رسائل الأدباء رسالة من الصادق النيهوم إلى خليفة الفاخري

هلسنكي.. 27 يناير 1967 (الصادق النيهوم 30 عامًا - خليفة الفاخري 25 عامًا):

"أخي خليفة..

مرّ يوم.. فيوم.. فشهر.. فعام وطالت الطريق واصطف أطفال العالم ورائي.. ورجموني بالحجارة مثل كلب أجرب.. ولكنني لم أقل ذلك لأحد، إنني أطويه في صدري وأذرع به أرصفة المدن كأن شيئًا لم يحدث، كأنني لست كلبًا على الإطلاق. فهل أحدثك عن المدن.. هلسنكي.. تعيش دائمًا تحت الصفر.. عشرين تحت الصفر وأحيانًا أكثر من ذلك وأنف الشمس يتجمد كل يوم ويبدو أحمر وقبيحًا في السماء.. وتموت الطيور فوق أسلاك الكهرباء.. ويرتفع الجليد إلى خمسة أقدام.. وهلسنكي مدينة ودودة.. ولكن قلبها قطعة من ثلج.. وعينيها عاهرتان.. وقد كنت أتمنى لو أنني لم أرها قط.. ولو أنني مت قبل ذلك وكنت نسيًا منسيًا.. ومدريد عاهرة أخرى.. وكذلك بنغازي.. وأنا مجرد غريب، غريب محترف.. الآن ودائمًا قبل رحلتي وبعدها، أنا غريب في كل مكان.. وقد أفرطت في التدخين.. وشربت كفايتي من كل شيء، ونمت تحت عربات النقل، وفي الموانئ، وفي غرف السيدات المحتشمات في أوسلو واستوكهولم، ولم أنجُ من غربتي حتى الآن، فدعني أحدثك عن شيء آخر:
أنا ما زلت أحب المدح.. وما زلت أعتقد أن هذا العالم مليء حتى حافته بالعفاريت، ولكنني لن أمكث فيه قط إذا رأيت واحدة منها رأي العين، فليس ثمة ما يرهبني أكثر من أن أجد نفسي في مواجهة غولة حقيقية.. ومنذ بضعة أسابيع كنت أزور ستالينغراد، وقد حملوني إلى المقبرة وجعلوني أرى قبور القتلى من الألمان والروس على السواء، ولم أقل لهم شيئًا بخصوص الحرب ولكنني سألت الغفير عن العفاريت، وقد قال لي إنه لم ير واحدة قط، وعندئذ تحدثنا عن بقية الأشياء، أما الريردرز دايجست العاهرة فقد نشرت في أحد أعدادها الأخيرة قصة فظيعة عن أحد الأشباح وقد دمعت عيناي عندما قرأتها وتمنيت لو أنني أحفظ سورة الفتح كلها.. وفي اليوم التالي وصلتني دريدة الحقيقة وفيها مقال بهذا العنوان (الهوني.. شاعر يخاطب الحوت في البحر)[1] وضحكت ثم بكيت لأن الحوت لا يستطيع أن يخاطبه المرء إلا في البحر.. حتى إذا كان المرء شاعرًا.. وحملتُ الريدرز دايجست والحقيقة إلى الكنّاس، الذي كان أشقر الشعر وكان رجلًا أبيض مهيبًا لا يشبه أحدًا من الكنّاسين الذين عرفتهم في شارع (ادريزة)[2] وقلت له (يا سيدي الكنّاس ما أسوأ أن يعيش أحد ما في شارع ادريزو أو يعمل مع محمد الفيتوري)[3] وما زلت أواصل الشخير.
ولكن لساني لم يعد يتدلّى مثل اللّباسة.. لقد نحف من الكذب، وقد كذبت حتى بكى الشيطان واحترق وجهه من الخجل دون فائدة، فليس ثمة من يصدقني على أي حال.. وما زلت أحب أن أحك جلدي.. وأتذكرك في الصباح، أتذكر أنني كنت أركلك على رأسك حتى تطلب الشفاعة وتعرف أن الله واحد عندما أركلك على كبدك، ثم أفتقدك هنا.. إنني أفتقدك هكذا وأتمنى أن أجعلك تكتب إليّ وتتخلى عن حبك للطعام.. أما الصول[4] فأنا لم أحمله إلى الكورنيش عبثًا. إنه مطالب أن يدفع ثمن صحبتي بالطبع.. وقد كنت أكذب عليه فعلًا.. ولكن كنت أطعمه وأسقيه (ليل نهار)، وأجعله يرى الصور المتحركة ويستغرب، وقد حاولت مرة أن أجرّب عليه كذبة كبيرة ثم تخليت عن فكرتي بعد أن سمعت أنه صار شرطيًا.. الصول أحسن رجال الشرطة.. ورغم أنه ذهب إلى أثينا. فأنا ما زلت أحبه كثيرًا.. وأتمنى أن يقف الله معه..
وإذا رأيتَ علي الشويب فبلغه سلامي، وبلغ سلامي إلى عبد القادر البعباع وقل له إن الكتب التي كان من المقرر أن أبعثها له من القاهرة قد ضاعت مع ساعتي وعشر جنيهات.. وهذه ليست كذبة من أي نوع.. وأنت يا جنقي.. يا صديقي الهائل المفترس.. كف عن حب الطعام والشجار مع "الديتّة"[5].. وحاول أن تبدأ شيئًا أقل ضررًا.. فقد سرقك الوقت كما سرقني وغدًا تستيقظ في الصباح وتكتشف أن عمرك صار أربعين عامًا.. وتكتشف أن أحدًا ما قد خدعك بطريقة قاتلة وأن كل أحلامك كانت مجرد أحلام.. فهل تصدقني..؟
لا، بالتأكيد لا.. فليس ثمة من يصدق الآخر.. دون أن يواجه لحظة قاتلة من المرارة.. وهذه مشكلتنا يا صديقي الحبيب.. فدعني أعتذر إليك على الفور.. ودعني أقل لك إن أحد أحلامي التي عشت من أجلها هنا كان أن أجعل صحيفة رشاد الهوني تواصل الصدور حتى يكتشفها كاتب مثل خليفة.. ولكنني لم أستطع أن أحقق ذلك قط.. وكم أشعر بالخجل الآن. أنا أشعر بالخجل لأنني فشلت.. ولأن جواربي منتنة.. وقلبي أحرقه التبغ وأشعر بالدوار لأن الأرض تدور.. ويا صديقي ما أوحش العالم عندما تهبط وحدتي.. وتتيبس أحلامي مثل قرني عنزة.. لذا فأنا - كما ترى - ممزق جدًا..

أخوك صادق"


[1]إشارة إلى مقال الكاتب محمد أحمد الزوي نشر في صحيفة الحقيقة بتاريخ 6-12-1966 عن الشاعر الليبي إبراهيم الهوني عقب صدور ديوانه.
[2]أحد شوارع المدينة القديمة في بنغازي، بالقرب من حي سوق الحشيش.
[3]مداعبة من النيهوم لصديقه الفيتوري الذي كان يعمل في بلدية بنغازي آنذاك.
[4]لقب يطلق على صديقهما محمد البعباع، اكتسبه من عمله بسلك (الشرطة الاتحادية) في تلك الفترة.
[5]لقب اشتهر به صديقهما عبد الحميد زيو.

هذا النص

ملف
رسائل الأدباء
المشاهدات
35
آخر تحديث

نصوص في : ملفات خاصة

أعلى