أمل الكردفاني- مشكلة عويصة- مسرحية من مشهد واحد

المنظر:

مساحة خالية، خلفها عشرة دورات (مياه وحمام مدمجين) بطول وعرض لا يتجاوز متر ونصف في مترين لكل دورة..مفصولة بجدران قصيرة.


(يفتح الستار عن ظهر رجل ينظر داخل إحدى دورات المياه..يدور وهو يسد أنفه بقرف..فيظهر مرتديا بنطلوناً وقميصاً وربطة عنق....والرجل هو مدير جامعة حكومية.
المدير: إففففيييييي...الغائط موزع في كل مكان داخل دورة المياه...والبول كمستنقعات الأمطار..حذائي الجديد..(يقول بفزع) حذائي الجديد تعفن...(يرفع رجليه واحدة تلو الأخرى وينظر إلى حذائية كراقص) ستمائة دولار ضاعت بكل سهولة...هكذا بلا سبب سوى بلاهة هؤلاء الطلبة..(يصرخ) كراااار..كرااار..
(يدخل كرار مفزوع الوجه وهو عجوز يرتدي بدلة صيفية قديمة ومرقعة) أين الكلب المسؤول عن تنظيف الحمامات؟
كرار: (ينبح بخجل) هوهوهو
المدير: وما دمت أنت الكلب..فلماذا تترك الحمامات هكذا..
كرار: سيدي..لقد تعبت يا سيدي..إنها لا تنظف أبداً.. لقد أصبحت أعود للمنزل ورائحة هذه الحمامات تتبع أنفي..في الشارع..في الباص..في المنزل..وأنا آكل..وأنا أشرب...وحتى..وحتى وأنا..وأنا مع زوجتي..(بألم) لقد تعبت تعبت..
المدير: إذاً فلتبحث عن عمل آخر..سآمر شؤون الموظفين بتسريحك..
كرار: لن تستطيع تسريحي يا سيدي..
المدير: (تتسع عيناه بغضب) ماذا تقول؟
كرار: أقول..لن تستطيع تسريحي يا سيدي...
المدير: (يصرخ) مدير شؤون الموظفين..صبحي..أنت يا صبحي.. تعال بسرعة..(يدخل مدير شؤون الموظفين بفزع).. سرح هذا الكلب فوراً..فوراً..وإلا فلتسرح نفسك قبله إن لم تفعل..
صبحي: سيدي... لن أستطيع تسريحه يا سيدى..
المدير: (بغضب متزايد) ماذا تقول؟
صبحي: سأخبرك يا سيدي..لقد سرحناه بالفعل ثلاثاً وعشرين مرة..ومع ذلك فلا نجد بديلاً له..كل من يعمل..يعمل ليومين أو ثلاثة ثم يهرب وهو يسد أنفه...
المدير: ولماذا يهرب؟
صبحي: لأنه لا يتحمل كل هذه العفونة يا سيدي..
كرار: أنا أيضاً لا أتحملها يا سيدي..لكنني كبرت في السن ولا أجد عملاً غير التنظيف..لكنني أنظف من هنا وهم يتغوطون ويتبولون من هنا...
صبحي: هذه الداخلية تعاني يا سيدي من الطلاب الجدد...إنهم يأتون من الأرياف حيث لا مراحيض..هناك هم معتادون على التغوط في العراء...ولذلك هنا لا يعرفون كيف يستخدمون هذه الحمامات...
المدير: اللعنة...حاولوا تعليمهم..حاولوا فعل شيء... إن هذا أسوأ يوم لي..فقد مررت متفقداً الداخليات...ذكوراً وإناثاً...إنني لأول مرة أعرف أن الإنسان يمكن أن يخرج من جسده كل تلك العفونة... أنظر..أنظر هذا غائط وهذا وهذا.. أنظر إلى القطن المحشو بالدماء...أنظر لهذه البرك البوليه..اللعنة... إن العمل في الجامعات الحكومية مهزلة كبرى...بعد أن عدت من الخارج طلبوا مني إدارة جامعة خاصة..بها أولاد الأغنياء لكنني رفضت رغم المال الكثير..لأنهم يقولون كذباً بأن الجامعات الحكومية معترف بقيمتها الأكاديمية أكثر في دول العالم الأخرى..لكن ما رأيته غير صحيح..هذه الجامعات تحولت لمراتع للمخدرات وتجارة الجنس والعفن..(يصمت ويستجمع أنفاسه) حسن..علينا أن نعلمهم كيف يستخدموا كل هذه الحمامات...كيف يتغوطوا داخل فتحة المرحاض تماماً بدلا عن التغوط في أركان الحمامات..ثم يغتسلوا وينظفوا أيديهم بالماء بدلا عن مسحها في الحائط..ومسح مؤخراتهم بالحجارة..(ينظر تحت قدمه) يااالهول (ينحني) أنظر..أنظر..يااا للهول...(ينحني كرار وصبحي) هل رأيتما هذا؟
كرار وصبحي: نعم سيدي..مقرف جداً..
المدير: هذه بقايا رأس جنين...(يمسك بطنه بألم) سأتقيأ..سأتقيأ (يسنده صبحي وكرار)..
صبحي: هون عليك يا سيدي .. دعنا نخرج للهواء النظيف..
المدير: (يغطي فمه بمنديله)..لا لا لا.. لابد أن احسم ذلك...والآن فوراً...أدع لي جلال عميد البيئة هنا.. هيا بسرعة (يخرج كرار).. (يهمس وهو ينظر لصبحي) ألم تجد حقاً عامل نظافة غيره؟
صبحي: اقسم لك لقد جئنا بأكثر من عشرين عامل ولم يتحمل أحدهم البقاء يوماً واحداً.. وأنت تعرف أنه لا شيء يغري في هذا العمل فحتى مرتبات العاملين في الجامعات الحكومية هزيلة ..بل بل تكاد تكون مضحكة...
المدير: صحيح..صحيح..
(يعود صبحي ومعه جلال مدير إدارة البيئة)
المدير: جلال...هل هذه بيئة يا جلال..؟
جلال: نعم أعرف ذلك..لكنني لست مختصاً بهذا النوع من البيئة..أنا عميد البيئة الثقافية يا سيدي..
المدير: وهل هذه بيئة ثقافية جيدة يا جلال؟
جلال: لم أفهم...
المدير: الثقافة يا جلال .. ماذا تعني؟
جلال: أقسم لك أنني لا اعرف يا سيدي ماهي الثقافة...وربما لا أحد يعرف هنا...
المدير: لن تكون هناك بيئة ثقافية مع كل هذا الغائط والبول يا جلال.. الثقافة كلٌّ متكامل..(وهو يغطي أنفه)..
جلال: أي ثقافة يا سيدي..إن هؤلاء الطلبة يأتون من القرى القصية ولا يستطيعون التكيف مع العصر الحديث...أنا شخصياً لم أعتد على العصر إلا بعد أن عشتُ في الخارج لسنوات...السنة الماضية سافرت ودخلت إلى دورة المياه..حاولت غسل يدي في حوض الغسيل لكنني لم أعرف كيف يفتح الصنبور حتى جاء طفل ووضع يده تحت الحنفية فانسابت المياه لوحدها..جربت ذلك فوضعت يدي لأجد المياه تنساب وتبلل كفي كلما وضعت كفي تحت الصنبور....جربت ذلك أربع مرات وكان الطفل ينظر لي بدهشة ثم سألني: لماذا تفعل ذلك يا عمو... اجبته لأن الماء ساخن، فجاء وأدار جزءً من الصنبور ناحية اليسار فإذا بالمياه تنساب كالثلج...علينا ألا نضحك من بؤس واقعنا يا سيدي...فهذا حظنا..
المدير: لا لا لا...لا اؤمن بالحظ..أؤمن بالعمل..بالتغيير ..العمل الجاد ولا شيء غير العمل (يغمض عينيه ويرفع سبابته لأعلى ويخطب كمرشح انتخابي) إن الشعوب التي قفزت إلى الأمام قفزت لأنها كانت تريد القفز..(يقفز فيقفز صبحي وكرار وجلال مقلدين إياه)..كانوا أفقر منا..أغبى منا وأكثر جهلا وعفونة منا ..لكنهم فجأة(يبسط كفيه وبطنيهما للجمهور ويرجع رأسه إلى الوراء ويوسع من حدقتيه فيقلده الثلاثة) فجأة قالوا: لا..يجب أن نتوقف هنا ..يجب أن نتغير...يجب أن نتطور..يجب أن نتقدم...يجب أن نقوم بقفزة واااسعة (يقفز فيقلده الثلاثة) .. هل تعلمون كيف حدث هذا (يرفع ذراعيه فيجتمع الثلاثة داخلهما ويهمس) بالعمل..(بسرعة) العمل ولا شي غير العمل إلا من اجل العمل عبر العمل..(يحاول الثلاثة ترديد كلامه بصوت خفيض ولكنهم يفشلون)..العمل يا سادة يا كرام...وليس البحث عن حلول ثم ايجادها ثم العمل...لا....(بسرعة)...العمل أولاً والعمل ينتج حلوله الذاتية...(ينزل ذراعيه ويقول بجديه) علينا أن نعلم هؤلاء الطلبة الريفيين كيف يستخدمون دورة المياه...وسيكون هذا الدور ملقى علينا جميعا...هل فهمتهم...
جلال: أتفق معك يا سيدي..ولكن..(يتردد)..
المدير: ولكن ماذا؟
جلال: هل تعلم أن عدد طلاب هذه السنة فقط قرابة عشرين ألف طالب في الكليات المختلفة..
المدير: ماذا؟؟
جلال: نعم سيدي..هم عشرون ألف طالب..
صبحي: ثلاثة وعشرون ألفاً وخمسمائة واربعة وستين طالبا بالتحديد يا سيدي..
المدير: ياااللهول...
جلال: على فكرة...نحن اقل الجامعات من حيث عدد الطلاب..
المدير: وهل يتخرجون كلهم؟
جلال: غالبيتهم يا سيدي..ومن لا يتخرج يعود بعد سنوات لإكمال دراسته..كلهم يعودون..
المدير: (بدهشة) حتى من يموتون..
جلال: من يموتون قلة..نستطيع أن نقتلهم إن أحببت سيدي..
المدير: وأين سيجدون عملاً بعد التخرج؟
صبحي: إنهم لا يجدون عملاً في الغالب يا سيدي...
المدير: ولماذا يدرسون إذاً..
جلال: ليجدوا عملاً سيدي..
المدير: ولكنهم لا يجدون عملاً..
صبحي: غالبا لا يجدون عملاً..
المدير: ولماذا يهدرون أعمارهم في التعليم؟
جلال: إنهم غالباً ما يكونون مزارعين ورعاة..ولديهم طموحات بأن يصبحوا أفندية... أي موظفين في الحكومة..
المدير: وهل يحدث ذلك؟
جلال: غالباً لا يا سيدي..
المدير: إنهم يتركون مناطق الإنتاج ليصبحوا عالة على الدولة..
صبحي: الدولة لا تمنحهم شيئاً يا سيدي..
المدير: وكيف يعيشون إذاً؟
صبحي: أهلهم يرسلون لهم القليل من المال...
المدير: ولماذا لا يعودون إلى قراهم ليصبحوا منتجين؟
جلال: لأن هذا سيشعرهم بالخزي والعار...لقد سافرت قبل سنوات إلى الغرب..عانيت هناك معاناة مريرة..العديد من أصدقائي فضلوا الموت بالجوع والبرد على العودة بسبب شعورهم بالعار لو عادوا بلا مال..
المدير: ولكنهم سيموتون إن لم يعودوا؟
جلال: هذه مسألة كرامة يا سيدي..
المدير: اللعنة على الكرامة...(يعقد يديه خلف ظهره ويتأمل أمامه حيث الفراغ لبرهة) وما الحل إذن... علينا أن نجد طريقة لتعليمهم كيفية التعامل مع دورات المياه...
صبحي: ألا يمكننا أن نستعين بالجيش يا سيدي؟ عددهم كبير؟
المدير: فكرة ألمعية..(يخرج هاتفه ويتصل) ألو... ألو...سيدي اللواء ابو جرادل.. أخبارك يا رجل...الحمد لله كل الامور طيبة.. أستسمحك في خدمة بسيطة يا صديقي...نعم نعم...أريد عددا كبيراً من رجال الجيش..لا لا .. أكبر من ذلك...لا لا لا يوجد غزو أجنبي..لكن..لكنني (يهمس) كم هو مخجل أن أحكي لك السبب.. حسنٌ... تعرف أن أغلب طلاب جامعتي من القرى وهم لا يستطيعون التعامل مع دورات المياه.. لقد..لقد فكرت أن تبعث لي بألف جندي لتعليمهم ذلك...أنت موافق...(يقهقه بتكلف) حسنٌ حسنٌ سأجرب بعشرة جنود حتى يتوفر العدد بعد اسبوعين... حسنٌ... متى سيشرِّفون الجامعة؟ الآن وفورا (بغتباط متكلف) رائع رائع أنا في انتظارهم (ترتجف يداه وهو يحاول الإمساك بهاتفه عندما تفزعه ضربات عشرة جنود بأقدامهم على الأرض ثم يستعيد استقرار هاتفه ويتحدث بفزع) لقد وصلوا بالفعل كالشياطين..اقصد..عفوك سيدي..لم أقصد ولكنهم أفزعوني...حسنا أشكرك..إلى اللقاء..(يضع هاتفه في جيب قميصه ويواجه الجنود) هل تعرفون الغرض من حضوركم إلى هنا..
الجنود بصوت واحد: لا...(يضربون بأقدامهم على الأرض فيقفز المدير فزعاً)
المدير: حسن.. ستعلمون الأولاد هنا كيف يستعملون دورات المياه ...
الجنود: حسنٌ (يضربون بأقدامهم الأرض فيقفز المدير فزعاً)..
المدير: (يلتفت إلى كرار) انده على عشرة طلبة بسرعة..(يخرج كرار فيخاطب المدير صبحي وجلال بفخر) هل عرفتم يا سادة أهمية التفكير..
صبحي: (يلتفت ناحية الجمهور بدهشة ويهمس) ولكنها فكرتي أنا...
(يدخل عشرة طلاب سبعة ذكور وثلاثة إناث تبدو وجوههم شاحبة ومرهقة وملابسهم رثة)
المدير: اللعنة..رائحتكم أعفن من دورات المياه...(لا يردون بسبب التعب)..(يتجه إلى الجنود) علموهم كيف يستخدمون دورات المياه..
(يتجه كل جندي وطالب إلى دورة مياه..يقوم كل جندي وطالب بالتباحث حول تشغيل الصابير والسايفون...أحد الجنود يدير مفتاحا فيهبط ماء الدش فوق رأسه..احد الشرطة ينزل سكينة المرحاض فيهرب عندما يسمع صوت انهمار المياه..)
جندي١: اللعنة...
جندي٢: هناك شياطين في هذا المكان..
جندي٣: لماذا كل هذه التعقيدات..
جندي٤: نحن نتغوط في الخلاء بدون حاجة لكل هذه التفاهات والخزعبلات..
المدير: (بفزع) اللعنة..حتى الجنود لا يعرفون كيفية التعامل مع دورات المياه (يوجه حديث للجنود) انصرفوا..انصرفوا..
الجنود: (يضربون أقدامهم بالأرض فيفزع المدير).. للخلف دُر....(يغادروا)
المدير: (يتجه نحو الطلاب) غادروا..
(يغادر الطلاب)..
جلال: يبدو أنه لا أحد في هذا البلد يعرف كيف يتعامل مع درات المياه سوى قلة قليلة يا سيدي..
المدير: وماذا نفعل يا جلال...ماذا نفعل يا صبحي..ماذا نفعل يا كرار...
جلال: لا أعرف يا سيدي..
صبحي: ولا انا..
كرار: سيدي...إن عندي الحل المناسب...
المدير: (بلهفة) عجل لي به يا كرار...بسرعة بسرعة...
كرار: هل تعرف يا سيدي أن مساحة هذه الحمامات كبيرة جداً..
المدير: نعم أعرف ذلك..إنها لكل الداخليات...ولذلك هي كبيرة المساحة..
كرار: ما عليك يا سيدي سوى أن تهدمها..
المدير: (باستنكار) ماذا؟ أهدمها..
كرار: نعم يا سيدي..اتركها أرضاً بلقعاً..ليس فيها سوى الخراب...تراباً وحجارة وحصي...وقل للطلبة جميعهم أن عليهم بعد أن يتغوطوا دفن غائطهم خلفهم...هم يعرفون ذلك مسبقاً ولكن من باب التأكيد.. لا حل امامك سوى هذا يا سيدي..
المدير: اللعنة .. رغم أنها فكرة تبدو بلهاء جداً..لكن..لكنها في الواقع تتماشى مع ثقافة الطلاب بالفعل...
جلال: إنها فكرة عظيمة يا سيدي...
صبحي: أُثمِّن على فكرة كرار يا سيدي..
المدير: إذاً..نادوا على الطلبة...(يدخل الطلبة على الفور) اسمعوا يا أولادي...لقد فكرت كثيراً جداً في مشكلتكم مع دورات المياه هذه..ويبدو أنني قد وجدت الحل...نعم..لقد وجدت الحل .. وهو حل عبقري ألمعي..
كرار: (يلتفت نحو الجمهور ويهمس بدهشة) ولكنني أنا من فكرت فيه..
المدير: إن الحل الذي توصلت إليه يا أبنائي الأعزاء .. هو هدم هذه الحمامات... سوف تكون خلاء بلقعاً..كل المطلوب منكم فقط..هو أمرين..الأمر الأول: هو هدم هذه الحمامات السخيفة بأنفسكم..والأمر الثاني هو أن تدفنوا غائطكم بعد أن تتغوطوا...هل فهمتم؟..
الطلبة:(يقفز الطلبة بسعادة وبهجة) هييييييه....هييييه...يعيش المدير يعيش المدير يعيش المدير...(يبتسم المدير محاولاً إخفاء تواضع مفتعل..فيرفعه الطلبة على أكتافهم وهم يهتفون) يعيش المدير يعيش المدير يعيش المدير...(يخرجون من المسرح أثناء هتافهم)

(ستار)

هذا النص

ملف
أمل الكردفاني
المشاهدات
44
آخر تحديث

نصوص في : مسرح

أعلى