مراد بوكرزازا - سيــلفيــا..

سيلفيا تقول: إنها انتظرتني، انتظرتني طويلا، وإنها كانت واثقة من أني سأجيء من بلاد بعيدة كما عشاق القصائد المستحيلة وأنها لن تضيع وقتا في الخطوات الأولى البليدة... وأنها ستعاتبني جدا عن كل السنوات التي بذّرتها في البحث عنها.

"خلفي كما لو أن الأمر كان ماثلا أمامي، تركت مدينة تغرق في مطر طوفاني... تتخلص من غصاتها الواحدة تلو الأخرى، تركت صديقا حميما أخفى دمعة وشهقة، تركت أمّا تصلي الفجر وترفع قلبها داعية:

- ربي هون على فلذة الكبد، وجع غربة وسفر لا يعرف منتهاه...!!

سيلفيا تضحك جدا كلما نظرت إليها، وتقول إنها لا تصدق أن الحلم يشبه الحقيقة جدا... وأنها كانت تتوقع لقاءنا في محطة حافلة أو قطار... وأني سأجيء مخبولا مسرعا... أخرج ورقة نقدية أدفعها ثمن التذكرة... وأني سأتسمَّر في مكاني حين أصطدم بعينيها البحر، بشعرها الحقول عند الصباح، فأذوب في ارتباكي قبل أن أعتذر.

- هل يمكنني الجلوس...؟!
- أخيرا... جئت...!!

"خلفي كما لو أن الأمر كان ماثلا أمامي، تركت جريدة قديمة، تجر خبرا باردا...تركت رصيفا غيَّر جلده علَّه يرتاح من ضمير خطواتي التي كانت تؤنبه مع أول الليل، وتركت أخا يجلس على كرسي متحرك... يحلم بلحظة واحدة خارج أسوار بيته القديم المتآكل، يحلم بصباح فيه صياح أطفال، فيه قطعة طبشور ودرس جديد، يحلم بمساء يختلط فيه بالناس، يرى أصدقاءه الذين مازالوا يمشون، ويرى طفلته الوحيدة تخرج من مدرستها ملهوفة:

- لقد جاء أبي...!!"

سيلفيا تخطف سيجارتي، تشم رائحتها... تدعي التدخين... وتقول هازئة: من المؤكد أنك استهلكت كل تبغ الدنيا وأنت تكتب عني... نصوصك الكبيرة قرأتها نصا نصا... أنا لا أشتري الجريدة عادة إلا لأقرأ صفحاتها البيضاء...هناك أكتشف حجمي الحقيقي، هناك... أنصت بشكل واضح لصهيل جيادك المفجوعة...

" خلفي كما لو أن الأمر كان ماثلا أمامي... تركت في زاوية حميمة رمادي ودمعي الذي سكبتُ على وطن لا يحتضن ولا يخلي السبيل...تركت أصدقاء لا أعرفهم بالأسماء، لكني أعرف جيدا غرقهم في كأس أو وهم تركت بوقًا يملأ الشوارع والجرائد بالهراء وتركت راقصة رديئة توزع الموت بالتقسيط قبل أن تنتهي لسهرة يقال إنها: ...Très privée

وأن ضيوفها من V.I.P Very Important Personality .

سيلفيا تقوم من مكانها... تحوم حولي كعصافير المكاتيب البهية، وتقول إنها كانت تتوقع أن تجدني شاهقا كالنخيل، وأن تجد بجيوبي عشرات القصاصات لحضورها المبتغى، وأن تشم عطور عشرات النساء على صدري.

وتقول إنها تحب حقيبتي جدا، ففيها تواريخ كل المدن التي عبرتني، وفيها كل اللحظات التي كنت أنتهي فيها عند المحطات لوحدي مع وحدي، وفيها مقابر الروح وهي تجتاز جسر الأمنيات الشهيدة.

" خلفي كما لو أن الأمر كان ماثلا أمامي... تركت امرأة... في أكبر شوارع المدينة، تحاول أن تتنكر لقصائدي التي كان أنينها يملأ الدنيا، تهرب تارة للموسيقى الصاخبة وتارة من المرآة... ترش فستان النوم بالمكر والعطر وتنتظر رجلا بدينا ينسى بعد أن يجتاز عتبة الباب الذين أهرق دمهم، ويغرق في حضنها مسلوبا من جبروته وأوامره...!.

سيلفيا تحتضن يدي... كما لو أنها تختصر الكون في ربيع واحد... وتقول إنها كانت تتوقع أن أحدثها بإسهاب عن طفولتي، وأني منذ البدء كنت أرسمها عند الأفق وإلا ما ركضت آنذاك بكل ذلك التوحش، وتقول إن قسنطينة تشبه بيروت جدا... لو أني أعرتها جسرا... كي تمنحني كرزا... وإنها أحبت "رحبة الصوف، السويقة، وباب القنطرة"* كما أحببت سور، صيدا... وساحة الرومية.

"خلفي... كما لو كان الأمر ماثلا أمامي، تركت أرملة طيبة، ما عاد بوسعها أن تنام بعد أن صار مقتسمو ميراثها كثرا، منذ ألف صباح وهي تخرج للبحر شمسا مطعونة في الضوء والتألق، وتنتظر بحارا لا يجيء، تقول القوارب إنه يقيم في غياب... وألم الطعنة الأخيرة، وتقول بعض النساء البليدات:

إنه مشغول بعشيقاته عند كل ميناء...!!

سيلفيا تغادر دون أن تستأذن... تمضي مسرعة... وتقول إنها كانت تتوقع أن ألحق بها، أن أطلبها للزواج –مثلا-

- لك أن تختاري بيروت أو قسنطينة !
- أفضل الإقامة في قلبك...!!

تقول ضاحكة...

ثم تردف

- ما رأيك في سفر إلى آخر الدنيا؟!
- تقصدين صدري...!!

فتسرع الخطى... أجذبها من شعرها

- إلى أين...؟!

أسألها !

- إلى مكان بإمكاني أن أخبئك فيّ بعيدا عن أعين البشر...!

- بي رغبة جامحة في أن أغفو سنة...!

- جرب راحة كفي...!

" خلفي كما لو كان الأمر ماثلا أمامي، تركت زقاقا ضيقا ربما قاد يوما للهاوية، تركت شابا في المنعطف الأخير، يجتهد في إشعال سيجارة -مغايرة- وزوجا يدعي النوم كي تعود امرأته بقفة عامرة في آخر المساء، وتركت عصفورا مبهورا على غصن وحيد:

- كلما تذكرت الشتاء صار خوفي مضاعفا...!!"

سيلفيا تقول إن الأحلام تنكمش حين نلامسها... وتقول إني أجمل مجنون... قابلت، وإني أشبه دفاترها الشخصية جدا... وإنها تخاف أن تنتهي... إن صيَّرتُها نصا...

"خلفي كما لو كان الأمر ماثلا أمامي، تركت حزمة أوراق مهولة البياض والاتساع وتركت حلما ورديا ينام في سؤال بحر: سيلفيا...!!!"



09-1998


* شوارع قديمة في قسنطينة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى