هدى بوحمام - سفر يُرجعك إليك..

أصبح السفر في مجتمعنا ظاهرة شعبية مفعمة بالحيوية والطاقة الإيجابية، لم يعد يستصعب الناس السفر إلى بلدان العالم بهدف اكتشاف ثقافاتها ومعالمها التاريخية ومناظرها الطبيعية وأطباقها الفريدة. صارت عروض الطيران أوفر وأماكن السكن في متناولا لأغلبية. سهّلت الشبكة العنكبوتية عملية استخراج المعلومات والبحث عن المناطق الأكثر جاذبية وأمكنت التعرّف عليها عن بعد. وشاعت أيضا ظاهرة الڤلوگينغ للسفر، حيث صار الكثيرون من هواة السفر يشاركون تجاربهم السفرية الشخصية مع الجمهور عبر فيديوهات مصوّرة لمختلف بقاع العالم ويتطرّقون لمجموعة من التفاصيل المفيدة لتنوير من يرغب بزيارتها. أثمر عن توفر هذه الميزات بروز نوع مميز من السفر وهو السفر المنفرد.

أعتقد أن الكلّ يتخوّف من الأمر في أوله؛ فالسفر بغرض الترفيه لا يحلو إلا مع العائلة أو الأصدقاء ومشاركة لحظاته الجميلة مع من نُحبّ يعزز من فوائده ويُضاعف غايته. أمّا إذا سافر أحد بمفرده في رحلة استكشاف واستجمام، فلن يرافقه سوى الخوف، والتردد، والملل، والوحدة والفراغ. لن يجد من يشاهد معه جمال المنظر لحظة رؤيته، ولا من يتقاسم معه تذوق الأطباق، ولا من يلتقط له صورًا مضحكة وسخيفة في قلب الحدث، ولا من يتهامس معه عند حدوث أمر غريب. أين المتعة في سفر بائس كهذا؟

فعلا، يظهر الوضع بائسًا حتى نجربه! يتطلّب منك السفر المنفرد الأول مجهودا كبيرا لإقناع نفسك أولا ومن يهمه أمرك ثانيا بخوض هذه المغامرة المختلفة. يلزمك شيء من الشجاعة والانفتاح العقلي والاندفاع اللامنطقي كي تقدم على الخطوة الأولى. وعندما تخوضها مرة، ستُعيدها مرات وتتخذها أسلوب سفر متواصل بعد ذلك لما تحمله التجربة من متعة وتعلّم وتدبّر وتأمّل وتحّرر.

في السفر المنفرد، تكتشف زوايا جديدة للرؤية لم تكن واع بوجودها من قبل، وكأنّك تعيد برمجة حواسك من جديد، تتعلّم عيناك فرز الألوان والأشكال كأنها ترى للمرة الأولى، وتسعد أذناك بسماع لغة مختلفة النبرة والنغمة والطبقة، ويتحمّس لسانك لتذوق مختلف النكهات وكأنه يُحاول لأول مرة، ويرحبّ أنفك بالشّم ويستمتع بالاستنشاق والزفير وكأنه النفس الأول. عندما تكون منفردا، تكون حاضرا بكل ما تملكه ذاتك بنسبة أكبر وبشكل أعمق، وتكون حواسّك أول شاهد على ذلك.

تستمتع بمتابعة أدق التفاصيل في سفرك المنفرد؛ تأخذك من جهة تفاصيل المنازل بأبوابها ونوافذها وألوانها وشرفاتها وحدائقها. وتأخذك من جهة أخرى تفاصيل الشوارع بإشارتها ورسوماتها ومحلاتها ومطاعمها ومقاهيها. تلاحظ الاتساق الموجود بين المباني أوالعكس، تستوقفك الهندسة المعمارية المستعرضة في المعابد، والأبراج، ومحطات المترو، والمتاحف، والتماثيل والقناطر. تثير انتباهك حركة المرور، وموضع القمامات، ولافتات الإشهار، ولون سيارات الأجرة، وشكل الحافلات وغيرها من وسائل النقل. تُركزّ مع الوجوه وتُراقب الملامح والحركات وأنواع اللباس والأحذية. تنصهر بين التفاصيل وتجد نفسك تُمارس كل شيء بطريقة مختلفة؛ تفكّر وتحلّل وتقارن وتُفسّر وتستنتج بطريقة جديدة. تستخرج من قبعة نفسك السحرية شخصية مدفونة من شخصياتك المتعدّدة وتتعرّف عليها دون أي تأثير خارجي أو إزعاج.

عندما تسافر بمفردك فإنّك تحتفظ بطاقتك لنفسك فقط، لا تستهلكها مع من يُرافقك في الاتفاق على برنامج السفر ومكان الأكل وزيارات أماكن لا تستهويك والقيام بأنشطة لا تنفعك في شيء. وفي المقابل، توجّه شحناتك لتجربة الأنشطة التي تثير اهتمامك وتُصاحب السُكّان المحليين وتحاول التواصل معهم بلغتهم أو بلغة الإشارة إذا استنفذت الكلمات التي كنت قد ذاكرتها من قبل. تتحدّى خجلك ومخاوفك وتفعل ما كنت تعتقد أنّك لا تستطيع فعله. تشبع فضولك المقموع وتتهور مع نفسك لمداعبة هرمون الكرّ والفرّ الذي استنزفه التوتر اليومي. تنفتح من كل جوانبك وتمتص اللحظات بكل خليًة في جسمك.

لا تُبالغ في أخذ الصور خوفا من نسيان المنظر في المستقبل ولا تنظر إلى هاتفك باستمرار لقراءة رسائل عن أحداث مضتْ لأنك مشغول بالآني وغارق في تفاصيله. لا تضيع فرص التأمل ومراجعة الذات وتهذيبها. كما تذهب عنك لعنة إدمان التحقق من بريدك الإلكتروني في كل دقيقة مثل الرجل الآلي المبرمج. تركّز مع ذاتك لدرجة أنك تضمن لها هذا النوع من الراحة وتنصت لاحتياجاتها وتوفرها لها وترمم الأجزاء المتلاشية فيها، واحدًا تلو الٱخر.

بعد مدّة من الضغط والاكتظاظ الاجتماعي وقائمات الأعمال والواجبات التي لا هروب منها في حياتك اليومية، تعانق حريتك الطبيعية في سفر منفرد وتُنمّي استقلاليتك وتُجدد الوصل مع عزلتك وتنطلق بلا قيود. تعيش نوعًا من البوهيمية المؤقتة وتستبدل الفوضى الداخلية التي ترتّبت عن ضغط تلك الحياة النمطية بفوضى خارجية يتبعثر داخلها كل ما هو روتيني ومألوف ومفترض. تستمتع بذلك النظام الجُواني الذي ينتج عن يوم متمرّد مسترخ لا يصغي لمنبه ولا يعترف بمخطط ولا يقبل بأي مواعيد.

ربّما لا يكون السفر المنفرد مناسبًا لكلّ الناس، وربّما لا ينفعهم بالقدر الذي صوّرته في هذا المقال، لكنّه تجربة تستحق أن تُعاش ولو لمرة واحدة. ولا أنفي أهمية السفر الجماعي وحاجتنا له لتجديد العلاقات وترسيخ الذكريات ومشاركة المتعة والمغامرات، وللنفس واسع النظر في الموازنة بين أذواق السفر المتعددة.
  • Like
التفاعلات: علي سيف الرعيني

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى