عبدالله البقالي - الانشطار ..

كنا -كأطفال- ملزمين بأن نسبح في حدود بركتنا الخاصة، دون محاولة الاقتراب من عالم الكبار الذين كانوا يعتنون كثيرا بتفقد هذه الحدود و رعايتها. و لذلك فكل ما كان يصلنا من الأجواء العليا هي تلك الطامات التي لم يكن في وسعهم حجبها عنا. و لهذا أتذكر تهامس النسوة ذات صيف، و أحاديثهم التي تداولنها بشكل غير عادي و التي كان موضوعها بكاء"عبد القادر المتجبر" أشرس رجل في المنطقة بأسرها. لكني رأيت أيضا أبي يبكي.
لم أكن لأصدق من قبل أن الرجال العتاة لهم دموع. و أنهم يبكون أيضا مثل السبايا. و لا أعتقد أن هناك مشهد مروع أكثر من أن ترى رجلا قويا ينهار أخيرا و يبكي. صحيح أنه حدث يقع في الخارج. لكن حين ترى خطك الدفاعي المتين يكتسح، فلا بد أن يكون معنى ذلك أنك داخل عالم افتقد فيه الأمان. خوف يكبر و يكبر كلما ظلت التساؤلات بدون إجابة. و من ثم يصبح كل شئ مريبا، بما في ذلك تحرك الهواء.
علمنا بعد شهور من ذلك أن العرب انهزموا. و تجليات الهزيمة قرأناها في صمت المدرسين و تلاشي حماسهم. و رأيناها ظلالا قاتمة على وجه المدير. و اكتشفناها عبر تمردنا على دور المستمع الذي التزمنا به طيلة السنين المتوارية. بل و تقدمنا بأسئلة كثيرة . كيف تستطيع قطرة ماء أن تلون محيطا بأكمله؟ ماذا كان ينقصنا؟ و أين تلك البطولات و الشجاعة النادرة التي حفلت بها كتبنا المدرسية و تاريخنا العريق؟
لم يتقدم أحد بالإجابة. و لأن كل من كان يفترض فيه تقديم الإجابة وضع نفسه في وضع غير المعني، فقد انخرطنا بدورنا في ترديد خطابات لم يكن مسموح من قبل في ترديدها. و لذا صرنا نجهر بكون العرب ابتدعوا الصفر لكي يعبدوه. و أنهم اتفقوا على ان لا يتفقوا و ما إلى ذلك من خطابات كانت المؤسسات من قبل تروج عكسها.
خطابات كثيرة كانت تشير إلى أن طريق المجد يقع في الوجهة المغايرة لسيرنا.
ما أذكره جيدا أنه في هذا الظرف كان قد نظم في القرية ورش دولي ضم روادا من الشباب الأوربي نساء و رجالا. وأن جل من في القرية هبوا لاستقبالهم خاصة الشباب. و رغم أن جل المتطوعين الأوربيين كانوا يناهزون العشرين من العمر، فقد أحسسنا - نحن الأطفال- بأننا شيوخ. و اننا في تلك اللحظة و نحن ننظر الى أولئك الوافدين، كنا أشبه بمن قام برحلة إلى المستقبل على طريق أفلام الخيال العلمي. رأينا بشرا بمواصفات مختلفة. خفيف كالريح. وازن كالعلم. متطلع كمارد تخلص فجأة من قمقمه و راح يناطح السماوات. و من جهة أخرى رأينا "الميني جيب" و أولى موجات حركات "الهيبي".
أشياء كثيرة دفعت بنا بشكل أو بآخر لنسائل كل حصيلتنا في الحياة. لا فرق بين ما عاشه الأجداد و ما كنا نعيشه نحن كحاضر الذي كان شبيها في علاقته بالماضي بتلك الرقصة العجيبة التي أداها رواد الورش في الباحة التي تفضي لباب المسجد، حيث شكلوا حلقة متماسكة من الجنسين، و شرعوا في أداء حركاتها على ايقاع رشيق سريع. حركات كانت تكشف ذلك القليل من الجسد الذي ظل مستورا.
كنا مغرقين في انبهارنا و نحن نتابع الرقصة التي كانت نليئة بالحياة و الحيوية، بشكل جعلت كل رقصاتنا توحي بالعنف و الدموية و الاغراق في الماضي البائد.
لم يتقدم احد باعتراض او احتجاج او استفهام. لكننا كأطفال كانت تلك الرقصة آخر عهد لنا برقصة البارود التي كنا نؤدي حركاتها بتفان و شغف غير متناه. و لم نحفل بعدها حتى برقصات الكبار. و بات كل موروث يوحي بالعجز و التقادم و الشيخوخة. و صالار بالإمكان أن تقرأ في كل العيون كيف تحول الناس إلى ما يشبه عقرب بوصلة يشير إلى اتجاه وحيد. الغرب
لكن، هل كانت تلك المكنة و ذلك المخاض في حاجة الى عوامل إضافية كي تنتج المزيد من التصدع و الانشطار؟
  • Like
التفاعلات: علي سيف الرعيني

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى