عبد اللطيف النيلة - الجرح.. قصة قصيرة

بلهفة تترجل الفتاة من الباب الخلفي للسيارة. يسحب الرجل المرأة من يدها برفق يشوبه التكلف. تشارف الفتاة مدخل المقصف. تتمهل قليلا، تلتفت جهة الرجـل الذي كان يمشي بوقار محيطا كتفي المرأة بذراعه. تبدو الفتاة موردة الخدين، ضاحكة العينين، ترتدي قميصا صوفيا خفيفا وتنورة ضيقة قصيرة. ظلال ابتسامة متوترة تمازج ملامح الرجل. المرأة ترتدي فستانا واسعا، تضع على عينيها نظارة زرقاء، وتتدلى من كتفها حقيبة يد جلدية. بحركة من رأسه يشير الرجل إلى الفتاة، فتنفرج شفتاها عن ابتسامة تشع بالرضا، وتدلف إلى المقصف. من السيارة يخرج الفتى متلكئا، يصفق الباب بعنف، ثم يذرع الرصيف مفتشا في جيوبه عن شيء ما.
تهرع الفتاة إلى طاولة شاغرة. ينضم إليها الرجل، ويعدل من وضع أحد الكراسي لتجلس عليه المرأة. ماكادوا يلتقطون أنفاسهم حتى حضر النادل بزيه البرتقالي. تطلب الفتاة عصير موز، والرجل مشروب كوكا. تلبث المرأة صامتة. يحتار النادل فينظر إلى الرجل كأنه يستشيره. يسأل الرجل المرأة مسويا ربطة عنقه:
– لعلك ترغبين أيضا في العصير؟
ترد بصوت متعب:
– لا أريد أن أشرب شيئا، يكفيني كوب من الماء.
ينصرف النادل مداريا خيبته. يشعل الرجل سيجارة رفيعة. بانبهار تجول الفتاة بعينيها في أنحاء المقصف. يقبل الفتى متفحصا الأشياء بارتياب. يجلس على كرسي قبالة الرجل. تزيل المرأة شيئا عالقا بمعطف الفتى. يسحب الرجل نفسا عميقا من سيجارته. يسلط نظراته على الفتى. يسأله بنظرة توبيخ:
– أين تأخرت؟
يرد الفتى بامتعاض:
– هذا المكان لا يعجبني.
يعلن الرجل فخورا:
– إنه مكان محترم.
يضيف نافضا رماد السيجارة:
– ستألفه عما قريب.
يحضر النادل الطلبات. يكتشف الفتى أن المرأة لم تطلب شيئا. يوعز إلى النادل أن يحضر حليبا ساخنا وقهوة سوداء. يقطب الرجل جبينه. يشرب من رأس زجاجة الكوكا. يخرج مذكرة بغلاف رمادي ويأخذ في مراجعة مجموعة من الحسابات. تشرب الفتاة الجرعة ما قبل الأخيرة وتقفز إلى الحلبة لترقص على الأنغام الصاخبة. ينقل الفتى عينيه بين الرجل الغارق في حساباته وبين المرأة المعتصمة بالصمت. يقول بحب:
– أزيحي عن عينيك هذه النظارة.
تبتسم:
– هل تضايقك؟
– إن عدستيها قاتمتان!
تضع المرأة النظارة فوق الطاولة. يتبادلان الابتسام. يلحظ الفتى أثر النظارة على أنفها. لا يرفع الرجل رأسه عن المذكرة. تراقص الفتاة أحد شبان الحلبة. تشرب المرأة جرعة ماء. يحضر النادل فنجان قهوة سوداء وكأس حليب ساخن. في الشرود يغرق الفتى. يعيد الرجل المذكرة إلى جيب بدلته الأنيقة. بصوت مسموع يشرب جرعة كوكا. يفيق الفتى من شروده. ينظر إلى المرأة في دهشة. يرفع كأس الحليب:
– اشربيه أرجوك.
– قلبي مسدود.
يقول بنبرة توسل:
– إنه حلو وساخن.. ثم إنه يلائمك تماما كما قال الطبيب.
ترشف المرأة من الكأس رشفة صغيرة، ثم تضعه على الطاولة. تعود الفتاة إلى كرسيها لاهثة. بعين الرضى يرمقها الرجل. تفصح عن ابتهاجها بسهرة الليلة. يحدجها الفتى بنظرات قلقة. تسعل المرأة. يشرب الفتى من فنجان قهوته، وتختلج عضلات وجهه. يخاطب الفتاة:
– الدنيا عندك هانية!
تضحك الفتاة:
– أظن أننا لم نجئ إلا لننفس عن أنفسنا.
يتدخل الرجل:
– نفسي عن نفسك يا عزيزتي، ولا تبالي بمن يحب النكد!
يقول الفتى مشيرا إلى المرأة:
– لولاها لما جئت معكم إلى هذا ال..
بأصابع مرتعشة يحمل فنجان القهوة، يشرب رشفة بصوت مسموع، وينظر إلى المرأة التي كانت شاردة كأنها لا تحس بالتوتر الذي مازج أصواتهم. يقول الرجل:
– إنك لا تفتأ تعكر علينا جلساتنا.
تضيف الفتاة:
– يجب أن تجرب الرقص كي يتجدد دمك.
يقول الفتى:
– إنكم تقتلون الميت وترقصون في جنازته.
بحركة تنم عن الامتعاض تفر الفتاة إلى الحلبة. يصفق الرجل للنادل زافرا بغضب. تلتمع عينا المرأة ببريق ابتسامة. يسألها الفتى:
– هل أنت معنا؟
تنظر إليه المرأة وعلى شفتيها طيف ابتسامة، ولا تنبس. يقول:
– أعرف أنك لست شاردة. لكن لماذا هذا الحياد القاتل؟
تنتظر المرأة إلى أن ينصرف النادل بعد التقاطه لرغبة الرجل، ثم تنفرج شفتاها هنيهة كأنها تحاول أن تتلفظ بشيء ما، ثم تقول:
– هذه الحرب بينكم تخنقني. لقد غادرنا البيت مشتعلا بحرائقنا، فلنسترح قليلا.
يقهقه الرجل:
– وأخيرا قلتها! فلنسترح! وأنا سأريحك تماما.
فوق الطاولة، يضع النادل كأسين وزجاجة خمر. يشابك الفتى بين أصابعه في توتر واضح. تبرز أسنان الرجل ناصعة البياض في اللحظة التي يفتح فيها الزجاجة. يملأ الكأسين ويدني أحدهما من المرأة معلنا بنبرة احتفالية:
– فلتشربي نخب الراحة!
تختلس المرأة النظر إلى الفتى الذي كان ينقل عينيه بينها وبين الكأس. تمد يدا مترددة، وبسرعة تطوق الكأس بأصابعها. وحين ترفعها إلى فمها يحدجها الفتى بنظرة عاتبة. يقول لها:
– لست أدري لماذا تحملين جسدك فوق طاقته!
– التفت فقط إلى نفسك. أما أنا فمجرد امرأة في خريف العمر.
– منذ أن اكتشفت الفخ الذي وقعنا فيه وأنا لا أعرف كيف ألتفت إلى نفسي.
يخرسها تلميح الفتى، فتستل بارتباك سيجارة من علبة الرجل. يمتقع وجه الرجل وتومض عيناه بحمرة غضب الإهانة. يصرخ في وجه الفتى:
– احترم نفسك وإلا..
يرد الفتى ساخرا:
– وإلا ماذا؟ هل بقي هناك شيء تهددنا به؟
تنفث المرأة سحب الدخان، وبعد سعلة صغيرة تتدخل:
– كفا عن هذه المناوشة العقيمة. إنكما تفرجان الناس علينا.
يقول الرجل:
– لماذا لا تبصرينه بحقيقة الأمر؟
يرد الفتى:
– لم يعد هناك شيء يحتاج إلى توضيح. لقد انكشفت لعبتك.
بنفاد صبر تتدخل المرأة:
– إما أن تسكتا وإما أن أغادر..
ينهض الرجل:
– امكثي إلى جانب رضيعك! أنا الذي سأنصرف.
تملأ المرأة الكأس مرة أخرى، تمتص السيجارة بشفتين متوترتين، فيما تتأمل رغوة الكأس البيضاء. يرشف الفتى آخر جرعة من قهوته السوداء، ويغرق هو أيضا في الرغوة البيضاء. تقول بعد حين:
– لقد أصبحت عصبي المزاج.
يكتفي بنقر الطاولة بأصابعه دون أن يرفع عينيه عن الرغوة البيضاء. تضيف:
– لم تكن من قبل تحقد عليه إلى هذا الحد.
يرفع نظره إليها:
– لقد كنت مغفلا، لم أكن أعلم أنه يستنزفنا.
تجرع الكأس دفعة واحدة، ثم تقول:
– وماذا بإمكانك أن تفعل وقد علمت؟
يزفر حانقا:
– يجب أن يختفي من حياتنا.
– لقد فات الأوان.
يشرد لحظة، ثم يسألها:
– لماذا تعيشين معه تحت سقف واحد؟
تجيبه بمرارة:
– ليس باليد حيلة!
تعلو ضوضاء الشاربين. تحتل الحلبة راقصة تموج جسدها على أنغام موسيقى شرقية. الفتاة تجلس إلى جانب شاب أنيق يبدو كالمخنث، هو يحرك شفتيه ويديه، وهي تضحك بطفولة. الرجل جالس على مقعد أمام الحلبة يمسك بيده زجاجة تحتوي على بقية من شراب. يقول الفتى:
– إنه يبذر مالنا.
تجيب المرأة بصوت واهن:
– الجميل الذي يمكن أن تسديه إلي هو أن تلتفت إلى نفسك وإلى أختك.
– لقد حاولت معها كثيرا. لكنه أفسدها بتدليله المفرط.
ينقبض وجه المرأة، يصبح تنفسها بطيئا. ينتبه إليها الفتى بخوف واضح. يقول:
– ارتخي قليلا! إنك لا تحترمين نصائح الطبيب.
تغمض عينيها، تسند ظهرها على مسند المقعد، وتنفرج شفتاها. تتنفس من فمها كأنها تتنهد. يرقبها الفتى بنظرة يمتزج فيها الخوف والحب والإشفاق والحنق.
كانت الراقصة تمعن في تمويج جسدها، ببراعة، محركة أعضاءه جزءا جزءا. المتفرجون يتابعون المشهد بانتشاء وهم يصفقون. الرجل أيضا يصفق وقد فك ربطة عنقه. أما الفتاة فكان وجهها يتماس مع وجه الشاب الأنيق، فيما كانت أصابعهما متشابكة. يقول الفتى باكتئاب:
– يجب أن نذهب.
ينهض للتو، يستدير إلى حيث كانت المرأة جالسة، يساعدها على الوقوف، ثم يتناول النظارة الزرقاء، ويحمل حقيبة اليد الجلدية. كان وجهها شاحبا منقبضا. يسيران خطوتين باتجاه مدخل المقصف، ثم تتوقف وقد فتحت فمها إلى أقصاه. يسألها الفتى:
– ما بك؟
تجيب بمشقة:
– الهواء.. الهوا.. ء..
تنقطع كلماتها، وبعناء تسحب الهواء. ينظر إليها قلقا ولا يدري كيف يتصرف، ثم لا يلبث أن يجلسها على أحد المقاعد. يحضر كوب ماء، وبيد راجفة يخرج من الحقيبة الجلدية علبة أقراص، يناولها حبة مع جرعة ماء، وينظر إليها وقد أسدلت جفنيها مرخية رأسها على حافة مسند المقعد، ينظر إليها بعينين ساهرتين مبللتين بالجرح، فيما أصابعه تتحسس ذقنه كمن يتحسس طريقا.
أعلى