أمل الكردفاني - زفاف.. قصة قصيرة

- لقد راقبت عشرات المتزوجين يوم زفافهم، راقبت وجوههم.. وحتى وجهك.... كان كباقي الوجوه مختوما بملامح أنثى.. كشهيد طازج الموت... بعينين نصف مفتوحتين تريان الملائكة... هكذا رأيت وجهك يوم زفافك.. كان أقرب لوجه الأنثى.. مشرقاً وناعماً... تنضح منه أنوثة ما... إنه لشيء ساحر حقاً يا صديقي... فأنتم الذين ظللتم تشتاقون لجسد الأنثى دون أن تعرفوا خارطته من قبل، تفزعون في ذلك اليوم ولكنه فزع هادئ.. ربما لأنكم بالفعل كالموتى ترون حلماً يتحقق.. وربما لأنكم ترغبون وتخشون التجربة.. بماذا كنت تشعر في تلك الليلة؟...
ينظر نحو الأفق، ثم يرفع أصابعه حاملة السجارة دون أن يولجها في شفتيه...
- لا أذكر حقا... إن المنغصات محت كل ذكرى جميلة..
يطفئ السجارة:
- إن كل ذكرى جميلة بدت وكأنها مُهرِّج يسخر مني ماداً لسانه بعين مغمضة وعين مفتوحة... كل شيء تبدل منذ أن تعرينا تماماً لنحاول إيجاد هوية أكثر إمتاعاً من هويتنا السابقة التي سئمنا من معاشرتها... تجدد الأمل عندما انتفخ بطنها..ولكن انهار كل شيء بعد الإنجاب... بدا كل شيء ثقيلا ...
- إنك ككاتب يصعب إرضاؤك...هكذا هم الكتاب... ولا أدري سرهم..
- وأنا كذلك لا أدري...إننا نتقمص عشرات الشخصيات في اليوم الواحد..ثم نتبرأ من هذه الشخصيات دفعة واحدة بعد أن ننتهي...هذه عملية مرهقة جداً...في الواقع .. لا نستطيع أن نتبرأ منهم..فما قاله دولوز غير صحيح..إننا ننتهي بتشظينا نحن..إذ لا نعد نعرف من نحن.. ولذلك نفقد مبادئنا التي تتكشف عن سذاجة وطفولية أمام الواقع...علينا ان نكون واقعيين أكثر من اللازم لنتمكن من الكتابة..تخيل كل ذلك الإغتيال لبراءة اللا وعي..
- بيرة؟
- لا .. سأتبول كثيراً.. الدخان يجففني..أفضل سجارة بنيكوتين عالٍ...
ينهض بتثاقل ثم يذهب ويفتح ثلاثجته الصغيرة، ليعود منها بزجاجتين..يعود للجلوس، ويشعل سجارة لصديقه..يقول:
- لذلك انتم لا تشبعون...
- نرجسيتنا مرتفعة جداً.. شعورنا بالعظمة يدمرنا لأنه يجعلنا أكثر حساسية من أقل كلمة... وفي أحيان ما.. نسقط في الهبوط المعنوي والشعور باللا جدوى..نحن نتقلب كلسان حلاق ثرثار... ومع ذلك..
يجتر نفساً عميقاً:
- فكلامك صحيح..نحن لا نشبع.. نحن نريد كل شيء...حتى أنا نفقد الاستمتاع بكل شيء.. هل يرضيك هذا الإعتراف؟
صب نصف الزجاجة في كوب أسطواني طويل، ذو لون بنفسجي من أسفل يخف وهو يعلو ليتبدد تماماً:
- يرضيني جداً...أننا جميعاً في الواقع لدينا إحساس بأننا نتفوق بدرجة ذكائنا على الآخرين... كل منا داخله إمبراطور.. لذلك .. يبدو اعترافك عادياً وإن كان مُرضياً..
يشير باصبعه ويضيف:
- أنظر هذه صورة أبي وأمي يوم الزفاف.. وتلك صورتي يوم الزفاف..وبعدها صورة جدي وجدتي يوم الزفاف...ألا تلاحظ..أن ملامح القسوة تخف في كل جيل لاحق...كلما مر جيل..زاد وجه الرجل أنوثة يوم زفافه...تبدو تأثيرات المدنية أكثر حضوراً... هل تعلم أن ممارسة الجنس في القرى أكثر سهولة منها في المدينة؟ إن المدينة قوقعتنا داخل أجسادنا..دفعت بشعورنا بخصوصية أجسادنا إلى أقصى مدى...علينا أن نبذل مجهوداً مضاعفاً لكي نتمكن من الحصول على قبلة...نبدو جميعا ذكوراً وإناثا كجرذان خائفين..إن المدينة لعنة...
