عبد الجبار الحمدي - مدينة الملح

ما كان حريا به أن يخوض في قيض مدنه التي رام أن يكون سيدها، شارفت رحلته على النهاية بعد ان لفحت وجهه حرارة شمس طمست ظلها بعيدا كي تثير حفيظته التي ما أن تمسك تلابيب ثوبه حتى تمزقه، تكشف ستر العورة التي لا يريد لأحد أن يراها، هكذا اعتاد ان يكون فحل صحراء تتلاعب رمال الكثبان بخصيتيه كي تثيره وقد مل الوحدة كان محيترش أحد أمهر أدلة الصحراء الشباب ببواطن خباياها، رافقها مذ كان والده يسوقه أمامه، يصف له تلك الأنثى التي عافر أن تكون له خليلة أكثر من أمه... المرأة التي شدت عصابتها وهربت عند أهلها بعد اول أشهر من معاشرته فهو رجل لا يطاق جلف فما أن يعود من رحلاته التي كان فيها حتى أهلكها ركوبا وصعودا كأن لا هم له سوى ان يضاجعها كالبهائم، كانت تلك الفترة التي طرح حيمنه محتريش في رحمها الذي تمزق بولادته، ماتت رغم الملاذ البعيد عند أهلها... في تلك المدة رموه بعيدا لكن هناك من تلقاه رأفة به وأوصلوه الى والده رجعان ليأخذه منهم، فهم لا طاقة لهم بلقيط يسود وجوههم ولا حاجة لتربيته وهم أصلا لا يعترفون به او بأبيه... أخذه حيث جدته التي واكبت على رعايته بإرضاعه من الابل.. قوي عوده وشب سريعا.. رافق والده أغلب رحلاته الطويلة التي يغيب فيه كدليل مع القوافل التي تنشد التجاره لأشهر طويلة وتمتدة بعض الأحاين الى سنين أو غزواته الماجنة، مدن صغيرة خبرها محتريش مع والده لكن رحلة واحدة علقت بذاكرته يستعرضها كلما مر بأي مدينة غيرها، إنها المدينة التي اغلب القوافل تتوقف عندها لما فيها من وفرة مياه وبضائع.. تشتهر ايضا بوجود مرسى للسفن التي تجلب الملح من مدن بعيدة لذا سميت بمدينة بالملح، ظهر على أبيهه المرض إلا ان عناده جعله يكابر ويذر كل اوجاهه بوجه رياح سموم تشقق جيوب رحم الألم، كانت تلك المدينة هي التي قَصَهُ والده عنها بأنه يتمنى أن يموت فيها بعيدا عن خيام ألفها خشنة وبيوت شعر طالما نتفتها الرمال وأطاحت بشعرها حتى أصلعت وكشفت عورة من يختبئون بين دلة وهرج لا طائل منه، بيوت جعلت من الشيخ أميرا و واليا وهو أشبه بتيس، همسه معمعة يهرج به يلوكه مثلما تأكل التيوس نواة التمر اليابس، تشتاق نفسه إن طمع بالتغيير الى غزوة أو صيد ضب او حبارى أهلكها الحر فسقطت ميتة قبل ان يصطادها... كلاب الصيد هي من تجوب الأماكن الصعبة أما هو فيسير فارسا وخلفه من يسايرونه طمعا في ثريد او عطاء متيبس، هذا لا يعني يا محيترش أنه لا يوجد رجال ذوي نخوة و صولات بلى يوجد لكنهم رحلوا بعد ان ملوا الحياة التي تجبرهم أن يكونوا قطاع طرق او مدافعين لغزاة مثله... حياة صعبة الرجال فيها أشد قسوة وجلافة، اما النسوان فلا هم لهن سوى الرعي او الطبخ والنوم بالفراش تالي الليل... أنت يا محيرتش محظوظ يا وليدي يمكنك ان تبقى في هذه المدينة تتعلم وتكون من اصحاب المال فإذا رغبت دليتك على من يعينك وتعمل معاه في كاره، هو صديق لي منذ سنين طوال وانا في كل رحلة اكون فيها في هذه المدينة ازوره واخبي عنده بعض الدنانير التي أحصلها من السفر، علم محيترش بفراسته أن سقطة أبوه ستكون نهايته لاشك، فملك الموت حط رحله عند راسه ولابد يأخذه معاه، فقال له: عين خير يبا أنا معاك في كل الذي قلته، لكن أول شي خلي ناخذك للعارف او العارفة حتى يطببوك وبعدين نشوف...
أيام قليلة كان محيترش قد وارى والده في المكان الذي قال له عنه بأن يدفنه فيه، ثم ذهب الى العمل مع صديق والده... لم يحزن على شيء تركه وراءه فليس هناك من يحن له حتى جدته التي إن شعر بالحنين لحضنها تذكر غربته بين تلك العشيرة التي طرحته بعيدا وتركوه مع جدته في اطراف بيوت الشعر التي نتفها الجفاف والقحط، كان صاحب القافلة التي صحبها والده قد غاب لفترة حيث مدن قريبة عن مدينة الملح ولما عاد من بيع بضاعته جاء الى محيترش كي يكون دليله في طريق العودة بعدما علم أن رجعان قد مات وذاك كان وعد والده لم يخبره عنه، مما حدا بمحيترش الى الرفض والعراك غير ان صديق والده أباح له بالحقيقة وأنه كان شاهدا على وعده حيث قال... إن تكن الحياة قد فارقتني محيترش سيعود بك، كون هذه رحلة التاجر الأولى الى مدينة الملح وقد دفع لوالدك يا محيترش الضعف...
راغ محيترش بعد ان تنعم بالثياب والطعام والبيئة فقال: سأرد لك ما اعطيت لوالدي هو وعدك وقد مات ,انا في حل من وعده لك فأنا لم أكن حاضرا بينكما عندما وعدك.. غير أن صديق والده قال له: هذا ليس من شيمة تربية والدك فلا تجعله يزعل عليك او تسيء له بعد موته، لزاما عليك ان تعود مع التاجر وكن مطمئن حلالك ومكانك مضمون عندما تعود بالسلامة إن شاء الله، ولا تظن الناس ما تعرف او ما تسمع فالرجل كلمة وسمعة و والدك اعطى كلمته عليك تنفيذها وطاعته حتى يبقى أسمه وأسمك مثل الليرة الذهب..
محيترش شاب خبر الصحراء ولهيب رمالها مثل اي دليل غير أنه اشترط ان يكون السير من بعد الغروب حتى الفجر رغم أن الليل خطر ولا يخلو من الذئاب او قطاع الطرق وسلابة القوافل لكنه بذلك يضمن للتاجر ومن معه لهم الآمان ولبضائعهم، خاصة أن أكثر الجمال بطيئة في السير وهي تحمل الملح، وافق التاجر ومن معه إلا ان من رافقوهم لم يكونوا موافقين وخروجهم كان للصحبة والأمان فلا حيلة لهم خاصة أنهم عرفوا محيترش رجل الصحراء والدليل الذي يعلم السير بطرق مختصرة حتى لو في هندس الليل، غلب على التاجر المشقة والتأخير فقال الى محيترش وهو في خلوة معه.. يا محيترش إن سيرنا لنصف يوم لا تكفي ستكون المدة أطول والمونة تكاد تخلص ومثلك عارف لنا عوائل ومعنا بعض النساء ايضا وهناك رجال ملوا وأخذوا يتذمرون ويطالبون ان يسيروا حتى في النهار ويطلبون منك وانا معاهم ان نستريح لبعض الوقت للضرورة في الامان التي تعينها فأنت خبرت الصحراء ودروبها يا محيترش يا ولدي لقد خرجنا ولا نعلم اين نحن يدخلنا ليل ويطلع علينا ليل، والنهار الذي نجلس فيه لا شغل ولا عمل بس هذرة وأكل وشرب وهذا ينقص من المونة خلي نتحرك ليل مع نهار ابرك لنا وانت ابصر بعد يا ولدي الله يرحم والدك كان ذيب ولا يخاف الصحراء ويعرف شلون يطوع المسافة ويخليها قصيرة..
دار حيث رغبتهم وسار بهم كما رغبوا، يَجِد في السير حتى تذمروا لعدم التوقف أو الراحة إلا لساعات قليلة لكنهم لم يجرؤا على البوح فهذا كان طلبهم، الغريب أنه طول الرحلة لم يجالس أيا منهم حتى مأكله ومشربه لوحده لا يرونه نائما ابدا حتى وإن نام كانت عيناه مفتوحة يبصر بها رغم كثرة الغبار يلوذ بهضبة التلال يراعي الجمال اكثر من اصحابه وعندما يسألونه يقول لهم: لولاها كنا متنا من زمان عليها الماء والحلال وفيها اللبن كان بعيره قريب إلى نفسه فهو ورثه عن والده، استغربوا كثيرا عندما يسمعونه يحدثه ويقول له: شور علي أمشي ولا اتوقف... والاغرب ان البعير يجوابه كأنه يفهم ما قال له
وصلوا بعد ان شارفت مؤنتهم على الإنتهاء فرحوا بالسلامة شكروا الله وشكروا محيتريش الذي ما ان وصل حتى قال: بعد ثلاث ليال راج ارجع اللي يحب يسافر معاي في الذهاب فقط انا حاضر لكن لا وعد عندي في الرجعة لقد قررت ان اعيش في مدينة الملح عمري كله..
ذهب الى جدته التي كحلت عيونها في شوفته وقالت له: وين ابوك فأخبرها عنه فحزنت ساعتها وصرخت وطاحت دون ان تقوم، ماتت فصاح لا حول الله كأنك يا جدة تنتظرين تموتين وادفنك مثل ابوي لا حول ولا قوة إلا بالله... مرت الليالي الثلاث وهو في كمد وحزن فقد كل من له صلة في هذه الدنيا أمه و والدة واخرهم جدته، لم ينتظر أكثر فما ان انتهى العزاء حتى ركب بعيره وقد لحق به بعض ممن رغبوا السفر معه حيث مدينة الملح، يعرف اغلبهم لكن القليل كان لأول مرة يراهم، يجرف الصحراء جريا كأنه يحدثها بأن هذه رحلته الاخيرة التي لا يراها بعد فيها وهذا وعد منه، ستكونين مجرد ذكرى أعيشها او اقصها على من يسألني عنك، سأغتسل كل يوم في مدينة الملح التي احببت، سأعيد صياغة حياتي، اقسم لك أن افضل ما ترك لي أبوي هو ان قادني حيث مدينة الملح، مات وترك لك الإرث الذي احلم به بعيد عن تلك الضباع أجلاف الصحراء وقطاع الطرق تلك الصحاري التي ما ان تجوبها حتى تشعر أنك حيوان ارتاد العيش على السلب والنهب، الريادة فيها للجهلاء وهم الذين يأمرون وينهون... صعب ان تعيش في مأمن من غدر او خيانة أو دسيسة، الفقير فيها فقير دائما وذليل... سأبني لنفسي اسما مثل السندباد العراقي سأكون تاجرا في مجالات البحر حيث مدن أخرى لا أخاديد فيها ولا تيه..
دلف البعض إليه وقد رغبوا ان يكون معهم في جلسة سمر مساء، فرأوه سارحا يشم النسيم وهو يحدث نفسه هاهي ريحك يا مدينة الملح اشمها لقد عدت إليك بإذن الله يومين وليلة اكون في حضنك وضيافتك وأول شي افعله ازور قبر والدي اشكره على ما تركه لي فيك.. جفل ويده على زناد البندقية لكنهم ردوا على كيفك يا محيترش جئناك نطلبك تجلس معنا للتسامر؟ لم يرغب لكنه وافق فما أن قام حتى طعنه أحدهم وهو يصيح... هذا ثار أختي من ابوك المعفن يا محيترش سلبها وعافها ثم تركها لين ماتت يوم ولدتك...
مات ولم يعلم محيترش ان والدته كانت سبية من أحد الغزوات التي شارك والده فيها واخذها غصبا حتى هربت منه دون علمه بعد أن عادت حيث اهلها وماتت بينهم وهي تلده ثم رموا به الى الصحراء لكم هناك من رحم به واوصله حيث والده الغاصب.
القاص والكاتب
عبد الجبارالحمدي

هذا النص

ملف
القاص والكاتب/ عبد الجبار الحمدي
المشاهدات
81
آخر تحديث

نصوص في : قصة قصيرة

أعلى