عمار نعمه جابر - مسرحية غَيّ..

الاول : ربما يكون تعليقها هنا ، غير موفق سيدي !
الثاني : على العكس تماما ، هذا هو اكثر مكان بارز على الجدار .
الاول : ولكن ! ربما لو وضعت هناك ، في ذلك الاتجاه ، ستبدو اكثر تأثيرا .
الثاني : كلا ، أبدا ، هذا المكان اكثر الأمكنة تأثيرا .
الاول : طيب ، ربما لو وضعت هناك ، في ذلك الاتجاه ، ستبدو اكثر إقناعا .
الثاني : كلا ، هذا المكان ،هو الأكثر إقناعا .
الاول : ولكن ، ماذا لو وضعت ، هناك في الاعلى ، هناك ستكون عالية ، فوق الجميع ، وستكون أكثر سلطة يا سيدي .
الثاني : ليس كل الأمكنة المرتفعة ، قد تمثل سلطة .
الاول : وماذا لو .. ( يقاطعه الثاني )
الثاني : ( بحدّة ) اسمع ، هذا هو المكان ، الذي يجب أن تعلق فيه الايقونة المقدسة ، وليس مكان آخر ، أرجو أن يكون ذلك واضحا تماما .
الاول : تحت أمرك يا سيدي ، أنا تحت أمرك .
الثاني : حسنا ، ثبّتها جيدا على الجدار .
الأول : سأثبتها بما أملك من قوة سيدي .
الثاني : ( بتأكيد ) بل ثبتها بما يضمن لها ، أن تبقى معلقة على الجدار ، لثمانمائة عام أخرى .
الأول : ولكن يا سيدي ، هذا رقم كبير جدا ، زمن طويل للغاية !
الثاني : لو كنت أستطيع أن أثبتها في مكانها لألفي عام أخرى لفعلت ، ولكن هذا صعب للغاية .
الأول : ألفي عام !
الثاني : نعم ، يجب أن لا تهتز من مكانها ، يجب أن تبقى راسخة ، ثابتة ، تهز وجدان الجميع .
الأول : ماذا لو تخلخلت عن مكانها قبل الثمانمائة عام .
الثاني : كارثة !
الأول : ربما ، سيكون هناك من يأتي لترميمها وإصلاحها ، وربما يُحدث التغيير المناسب عليها.
الثاني : ماذا تقول انت ! أنت لا تعي عن أي شيء تتحدث !
الأول : أنا أسف سيدي ، لم أقصد الإهانة ابدا .
الثاني : نحن نريد للأيقونة المقدسة ، ان تكون ثابتة لا تتغير ، لا نريد لأي شخص أن يتلاعب بها .
الأول : ولكن قد يصلحها بشكل احترافي ، كما صنعتم أنتم هذه المرة ، وتصبح افضل .
الثاني : الكمال في هذه الايقونة ، إنها صورة الرب الذي لا يتغير ، صورة الكامل الذي لا نقص فيه .
الأول : قد تكون هناك أفكار جديدة ، وأساليب جديدة ، وقد تظهر مفاهيم جديدة .
الثاني : جميعها ستشوهها ، ستحدث فيها فعلا ناقصا ، ينبع من ذات صغيرة وتافهة .
الأول : ارجوك سيدي ، ولكني أرى أنها مجرد لوحة ، لوحة فيها خطوط ، قام احدهم بتشكيلها ، لوحة فيها ألوان بعضها باهت ، سيدي حتما سيأتي بعدنا من يحدث فيها ، تغيير ، ثورة ، انعطافة في الفهم ، ارجوك ، العالم في العادة لا يتوقف عند شكل واحد ، اقترحه أحدهم ، في وقت ما ، وفي حالة ما !
الثاني : ويحك ، هل جننت ! ماذا تقول ، هل انت مدرك لكل هذا الهراء الذي تتحدث به !
الاول : عفوا سيدي ، أنا لا أقصد الاهانة ، ولكن احاول ان اطرح رأي فقط .
الثاني : رأي جاحد وكافر ، لا ، بل قنبلة موقوته ، قنبلة نووية ، صاروخ عابر للقارات .
الاول : ولكن أنا ..
الثاني : ماذا أنت ، ها ، ماذا انت ؟
الاول : احاول ان أقول ، أن هذه اللوحة… ( يقاطعه الثاني )
الثاني : أيقونة ، هذه أيقونة مقدسة ، هذه صورة الرب ، هذه الطريق والسبيل ، الهدى والنور ، البوصلة والشراع ..
