نزار حسين راشد - خيارات إنسانية

"خيارات إنسانية"
ما إن ترجّلتُ من سيّارتي وسرتُ بضع خطوات باتجاه مدخل العمارة حتّى أحسستُ أنّ غمامةً ثقيلةً هبطت على وجهي،وغُشّي بصري،ثم أدركت أنهم غطوا رأسي بكيس،ثنوا ذراعيّ خلف ظهري بقوة،قبل أن تتاح لي أيُّ فرصة للمقاومة،ودفعوني إلى داخل سيّارة،شعرت بوخزة في ذراعي،دبّ الخدر في جسدي ثُمّ لم أشعر بشيء!
صحوتُ فجأة،أجلتُ عينيّ فيما حولي،كانت حولي وجوهٌ غريبة،مستلقياً على سرير في حجرة نصف مضاءة،دهمني إحساسٌ بالصّدمة،وتساءلت في غيظ،قاذفاً كلماتي في وجوههم:
-أين أنا،ومن أنتم؟
ابتسم الطويل الأصلع وهو يوجه نحوي نظرات فاحصة،رُبّما ليتأكّد أنني واعٍ تماماً،ويجيب بلهجة من يتحكّم بزمام الأمور وبنبرة مشحونة بشيءٍ من الشماتة:
- أنت بين أصدقائك أيها الكونت!
-ومن أين تعرفني؟وهل يخطف الأصدقاء صديقهم؟هل أنتم عصابة ؟من انتم وماذا تريدون؟
تدافعت الكلمات من فمي بعدائية سافرة!
-إهدأ أيها الكونت! نحن لسنا عصابة،سنقيم حفل تعارف،ولكن ليس قبل أن نقوم بواجب الضيافة،هل تريد كأساً أو شيئاً من القهوة؟
يجيبني الرجل الأصلع،ذو الوجه المنمش والملامح اللدنة!
فجأة كُشف عن بصيرتي ،هؤلاء هم!لا بد أن لذلك علاقة بسليمان خاطر والصورة التي التقطناها معه،ولكن كيف عرف هؤلاء الشياطين؟
وألقيت في وجوههم بالسؤال المُلح:
-هل أنا في السفارة الإسرائيلية؟
-يا لذكائك أيها الكونت!ولكنك لست في السفارة الإسرائيلية،أنت في إسرائيل نفسها!
يغمرني إحساس بالسخرية،أكشف أسناني عن ابتسامة،وأنفث سؤالي في وجوههم في تهكّمٍ فاضح:
-ولماذا تكلّفتم كل هذا العناء؟أم أنكم تحبون أفلام الإثارة،كان يكفي أن تقوموا بزيارتي وتسألوني فأجيب
-هل تعرف عماذا نتحدث ؟
- نعم بالطبع !بطريقة ما لا بد أنكم عثرتم على الصورة،وقفزتم إلى النتيجة أنني مرتبط بالعملية التي قام بها الجندي سليمان بقتل إسرائيليين!
-تماماً!ما دمت حزرت،إحك لنا كل شيء!ما هي صلتك بسليمان خاطر إذن؟
يُصعّد الرجل من لهجته،مصطنعاً لهجة التهديد!
وأجيب بهدوء متمهلاً للدرجة التي تتيح لهم عدّ كلماتي:
-ربما لا أحب الإسرائيليين كثيراً، ولكني أعرف أنكم لستم أغبياء بحالٍ من الأحوال،وتعرفون جيداً أن من يخطط لعملية كهذه،لا يقيم حفل تعارف،ولا دعوات مفتوحة ولا يلتقط صوراً،بل ينجز مهمته بسرية تامة!
يقاطعني الرجل نفسه الذي يتولى مهمة الحوار بينما يعتصم الآخرون بالصمت ويصيخون بانتباه شديد،ولا بد أنهم يسجلون كل شيء بكاميرات المراقبة:-الغرور قد يدفع الإنسان إلى أبعد من ذلك،وربما حتى إلى درجة أن يصنع سيركاً،وليس حفلاً فقط!
-نعم ولكن ليس إلى درجة أن يغامر بعنقه وأعناق عائلته،ليس رجل عائلة،ومن لديه طفل رضيع!
-لديك نقطة هنا،ولكن لديك الدافع أيضاً،وهو أهم أركان الجريمة،أنت تعتقد أننا قتلنا عمك الكونت برنادوت!
أقاطعه بغضب:
-وماذا عن أركان الجريمة الأخرى ؟الفرصة؟ومن أين لخاطر أن يعرف أن نساءً عاريات سيجتزن الحدود فجأة ويقتحمن موقعه! لو كان هو الذي خطط،لانعكس اتجاه العملية كلها،ولكان خاطر هو الذي تسلل عابراً الحدود،ولربما اشتبك مع جنود،بدل نساء عاريات وسياح حمقى ربما كانوا تحت تأثير المخدر أو الكحول!ليس لديك قضية ضدي يا عزيزي،ولست محققاً ماهراً على أية حال
يعقد الرجل يديه على صدره،يحدجني بنظرة حادة،ويقول أخيراً:
-كونت توماس،لقد تتبعنا القضية من أولها وربما استولى عليك الفضول لتعرف كيف عثرنا على الصورة! سأوفر عليك السؤال،القلم الذي وقّع به خاطر على ظهر الصورة التي التقكتها أختك والذي أعطته إياه أختك،احتفظ به خاطر،هذا القلم عليه صورة مائية لأختك،والتي يبدو أنها مفتونة بهكذا طقاطيق!على أية حال لقد عثرت عليه المخابرات المصرية،حين فتشوا شقة خاطر!وتعرفوا على أختك من الصورة،وعرفوا منها باقي الحكاية!
ينتابني ذعر مفاجيء وأصرخ في وجوههم كطلقة مسدس:
-وماذا فعلتم بأخواتي وعائلتي؟
-إهدأ يا عزيزي!يجيب الرجل بهدوء ثُمّ يستأنف:
نحن لا نقتل النساء ولا الأطفال:
- ولكنكم قتلتم أطفال مدرسة بحر البقر اتراب سليمان وأولاد صفه!
هل تعتقد أن سليمان إطلق النار جزافاً؟لقد كان معبّأً بالثار كبندقية محشوة طوال حياته،حتى تهيّأت الفرصة أمام عينيه،فلم يفكر ولو للحظة واحدة!الدماء لا تحلب إلا الدماء يا عزيزي وهذا ما لا تريدون أن تفهموه أبداً!
يركب الرجل كلماته ببرود-
-كونت هذا ما أريد أن أحدّثك عنه!بحر البقر كان قصفاً أعمى،ومقتل عمك كان لظروف تاريخية رافقت نشاة إسرائيل،وربما لم تترك أمام قيادات تلك الفترة إلا خيارات ضيقة!كونت نحن نريد أن نطوي تلك الصفحة معك شخصيا،ومع العرب،بصفتك انتقلت إلى صفهم،ونحن بصدد عقد صفقات سلام مع الجميع وها هي اتفاقيتنا مع مصر تثمر تعاوناً كما ترى!لا بل سنكون كرماء جدّاً معك،سنسمح لك بالعودة إلى أورشليم،أنت وزوجتك المقدسية،لتكون شاهداً بنفسك على ولادة التاريخ،فماذا تقول؟
وأدهمه بالإجابة على الفور:
-هذا عرض لا أستطيع رفضه!آمل ان تصدّق اعمالُكم اقوالَكم!
ويقول الرجل متصنّعاً الثقة:
-هذا متروكٌ لإرادة الله!
-بل لخيارات الإنسان التي يكافؤها الله من جنسهاّ:
-إن أحسنتم أحسنتم لانفسكم وإن أساتم فلها!
-حسناً كونت! لقد انتهينا هنا!وعلينا أن نعيدك إلى حيث كنت،ولكن دون تخدير هذه المرّة!
نزار حسين راشد

هذا النص

ملف
نزار حسين راشد
المشاهدات
69
آخر تحديث

نصوص في : قصة قصيرة

أعلى