيء، لم يعد فيها خرم ابرة، وعرق كثير مسكوب يحتج بقوة على ذلك النهار الصيفي الذي يحتفي بقهر الناس وغليهم داخل قدوره الرهيبة. تثبت بصر العجوز على زجاج الشباك المنفرج قليلا يطالع في رحلة العودة كل شيء، يتأمل كل شيء، يقول لنفسه في وداعة لافتة " لقد تغير الزمن، وتغير الناس وتغيرت الأماكن والأحداث لكني لم اتغير"، التفت الى الشاب الصغير المنكمش جواره سأله عن الساعة؟، اصابع الشاب كانت تعبث في الهاتف النقال وعيون مخزوقة في شاشته المضيئة، أخبره بسرعة وبغير اكتراث أو انفعال " الساعة اربعة ونص ياجدي". تطلع الى وجهه في هدوء وامتنان، صدرت عنه شهقة مريحة تنم عن فرحة وانتصار، قال لنفسه " الحمدلله هالحق صلاة العصر، لسه بدري على المغرب". طريق الحافلة متعسر، الزمن ينفلت، حالة الرضا التي تتملك العجوز تتسع أكثر فأكثر، تكاد ترفع الحافلة على جناحيها وتطير بها حيث شقته القديمة التي تهالكت جدرانها وأثاثها، وكذلك وحدته القديمة، والراديو القديم، وصوت المقرئ الندي المنبعث من اذاعة القرآن الكريم ولا شيء غير ذلك .



تعليقات

هذا النص

ملف
أحمد الباسوسي
المشاهدات
64
التعليقات
1
آخر تحديث

نصوص في : قصة قصيرة

أعلى