الاول : انها مجرد لوحة ، تشبه آلاف اللوحات في الارض !
الثاني : انها ليست مجرد لوحة ، انها الايقونة المقدسة ، معلقة على أقدس جدار ، في أقدس مكان على وجه الأرض ، هل تفهم كلامي ؟
الاول : نعم أفهم كلامك ، ولكن ..
الثاني : أنت لا تدري حجم ما تقول ، انت تشك بكل الرسل .
الاول : أنا !
الثاني : أنت تشك بالكتاب المقدس .
الاول : أنا !
الثاني : أنت تشك في الله .
الاول : يا سبحان الله !
الثاني : سيكون مصيرك الجحيم .
الاول : لماذا الجحيم ، لأنني قلت أنه قد يجئ في يوم ما ، من يرمم هذه اللوحة ..
الثاني : قلت لك أيقونة مقدسة ، وليست لوحة ..
الاول : هذه الايقونة ، لا شك أنها بحاجة الى تغيير ، وترميم ، وتحديث ، هكذا تجري كل الاشياء .
الثاني : الا الرب ، ثابت لا يتغير .
الاول : نعم يا سيدي ، الرب ثابت لا يتغير ، ما يجب أن يتغير هو صورته في اذهاننا .
الثاني : قلت لك اترك هذا الحديث ، هل تفهم ؟
الاول : ( يتحرك ) حسنا ، حسنا ، لا تغضب يا سيدي ، أنا أعتذر لك ، سامحني .
الثاني : ( يتحرك ) حسنا ، هل ثبّتّ الايقونة جيدا ؟
الاول : ربما ستبقى ثابتة ، على هذا الجدار ، لمئات السنين . لن تتحرك .
الثاني : حسنا ، تبدو غير مستوية .
الاول : الى اليمين أم الى الشمال ؟
الثاني : الى الشمال .
الاول : تميل الى الشمال ؟
الثاني : ( يتحرك ) لا ، انتظر ، إنها تميل الى اليمين .
الاول : الى اليمين .
الثاني : ( يتحرك ) توقف ، ارى انها تميل كثيرا للشمال .
الاول : سيدي ارجوك ، حدد في اي اتجاه تميل !
الثاني : لا ادري ماذا اقول لك ، عندما اقف في الشمال ، اراها تميل لليمين ، وعندما أقف في اليمين ، اراها تميل للشمال .
الاول : هذا ما يجري في العادة ، تميل الاشياء ، بحسب مكان وقوفنا .
الثاني : وماذا سنفعل حيال ذلك برأيك ؟
الاول : علينا جميعا أن نقف ، تماما ، في المنتصف ، لتبدو الامور على حقيقتها .
الثاني : ماذا تقصد بهذا الكلام !
الاول : لا اقصد شيئا ، أقصد هذه اللوحة .
الثاني : الايقونة المقدسة . هل فهمت ؟
الاول : فهمت ، نعم فهمت ، لا تزعج نفسك ارجوك ، الامور لا تستحق الانفعال .
الثاني : ( غاضبا ) كيف لا تستحق الانفعال ، ها ، كيف !
الاول : انه أمر بسيط يا سيدي ، لا تنفعل .
الثاني : انه حديث عن الرب ، كيف يمكن ان يكون بسيطا برأيك !
الاول : أقصد اننا يجب ان نأخذ الامور ببساطة .
الثاني : ولكن الامور ليست بسيطة ابدا .
الاول : ليست بسيطة !
الثاني : نعم ، ليست بسيطة ، لأنها تتعلق بالله .
الاول : ما الحكمة من بقاء الامور التي تتعلق بالله بهذا التعقيد ، وتلك الالتواءات والعقد الكثيرة ، فكيف بنا نحن البسطاء جدا ، الا يجب ان تكون لنا صورنا البسيطة عن الله .
الثاني : نعم ، ليس على الجميع فهم كل الملابسات .
الاول : ولكن ، بدون فهم ، سيبقى لا يعرفه سواكم سيدي ، سوف نبقى عديمي المنفعة .!
الثاني : نعم ، يجب أن يبقى الكثير ، عديمي المنفعة .
الاول : هل تقصد ان مجيئنا خطأ فادح ؟
الثاني : أنا لم اقل ذلك .
الاول : هل نحن مجرد حشو ، بلا اي قيمة .
الثاني : قلت لك ، لم أقل ذلك .
الاول : هل نحن كائنات لا قيمة لوجودها ؟
الثاني : اردت ان اقول ، أن المخلوقات متباينة .
الاول : اجابة غير واضحة سيدي .
الثاني : وهو كذلك ، لا يجب ان تكون كل الاجابات واضحة ، وخصوصا حول هذه المواضيع ، هل يبدو الامر واضحا الآن ؟
الاول : أمورنا ليست على ما يرام !
الثاني : خذو الخطوط العامة فقط ، اتركوا التفاصيل لنا .
الأول : ولكنها مجرد وجهة نظر يا سيدي !
الثاني : لا أفهم ما تقصد ؟
الأول : كل ما رسم على الجدار هناك ، وجهة نظر فقط ، لوحة رسم فيها خطوط محددة ، بأشكال والوان وانحناءات محددة . أنت تريدها ان تبقى كما هي لألفي عام . وسيادتك تريدنا أن نفهم الخطوط والاشكال المحددة بشكل عام ! طلبك يا سيدي ، يشبه تماما ، أن ترسم سفينة بأشرعة عالية ، وتطلب أن لا نهتم بما يدور في ذهن القبطان !
الثاني : وما دخلك انت بما في ذهن القبطان ، قدس السفينة ، وكفى .
الأول : كيف لا يهمني أمره ، أنا أرى سفينة كبيرة بأشرعة عالية ، إذن أنا أدخل فيها ، أعيش فيها ، أحلم وأتنفس فيها ، كيف لا يخطر في بالي أن أسأل نفسي ، في أي مكان هي ، وأين تتجه ، وما سبب ابحارها ، وكم فيها من البحارة ، وهل هناك نساء جميلات تبحر مع البحارة .
الثاني : نساء جميلات !
الأول : أنا افترض فقط يا سيدي ، أرجوك لا تغضب مني .
الثاني : بهذه الطريقة سيحدث الضلال ، يحدث الغيّ ، وتدخلون التيه .
الاول : وهل معرفة الرب ، اقصد القبطان ضلال وغيّ ؟
الثاني : لا تسألوا عن اشياء إن تبد لكم تسؤكم .
الاول : هل يريد الله منا أن نبقى هكذا ، لا نعرفه عن كثب ، ولكن سيدي ارجوك ، كيف سنحبه ، كيف سنحب من لا نعرف ، من لا نفهم !
الثاني : الفهم والقرب يحتاج الى مجهود كبير ، الامور بالغة التعقيد .
الاول : اليس من واجبكم ان تبسطوا لنا هذه الامور .
الثاني : ومن تقصد ، بواجبكم ؟
الاول : جميع من شارك برسم هذه اللوحة ، جميع من يقول أنها نسخة عن الرب ، جميع من يطلبون منا أن نقدسها .
الثاني : ( بغضب ) لا اعرف من اين جاءوا بك إليّ ، من ارسلك لتكلمني بهذا الشكل ، اخبرني ، من يتآمر على الرب معك ، من ارسلك لتقوض هذا القدس المتعالي ، من دفعك لتدنس بيت الرب ، لتدنس ملكوت الله .
الاول : أنا ادنس ملكوت الله ! ابدا ، العفو يا سيدي ، أنا مجرد مستأجر يثبت لك اللوحة في مكانها .
الثاني : قلت لك ايقونة ايها المتآمر .
الاول : سيدي ارجوك ، انا مجرد انسان بسيط ، لم يدفعني احد ، كنت احاول أن أفهم ، في هذه اللحظة ، حيث تحدد قداستك ، شكل الله ، والوانه ، وتعابير وجهه ، وملامح وجوده ، وافكاره ، وقراراته ، في ترميم جديد لهذه الايقونة البالغة القدم ، وحيث تريد لها ان تمتد لثمانمائة عام ، هذا كل شيء .
الثاني : انت تستفزني ، في هذه اللحظة الحاسمة ، لا تتركني اركز في مدى أثر الايقونة ، وجوانب رؤيتها من قبل المؤمنين .
الاول : اكرر أسفي من قداستك . قلت لك انا مجرد مستأجر بسيط ، يحمل مطرقة ، ويرغب في الحصول على مبلغ من المال ، مقابل عمله .
الثاني : لا تقلق ، سيكون لك مبلغ كبير ، انها مناسبة عظيمة ، لا ، انها منعطف كبير في حياة ، الانسانية جمعاء .
الأول : كرم كبير من قداستك .
الثاني : انت تعمل بجد ، تستحق ذلك ، فقط لا توجع رأسك بالأسئلة ، ستجهد نفسك ، فكر بأمر الخبز لك ولعيالك ، اترك الرب في علياه ، فكر بنفسك فقط .
الأول : تقدست أسماؤه ..
الثاني : بوركت .
الاول : ( بعد برهة ) ولكن لو سمحت سيدي ، هل طلب الرب بصريح العبارة ، أن نعلق صورته في مكان بارز في بيته ؟
الثاني : الصور تستعبد الأذهان ، تقيد حركاتها ، توجهها نحو فكرة محددة .
الاول : ولكن تأثيرها يختلف ، من شخص الى آخر .
الثاني : في الصورة تنزل الارواح ، فتتحول الى أيقونة .
الاول : هل تريد أن تقول أنه يجب أن نعبد الصورة ؟
الثاني : لا يا بني ، يجب ان نعبد الله .
الاول : ولكنك تقول أنه ، تقدست اسماؤه ، نزل الى داخل الصورة !
الثاني : هذه وسائل مادية فقط ، نحن نحتاج الى ملموس نراه حولنا ونتقرب منه .
الاول : ولكن ، هذه وثنية يا سيدي .
الثاني : ( ينفجر غاضبا ) ماذا تقول ايها الكافر !
الاول : هذا هو عيبي يا سيدي ، لا اقدر أن أمسك لساني ، لساني منفلت .
الثاني : اذا لم تمسكه سأقطعه لك ، فهو لسان افعى ، يفح سماً رُعاف .
الاول : ارجوك سيدي ، سامحني ، انا صاحب عائلة كبيرة ، أب لستة اطفال ، سامحني ارجوك ، عيبي في طول لساني ، أنا انسان بسيط جدا .
الثاني : سيطر على لسانك أيها السفيه ، والا تسبب في مقتلك .
الاول : أعرف ، أقسم لك أنني أعرف ، فأنا أشعر بأهمية اختياري ، لمهمة تعليق هذه اللوحة ،
الثاني : (يقاطعه) أيقونة ، هذه أيقونه .
الاول : نعم سيدي ، كما تريد ، ولكنني كنت منذ البداية اخاف من طول لساني .
الثاني : حسنا ، لا تخف ، سامحتك هذه المرة أيضا ، ولكن اسمع ، ستكون هذه آخر مرة ، هل فهمت ؟
الاول : نعم يا سيدي فهمت ( يتحرك ) نحن نخاف كثيرا من الله ، حتى لو كان على شكل لوحة معلقة على جدار ، ونحن نخاف منكم أيضا ، فأنتم تتكلمون باسم الله .
الثاني : نحن نريد لكم سعادة العالم الآخر .
الاول : وهذا العالم البائس !
الثاني : إنه مجرد اختبار عابر ، سينتهي سريعا ، لتذهبوا للحياة الابدية .
الاول : ولكن ! أنا أخاف على أطفالي ، أخاف عليهم كثيرا ..
الثاني : ولماذا تخاف عليهم الان ؟
الاول : أنا يا سيدي ، عندي كلام كثير ، وأخاف إذا تكلمت به ، أخاف أن تعاقبني ، سماحتك .
الثاني : لقد حذرتك ، لن أسامحك مرة أخرى ، سأقطع لسانك ، سأسجنك ، سأجعلهم يعلقونك في المشنقة ، هل فهمت ؟
الاول : ولكنه كلام كثير ، كثير جدا يا سيدي ..
الثاني : ولا كلمة ، ولا حرف ، ولا نَفَس ، هل فهمت ؟
الأول : ولكنه كلام كثير جدا ، أرجوك سيدي ..
الثاني : ولا حتى إشارة واحدة .
الاول : ولكن !
الثاني : ( يصرخ ) قلت لك ، اخرس ، هل تفهم ؟ ( يصرخ بقوة ) اخرس ، اخرس .
( تسقط الايقونة من مكانها الى الارض ، فتتهشم كليا ، الثاني في حالة ذهول تام )
الاول : سيدي ، ماذا سيجري لأطفالي ؟ هل ستكون هناك ثمانمائة عام أخرى ؟

  • ستار –
  • تركيا – سامسون
  • 17/4/2020

هذا النص

ملف
المسرح
المشاهدات
128
آخر تحديث

نصوص في : مسرح

أعلى