نقوس المهدي - عن الكتابة والملامح الإنسانية في المجموعة القصصية - الحذاء الذي لم يتسن لي أن أنتعله للقاص الأستاذ احماد بوتالوحت.. تقديم

" ركعتان في العشق لا يصح وضوؤهما إلا بالدم".
الحسين بن منصور الحلاج


يحار المرء من أين يبتدئ الكلام عند الجلوس إلى صديق يمحضه التقدير و المودة و الإحترام ، و تزداد الحيرة أكثر حينما تضعه الصدفة إزاء الحديث عن كتاباته وانجازاته ، و الانفلات من سلطة و هالة الصداقة و ما بينهما ، موقف أشبه بالجلوس على كرسي الاعتراف تحضر فيه سمات الحميمية و الانبهار ، ذلك " إن الكلام عن الكلام صعب " كما يقول أديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء أبو حيان التوحيدي ، لأنه المنتهى و المبتدأ، و البداية دون النهاية هو ، هكذا أحسستني عاجزا بحضرة البياض ، و أنا ألملم أطراف الكلم قصد تقديم العمل القصصي الأول الموسوم بـــ " الحذاء الذي لم يتسن لي أن أنتعله " للقاص المبدع احماد بوتالوحت ، محاذرا قدر الاستطاعة أن أكون محايدا كي لا أقحم فضولي القرائي بين السطور ، أو أسقط رأيي على نصوصه الإبداعية ، مؤثرا النظر إلى ارتسامات الفرح في العيون ، وأثر لذة القراءة على الوجوه العزيزة ، تاركا للقارئ من غير وعظ ، فرصة الاكتشاف بنفسه لهذه العوالم البكر المتلفعة بأسرارها الخفية و خيالاتها السحرية ، و شخوصها الطاعنين في البساطة و العفوية و التلقائية و التحدي ، و لهذا القلم الجميل القادم بكثير من الحزم و نكران الذات وبلا استقواء و خيلاء من حقول العلوم الحقة إلى باحة الآداب الفسيحة و براريها المترامية الأطراف و أفضيتها الرحبة .
و ما سأقوله تحبيرا بمداد العرفان هنا والآن عن احماد بوتالوحت الإنسان العاشق للجمال ، المثالي الودود المتواضع العصامي البسيط البشوش المحب للناس ، نموذج المثقف المتعدد في الفضاء الواحد ، لا يمثل سوى غيض من فيض مما أكون عنه من رؤى صادقة ، و أكن له من احترام و تقدير أخوي صرف ، منذ أن تعرفت إليه من سنين التلمذة ، و أستاذا لمادة الرياضيات لم تغره مشاغل الدنيا عن الشغف بالقراءة و البحث الدؤوب عن المعرفة ، ثم اكتشفت بعد ذلك و بحكم العلاقة الرفاقية بيننا أنه يكتب القصة القصيرة ، كما أستنير بحكامة رأيه في بعض ما اكتب ، فلا يبخل علي بتوجيهاته الرصينة .
أما القول عن احماد بوتالوحت الأديب و منجزه الإبداعي ، فلا يحتاج لمقدمات فهي البوح و الشرح و الانشراح و الانفتاح و الوضوح و الإشراق والوجد ، والوجود ، و الذيل ، و التكملة هي . و هي تطريز بالكلمات ، و تستمد بلاغة لسانها من فصاحة اللغة ، و إزميل انزياحها الذي لا يني حفرا في الذاكرة الجمعية ، مستعينا بفطرة الحدس ، و أطياف الخيال و وشوم الذاكرة ، و التعبير الصادق و الأمين في قالب إنساني خالص مشحون بالأحاسيس الجياشة والعواطف النبيلة ، التي تبعث في روح المتلقي الأمل والحيوية و المتعة والفضول لمعرفة مصير شخوص عاديين تماما ، ذوي مرجعيات اجتماعية واقتصادية ونفسية ومصائر مشتركة ، في الغالب أرهاط بسطاء عاديين يعيشون بيننا ، يكبرون رغم أنفهم ، يكابرون رغم جسامة العبء والإكراهات المعيشية التي تجابههم ، يصارعون من اجل البقاء بالرغم من ضيق فسحة الأمل ، ماسح الأحذية ، و المعتقل السياسي ، و الفدائي ، والجندي ، و النباش في المزابل ، و البحار ، والمسؤول الفاسد ، والمتسول ، والمومس ، والحالم ، والمقهور ، والمغبون ، والمحبط ، والطفل المحروم من مسرات الصبا ، و الفتاة المتوجسة من خبيئة الدهر ، مخلوقات آدمية من لحم ودم لا تعد ولا تحصى ، تراوغ قدرها ، تتحرك بيننا ، تناوشنا ، تشاكسنا ، تشاركنا فعل المحو و الكتابة ، و خلق الحدث ، أناس عركتهم الحياة ، و همشتهم ، وخذلتهم ، و بهدلتهم ، وقست عليهم ، ومرغتهم في أدران قاعها ، و ضاقت عليهم الدنيا بما رحبت ، حتى لنكاد نشعر بنوع من الألفة معهم ، و بشيء من الحميمية تجاههم ، و بكثير من الشفقة عليهم ، نقترب منهم ، و نذود عنهم ، ونلتحم بهم ، و نحميهم من غوائل وغدر الزمان الغشوم الكنود ، دون أن نجابه بأية فوائض نظرية ، و لا ادعاءات ومزايدات متكبرة . إنها محاولة ضمنية للبلوغ بتلك الشخوص إلى سدرة المنتهى في عالم عشوائي موبوء ناقص لا يقيم وزنا للمواطن ، ذلك أن ما لا نستطيع تحقيقه قي الواقع نحققه بفضيلة الكتابة ، منتصرين بحماس غامض لا تفسير له على ما يدور بنا من فظاعات الواقع ، و فداحة الفراغ ، مستعينين بالكلامِ المباح على الخرس البليغ ، لأن السياسة بكل ترسانة براغماتيتها وخداعها ودسائسها لم تستطع تحقيق مثلها العليا فينا ، بعكس الأدب الذي استطاع بكل عفويته و عنفوانه ونقاء سريرته زرع قيم التسامح والمبادئ الإنسانية بين بني الإنسان ، وانتشالنا من مرارة الواقع الأليم .
في غمرة هذا الاحتفاء بهذا القلم ، لا أنسى الحديث بملء الأشداق عن ما تختزنه منطقتنا من أقلام وخبرات خلاقة هي بمثابة الذهب الإبريز إن صح القول ، وبما أنه لا كرامة لنبي في قومه ، فقد تخسف بالبعض الذاكرة ، و يتمادون في النيتشوية وعبثية شقاء الوعي وصلابة الرأس ، منكرين على هذا البلد الغارق في عزلاته المريرة و القاسية هذه الأفضال العميمة التي لا تحتاج لنار كي تنهض من رمادها ، ولا لشمس منتصف الليل لتبيان رفعة قدرها ، وأهمية رسالتها ، و كان لابد من التفكير في إصدار هذه السلسلة الفكرية والأدبية بفائض من العزم و الإصرار والتآزر الأخوي الذي لا تخبو حرارته ، قصد مد جسور حراك ثقافي بين مختلف الأجيال والحساسيات الفكرية ، وهي مغامرة لا تخلو من سرنمة محببة ، ولا تخلو من أحلام طالما راودتنا أضغاثها الجميلة المتوردة ، وناوشنا طيفها المخملي الناعم لأجل خلق حراك ثقافي واعد ، ومراوغة الفراغ السديمي بعيدا عن كل وصاية أو دعاية من أو لأية جهة ، لا التمجد غايتنا ولا المكوث في الظل بغيتنا ، متكلين على تمويلنا الذاتي ، معتمدين على مجهوداتنا الشخصية الذي لا تخلو من نضالية ، و لا تنتقص إلى تضحية و إيثار وصفاء سريرة ، معولين على رحابة صدور القراء الذين يمنحون هذه المبادرة الحياة والحيوية والاستمرارية ، فالجاحظ أبو عثمان عمرو بن بحر بن محبوب في كتاب الحيوان يورد أنه " ينبغي لمن كتب كتاباً ألاّ يكتبه إلا على أن الناس كلهم له أعداء " . لا يخص الجاحظ بكلامه أعداء معينين أو تقليديين ، و إنما يعني في الصميم القارئ الفعلي الحقيقي الأصيل المفتون بمسرات القراءة اللاتقاوم ، وهو تحت سطوة سحر البيان أو " لذة النص " بتعبير رولان بارث ، و ينصح النقاد من استخدام كلمة قارئ بحذر شديد ، بعد ظهور نظريات نقدية حديثة حول نظرية القراءة والتلقي ، و تصنيفها للقراء إلى فئات متعددة و متباينة ، وتلك حقيقة نستشعرها في هذا الزمن الموحش بسبب شحّ عملية القراءة، وتدني كعب المعرفة ، و أضحت فيه صنعة الكتابة و شؤون الثقافة و الفنون بشكل عام بعضا من إيحاء " شبع الكرش " للرأس ، لأن الكتابة في حد ذاتها تجديد وخلق و تمجيد وعشق وتحقيق الوجود للكائن . ويكفينا قول الكاتب والروائي الايطالي الكبير إيتالو كالفينو في روايته الشائقة " لو أن مسافرا في ليلة شتاء" : ( الشيء المهم للقارئ ولي هو الاستمتاع بقراءة كتابي ، بصرف النظر عن الجهد الذي وضعته فيه ) .
(قل كلمتك وامش)
هكذا يقول فيلسوف الفريكة أمين الريحاني .
واترك للتاريخ مهمة التكلف بتدبير عواقب الأمور
و هذا آخر القول و ما بعده كلام ...


المهدي نقوس
اليوسفية بتاريخ 30 – 11 - 2014

هذا النص

ملف
أحماد بوتالوحت
المشاهدات
95
آخر تحديث

نصوص في : نقد أدبي

أعلى