- المدينة ...المدينة... حيث الكل مُستهدف فيها...والإتهام جاهز في أي وقت...دعنا .. ننظر لهذا الجانب..إذ يفضل الروائيون المدينة ليحصلوا على التجارب والشعراء يفضلون القرية ليحصلوا على الهدوء ورهف الحس...الروائيون تلاميذ دائماً..والشعراء..
يصمت قليلاً...
- والشعراء...رهبان دائماً.. ومن يجمع بينهما هو من يعيش الحياة الحقة...مع ذلك فهذه التجارب لم تزدهم ذكورة يوم زفافهم..ولا تلك الرهبنة قللت من ذكورة الشعراء في ذلك اليوم..إنهم جميعاً منكسرون أمام تلك اللحظة..لأنهم لم يكملوا تجاربهم السابقة ولم يكملوا رهبنتهم حتى النهاية...إننا ملفوظون دائماً في ذواتنا...وتلك لعنة أكبر مما تتصور..
- ما رأيك في فيلم الأمس؟
- قصة ضعيفة غطى عليها إخراج متميز...
- لماذا..أقصد ما السبب؟
- ضعف الخبرة وقوة الخبرة...أو ضعف الذكاء وقوة الذكاء...لا يمكننا حسم التساؤلات بإجابة واحدة..
- حسنٌ...الشيء الوحيد الذي شعرت به بعد مشاهدتي للفيلم هو الإكتآب...ولذلك أعتقد أنه فيلم جيد..ففيه إبرة وخزتني دون أن أراها بوضوح...وهذا يكفيني للحكم بجودته...ربما لأن تلك الممثلة الشابة المترعة بالحياة قد قبلت الممثل بمصداقية نفرتني منها...فالروح الشرقية تحسم انفعالتنا الجمالية...
- ملاحظة جيدة.. بالفعل قبلته كحبيبة حقيقية...وأعتقد أنها تحبه فعلاً... تستطيع أن ترى حباً حقيقياً حتى من خلف أقنعة التمثيل... تستطيع أن تتنبأ بزواجهما الحقيقي بعد انتهائهما من التصوير...لا شيء يمكن أن يخفي حباً حقيقياً..إنجذاباً حقيقياً عنيفاً...سترى ممثلَين بوجهين مشرقين دون حاجة لمساحيق الكميرا...سيزداد إيقاع حركاتهما.. لأنهما متلهفان لشيء ما... تلك اللهفة لا يمكن إخفاؤها.. أليس كذلك؟.. يحفظان النص كما لو لم يك نصاً...يقولانه بنظرات حقيقية.. بملامح حقيقية.. فيندمج الجمهور إندماجاً حقيقياً.. لأنه يرى حباً وليس نصاً عن الحب...
- وحينما ينتهي الفيلم.. نشعر كجمهور بفجوة وفراغ كبيرين...إن خطواتنا ونحن نغادر صالة السينما تزداد هي الأخرى سرعة..نخرج مبتسمين..نقود سياراتنا بصمت.. إذ نرى على مرآة السيارة وأمامنا على زجاجها الفيلم وهو يُعاد بأكمله من جديد...نحلم بالبطولة...ولذلك..
يصب على كوبه مزيداً من البيرة...ثم يستمر:
- ولذلك تبدوا وجوهنا يوم الزفاف أنثوية جداً.. لأننا نرى حلمنا بالبطولة يتحقق...
يقهقه الكاتب:
- ثم نستفيق من الوهم... بعد ذلك سريعاً..
- حقاً يا صديقي..
- صب لي كوباً..
- ولكنك ستتبول كثيراً..
- لا بأس هذا يجعلني مستفيقاً على الأقل..مستفيقا بلا حلم بالبطولة.. سأكون واقعياً..واقعياً جدا... لأتمكن من كتابة رواية عظيمة...
يمد له الكوب..ويظل الرجلان يرشفان بصمت..
(تمت)

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى