علي أسعد وطفة - من جائحة الدبلومات إلى وباء المهارات: عندما يختزل التعليم إلى شهادات مدرسية أو مهارات مهنية!

"لقد أسسوا المدارس، ليعلّموننا كيف نقول نعم بلغتهم"
(الطيب الصالح، موسم الهجرة للشمال)



مما لا شك فيه أن التعليم الحالي يعاني من أزمة الشهادات العلمية التي أصبحت هدفا وغاية للمتعلمين والمؤسسات العلمية في مختلف أنحاء العالم. وتعد هذه الظاهرة من أخطر الظواهر التي تواجهها المجتمعات الإنسانية والأنظمة التربوية العالمية، إذ يختزل دور الأنظمة التعليمية في منح الشهادات التي تعتمد بدورها في عملية التوظيف والحصول على المراكز الاجتماعية. وإذا كانت هذه الظاهرة خطيرة في المجتمعات المتقدمة فإنها ستكون أكثر خطرا وأشد تدميرا للأنظمة التعليمية في بلادنا اليوم. فتحويل التعليم إلى نظام لإنتاج الشهادات قد أفرغ التعليم من مضمونه الفكري والعلمي والثقافي وكذلك فإن تحويله إلى مصانع لانتناج الخبرات قد قد يكون أمرا أشد وطأة وخطرا . لقد طرح كثير من المفكرين بأن الخروج من هذه الأزمة لا يكون إلا بتغيير جوهري في الأنظمة التربوية وأنظمة العمل يعتمد على تحقيق التوازن بين الشهادة والخبرة العلمية عن طريق الاصلاحات التربوية الجوهرية في الأنظمة التعليمية.​

ولأن حركة الاصلاح التربوي لم تحقق جدواها في المجتمعات الرأسمالية جاء من يطرح - بأبعاد سياسية- أن يكون الحل من خلال التركيز على المهارات بدلا من الشهادات العلمية، ومن شأن هذا الأمر أن يزيد الطين بلّة كما يقال وذلك لأن التحول إلى مجرد المهارات يشكل ضربة قوية جديدة للنظام التعليمي، ويشكل في الوقت نفسه الانتقال من تحت الدلف إلى تحت المزراب كما يقول المثل الشعبي. ووفقا لهذا التوجه الرأسمالي الجديد ستحل الضربة القاضية على المدرسة والمؤسسات التعليمية التي بدأت تفقد وهجها الإنساني بوصفها مؤسسات معرفية ثقافية تعمل على إعداد الإنسان روحيا وثقافيا وإنسانيا لممارسة الحياة وفق معطيات الثقافة والأنسنة والحضارة. وهذا يعني أنه عندما يقتصر دور المدرسة على منح الشهادات وتأهيل الطلاب بالمهارات فإن ذلك يعني الموت الحتمي للتربية والتعليم وتحول هذه المؤسسات إلى مؤسسات ربحية مفرغة من كل معانيها الإنسانية والأخلاقية.​

لقد أثيرت قضية الشهادات العلمية حديثا على أثر القرار الذي اتخذ في الولايات المتحدة الأمريكية باعتماد المهارات في التوظيف بدلا من الشهادات العلمية. وقد جاء في شبكة فوكش نيوز أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الجمعة، وقع أمرا تنفيذيا بتوجيه تعليمات لفروع الحكومة الفدرالية، بالتركيز على المهارات بدل الشهادات الجامعية في اختيار الموظفين الفدراليين. وكانت الرئيسة الشريكة في المجلس الاستشاري لسياسة القوى العاملة الأمريكية، ومستشارة الرئيس الأميركي، إيفانكا ترامب، قد أوصت الحكومة الفيدرالية -التي توظف أكثر من مليوني عامل مدني- بإعادة وضع استراتيجية توظيف، تقوم على المهارات وجاء في توصيتها "نحن نقوم بتحديث التوظيف الفيدرالي، للعثور على مرشحين يتمتعون بالكفاءات والمعرفة ذات الصلة، بدلا من مجرد التوظيف بناء على الشهادة". وأضافت إيفانكا "نحن نشجع أصحاب العمل في كل مكان لمراجعة ممارسات التوظيف لديهم، والتفكير النقدي في كيفية دعم المبادرات الخاصة بتنويع وتعزيز القوى العاملة لديهم". ولا يعني البيت الأبيض بذلك إلغاء شروط الحصول على الدرجة من أجل التوظيف، ولكنه بدلا من ذلك يشجع على إعطاء الأولوية لمهارات الوظيفة، مما يجعل الدرجة العلمية أو الشهادة أقل أهمية. وتعتقد إيفانكا ترامب بأن هذا سيوسع القوى العاملة ويحسنها، حيث ستكون أكثر شمولا. وسيتم تشجيع الشركات الخاصة على اتباع هذا البروتوكول الجديد، وقد بدأت شركات مثل IBM بالفعل في تنفيذ مثل هذه المبادرات. وقد قامت IBM بتعيين 15 بالمائة من قوتها العاملة، من خلفيات غير تقليدية في العام الماضي، وذلك على أساس المهارة بدلا من المستوى التعليمي.​

ويمكن القول بأن هذا التوجه الأمريكي يمثل ضربة قاضية للمدرسة ، إذ يؤسس لعملية تحويل المدرسة إلى مؤسسة رأسمالية مفرغة من مضامينها الإنسانية والأخلاقية، فهي في المنظور الأمريكي- أي المدرسة- ليست أكثر من مصنع لإنتاج الخبرات والمهارات والشهادات. وهذا يعني إسقاط الجانب الإنساني والأخلاقي في المدرسة، وأكراه الأنظمة التعليمية على التخلي عن دورها الحيوي في انتاج الإناسة والإنسان. ومما لا شك فيه أن المدرسة تعاني من مرض الشهادات ولكن مرض المهارات قد يكون أكثر خبثا وتدميرا إذا أهملنا مسألة التوازن الثقافي والأخلاقي في المدرسة وإذا أسقطنا وظيفتها التقليدية في انتاج الثقافة والتربية.​

إذا أريد للنظام التعليمي أن يواجه تحدياته الحضارية فإنه يتوجب عليه فعليا أن يواجه تحدي ما يسمى بإشكالية "الشهادات المدرسية" التي تحولت إلى هدف تربوي يسعى إليه الآباء والمتعلمون على حد سواء، وقد لا نبالغ بالقول إن هذه المسألة على غاية الأهمية إذ تمثل واحدا من التحديات الكبيرة التي تواجهها مدرسة اليوم. فنظام الشهادات يمثل نقطة تقاطع لمختلف المشكلات التي تواجه التعليم والأنظمة التعليمية. فالشهادات تشكل شبكة معقدة من الأنظمة التربوية وهذه الشبكة تشكل ركنا أساسيا في مختلف الأنظمة التعليمية، ولكن هذا النظام ينغلق على الأنظمة التعليمة ويضفي عليها طابع الصلابة والجمود. ومما لا شك فيه أن نظام الشهادات تفرضه ضرورة المصالح النفعية التنافسية.​

ويجري الاعتقاد بأن الشهادات العلمية ضرورية لأنها تحفز الطلاب وتدفعهم إلى احترام النظام والاجتهاد في الدراسة والتحصيل. ويضاف إلى ذلك أن الدبلوم يؤدي دورا كبيرا في سوق العمل حيث يعتمد في تقدير كفاءات الأفراد وإمكانياتهم العلمية. وهناك من يعتقد أنه لولا نظام الشهادات المدرسية فإن النظام التعليمي سيتعرض للتصدع والانهيار وأن سوق العمل سيتحول إلى ممارسة اعتباطية مفرغة من مضامينها.​

ولكن مع ذلك يمكن لنظام الشهادات العلمية أن يتضمن صورة أخرى مختلفة نسبيا. فالشهادات العلمية هي التي توجد في أصل الامتحانات، أي أن نظام الامتحانات قائم على فكرة الشهادة المدرسية، وفي هذه السلسلة فإن الامتحانات بدورها تشكل منطلقا لبناء البرامج والمناهج المدرسية، وفي هذه المتوالية يجد المعلمون أنفسهم مكرهين على مراعاة هذه المناهج والسير على هديها إذ تتحول إلى قوة تسلبهم القدرة على التعليم بطريقة إنسانية خلاقة. وضمن هذا التسلسل السببي فإن هذه المناهج القائمة على الامتحانات من أجل الشهادات المدرسية تحاصر الطلاب وتنغص عليهم أسباب حياتهم ووجودهم فتدفعهم إلى حلقة مفرغة من التنافس والصراع الذي يحوّل الحياة المدرسية إلى محنة إنسانية تتكاثف فيها قيم الخوف وتتوالد قيم القسر والإكراه والتحدي، وتقوم على حشو الدماغ بالمعلومات والتحضير السريع للامتحانات المملة. ويمكن التأسيس على هذه الرؤية لنظام الشهادات أن هذا النظام مضاد للعملية التربوية ومضاد للمجتمع، لأنه يؤدي إلى حالة من الإفراط في الشكلية التربوية التي تفرض نفسها على النظام التعليمي برمته، فالشهادات تفرض على المعلمين والتلاميذ نوعا من المتطلبات الشكلية وتضعهم جميعا في عالم مقفل ومنغلق على نفسه.​

وإذا كان ثمة نقد يوجه للنظام التعليمي الحالي فإنه نقد مرير يوجه إلى ما يحدثه من قطيعة مع الواقع والحياة وانقطاع إلى عالم الكتب والمحابر والكراسات. إن أي اصلاح تربوي يجري في القطاع التربوي سيكون دائما شكليا ولن يصل إلى غايته ما لم يتم التخلي عن نظام الشهادات المدرسية. وهنا إزاء هذه القضية نجد اتجاهين أساسيين: أحدهما يؤكد أهمية النظام المدرسي القائم على الشهادات وهذا التوجه مضاد للنظام التربوي الذي يقوم على احترام قيم الابداع والتفرد والازدهار في شخص المتعلم. أما الثاني فيرفض بالضرورة هذا النظام القائم على الشهادة العلمية ولكن أصحاب هذا الاتجاه يحتاجون لمزيد من الشجاعة والقوة والإرادة لمواجهة هذه الحقيقة المرّة التي تتعلق بالشهادات التعليمية.​

إن تحرير النظام التعليمي من ديكتاتورية الشهادات المدرسية يمكن هذا النظام من تنمية الابداع والأصالة وتنهض بالخيال والحس الجمالي والإنساني للطلاب والتلامذة والمريدين، ويمكن في هذه الحالة أن نتحدث عن بيئة ثقافية حقيقية في المدرسة والنظام التعليمي يتم فيها احترام مختلف البعاد الإنسانية للذكاء والمعرفة الحقّة والحرية والقيم الأخلاقية.​

فالشهادات والامتحانات تشكل مرتكزات نظامنا التعليمي الذي يقوم على الذاكرة والحشو والاستظهار والتمثل العبودي وذلك على حساب النشاطات والفعاليات الذهنية والعقلية الخلاقة والمبدعة، مثل : التحليل والفضول والتخيل والابداع والتحليل والنقد والحدس. ومما لا شك فيه أن هذه القدرات والقيم العقلية لطالما قد قهرت وخنقت وحوصرت في الأنظمة التعليمية التلقينية القائمة على التسلط الذهني القائم على الاستظهار والشكليات المعرفية. وذلك لأن هذه الأنظمة جعلت من الشهادات والامتحانات هدفا حيويا وأساسيا لفعالياتها ونشاطها التعليمي. إنه أنظمة تحضر الطفل للامتحانات والدبلومات والشهادات ولكنها نادرا ما تحضره للحياة الذكية النشطة القائمة على الفهم والمشاركة والابداع.​

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل يمكن فعلا إيجاد نظام مدرسي جديد يرفض الامتحانات والشهادات؟ وهل يستطيع المجتمع الإنساني الحديث أن يتخلى عن نظام الشهادات؟

فالمجتمعات المعاصرة تشهد اليوم أزمة تضخم في الشهادات العلمية. فمن أجل أداء مهنة أو وظيفة ما يتطلب الأمر شهادات أعلى بكثير من المستوى المطلوب لأداء هذه الوظيفة في مراحل سابقة. فالمرء يحصل اليوم على شهادات علمية لشغل وظيفة لا تحتاج مثل هذا التأهيل وما يحدث أن هذه الشهادات تعطي للوظيفة أهمية واعتبار أكثر مما يجب.​

ويضاف إلى ذلك أن المدارس الخاصة أبدعت شهادات وأضفت عليها قيمة في مجال سوق العمل. وبالتأكيد فإنه لمن السهولة بمكان اختيار الأفراد وتوظيفهم وفقا للشهادات المدرسية التي يحملونها، حيث أصبحت الشهادة معيارا للكفاءة والجدارة، وهي بذلك ليست سوى معيار اعتباطي وغير عقلاني يُعتمد للتمييز بين هؤلاء الذين يستطيعون ممارسة وظيفة ما وهؤلاء الذين لا يستطيعون. ولذلك فإن التفكير في استبعاد دور الشهادة العلمية أو التقليل من دورها في المجتمعات الحديثة سيكون نوعا من التجذيف ضد التيار. ومع ذلك، فإن المصلحة الثقافية للمجتمع، والغايات التربوية للتعليم تقتضي إيقاف هذا التضخم في حسابات الشهادات العلمية والتخفيف من حدتها إلى أبعد حدّ ممكن.​

ومن أجل هذه الغاية، يجب الاقتناع بأنه يمكن للمجتمع الحديث أن يستمر في الوجود من غير الشهادات العلمية، ويمكنه أيضا أن يكون أكثر فعالية وإيجابية. وعندما نراقب ما يجري عن كثب فإننا سنجد مبالغة كبيرة في استخدام الشهادات وتوظيفها بأكثر مما يتطلب الأمر أو بأكثر مما يجب. فالشهادت المدرسية وفقا للطريقة التي تستخدم فيها وتوظف تؤدي إلى نوع من الجمود وتمنع المجتمع من مرونته وحركته وتحاصر الإبداع وتضعف الكفاءات الحقيقية في المجتمع. فعلى سبيل المثال لو أن شخصا ما حصل على شهادة علمية مطلوبة لممارسة مهنة التعليم فإنه سيجبر على ممارسة هذه المهنة مدى الحياة حتى لو لم يحقق أي نجاح في مهنته هذه، ولن ينفعه أن يعلن تذمره وشعوره بعدم الرضا والتعاسة أحيانا. فلقد حكم عليه مرة واحدة على أنه معلم بحكم الشهادات التي يحملها في ميدان الاختصاص. وبالمقابل فإن الأشخاص الذين يمتلكون القدرة والرغبة في التعليم ويحملون إمكانيات النجاح في هذه المهنة ويتمرسون بالمعارف الضرورية لها لن يتاح لهم أبدا ممارسة هذه المهنة وذلك لأنهم لا يحملون الشهادات العلمية المطلوبة. ويمكن بالطبع الإشارة إلى قطاعات مهنية أخرى التي تعتمد الشهادة المدرسية أداة وحيدة في قبول موظفيها والعاملين فيها. وفي أي حال من الأحوال يمكن القول بأن المجتمعات الحديثة تعتمد الشهادات المدرسية وسيلة وحيدة ومعيارا أوحد في تقدير مكانة الأفراد وإمكانياتهم داخل المجتمع.​

وما يخيف في هذه الظاهرة أن يأتي اليوم الذي يكون فيه الزبائن هم الذين يقدرون الكفاءة الحقيقية للعاملين والموظفين. ففي عالم المال والأعمال حيث لا تسود الشهادة المدرسية، فإن عملية انتاج العامل هي التي ستحكم وجوده. فالبائع الذي لا يقدم فائدة وأرباح كافية للشركة التي يعمل بها سيجد نفسه في سوق البطالة عن العمل عاجلا أم آجلا. إنه قانون مجحف وسيكون وقعه قاسيا جدا على العاملين ولكنه مع الأسف سيكون الوسيلة الوحيدة التي يمكن للشركات الرأسمالية أن تتبناها في التعامل مع العاملين فيه ومع موظفيها. ويمكن القول في هذا الخصوص إن إسقاط نظام الشهادت سيكون بمثابة ثورة اجتماعية ومدرسية في الآن الواحد، وسيجسد نوعا من التغيرات النوعية في الذهنيات والبنى الاجتماعية. ولكن المجتمعات الإنسانية المعاصرة ليست مهيأة لاتخاذ مثل هذا التحول الراديكالي ولكن يمكن تحقيق هذا التغير في يوم ما ولا بد أن ذلك اليوم قادم على دروب الزمن، وسيكون هذا التغيير رهن ثورة ثقافية شاملة تشمل التكوينات الروحية والنفسية والعقلية على حدّ سواء.​

وإذا كان العمل على تعديل الشهادات العلمية، فإن الحل لا يكون أبدا بتحويل التعليم إلى مجرد مؤسسات لإنتاج المهارات والخبرات من أجل السوق، وإن مقولة الخبرات والمهارات تمثل خطرا لا يقل عن خطر الشهادات العلمية . فالمدرسة يجب أن تحافظ على وجودها بوصفها مؤسسات ثقافية تربوية تعني بالجانب الأخلاقي والإنساني بالدرجة الأولى ومن هنا تأتي أهمية المحافظة على الجانب الإنساني والأخلاقي والتربوي والثقافي في وظيفة المدرسة. إن تغييب دور المدرسة وتحويلها إلى مصانع لإنتاج الشهادات لا يقل خطورة عن تحويلها إلى مصانع لإنتاج الخبرات والمهارات.​

وهنا يتوجب علينا في عالمنا العربي أن ننتبه إلى الفخ الخطير الذي ينصب للمؤسسات التعليمية لتفريغها من مضامينها وتحويلها إلى مجرد مؤسسات منتجة للدبلومات أو للخبرات. وهذا يعني أنه يجب علينا أن نركز على عملية تحقيق التوازن بين المدرسة بوصفها مؤسسات للإنتاج الثقافي والمعرفي وبين عملية اختزالها إلى مؤسسات منتجة للشهادات أو للمهارات أو كليهما. وهنا يجب أن نقول معا " لا لعملية اختزل التعليم إلى شهادات مدرسية أو مهارات مهنية أو كليهما! نعم للإبقاء على الجانب الإنساني والثقافي للتربية والتعليم كي لا تموت المدرسة وتندثر الثقافة وتتساقط الأخلاق.​

د. علي أسعد وطفة
جامعة الكويت

هذا النص

ملف
علي أسعد وطفة
المشاهدات
1,338
آخر تحديث

نصوص في : فلسفة

أعلى