عبد الواحد السويح - المعتوه.. قصة قصيرة

يسقط أنفكَ من موقعه. تسيل أذناكَ. تغور عيناكَ. تفقدُ رجلكَ اليمنى وتبقى اليسرى منتصبةً. يتناثر شَعركَ ويخرج الكلمُ من جوفكَ مجسّدا..
تطوّقكَ الذّئاب والكلاب في حصار وحدويّ. تحت قدمكَ اليسرى المنتصبة دراسات قدّمتَها عن ابن المقفّع..
الزّنزانة أمامكَ والجلاّدون بنظراتهم المرعبة يقفون على بابها...
حبيبتكَ الرّجعيّة السّيّدة المصون (أ) تبدو من بعيد تمشي في خمارها خلف بعلها وتنظر نحو الأرض...
الأوراق النقدية تنزل من السّماء، تكاد تغطّيكَ.. والقادة الّذين قلتَ عنهم يوما إنّهم خونة، يضحكون مع زعيمكَ، رمزكَ...
لماذا تهذي بالذّئاب والخبز والسّجن والحبّ؟ لو نشيتَ هذه الأشياء لَمَا وجدتَها أمامكَ. إنّ الكلمَ يخرج من جوفكَ مجسَّدا ولا بدّ أن تنسى. ولكن طوبى لأنّكَ لم تعد شهيّا للتّعذيب والاضطهاد.. حتّى الذّئاب والكلاب عافتكَ. جثّة خنزير أهون عليها من هيكلكَ، والزّنزانة؟ الزّنزانة أقدس من أن تقضّي بها بعض الوقت، لأنّ مطلب إقامتكَ بها وإن توفّرت فيه بعض الشّروط، أهمّها زندقتكَ، إلاّ أنّ جسدكَ أُفرِغ من شحناته ولم يعد مناسبا لتجارب الجلاّدين.
وحبيبتُكَ المتحجّبة، سليلة الحسب والنّسب، سترثي حتما لحالكَ. إنّها رقيقة عطوف والشّماتة حرام بالنّسبة إليها. ومن يدري؟ ربّما تشعر بالذّنب وتتذكّر حبّكَ، يا من قلتَ لها في بدايتكَ عندما كنتَ رومانسيّا: لا تحبّيني حتّى أحبّكِ أكثر وأكتب عنكِ أكثر. ولكن حتّى وإن تذكّرتْ حبّكَ، فأنتَ ماضٍ بالنّسبة إليها، وما أتعس الماضي! أتعرف لِمَاذا؟ لأنّ كلّ حدث تتّضح معالمه ورؤاه يفقد رهبتَه وغموضَه، فيخرج من طور الإله إلى طور العبد، وقد كان ماضيكَ مأساة مرعبة أمّا الآن، فهو خرافة بليدة لا تستطيع حتّى التّفوّه بها.
انسَ كلّ شيء وحاول أن تبدأ من جديد. يمكنكَ أن تبنيَ علاقات مع الأشباح والشّياطين.. قالوا إنها موجودة ولا شكّ أنّها ستأنس بكَ. إنّكَ تشبهها تماما وإن كان ما تبقّى من هيئتكَ يدلّ على أنّكَ معاصر: ليست لكَ لحية وتلبسُ قميصا في جيبه سجائر والسّجائر اكتشاف معاصر. هيّا، ابدأْ !
وتنطلق بعصى وغراب على كتفكَ، تشعل سيجارةً فيحترق لسانكَ... ألا تتكلّمْ؟
( لا أنتمي إلى أيّ تجمّع سرّيّ. لستُ كافرا. مجرّد أفكار مقتنع بها وليست بالأفكار المتطرّفة. أنا تقدّميّ. من لا يعشق الحرّيّة ومن لا يحبّ العدالة؟
كان لا يستمع إليكَ. يخيّل إليكَ أنّه يفكّر في طريقة جديدة لتعذيبكَ. لماذا لا يعشق إلاّ جهازكَ التّناسليّ؟ قال إنّه سيُفقدكَ رجولتكَ إذا لم تتكلّم!
ويشعل شمعة فتبعث في الزّنزانة رهبة صفراء في لون الموت وبدا ظلّكَ المنعكس على الجدار الأيمن كالشّبح. ما أرهب أن تجد نفسكَ مكرَّرا في ذلك المكان! تنهدّتَ ولم تبك.
وبكت الشّمعة في دمك وسألت دموعها مدرارا وقاربت الذّوبان فتراقص نورُها وتمايل ظلُّكَ معه ولم تتمايلْ، وحين فرحتَ، انطفأتْ.)
أنتَ الآن أخرس، بشع، قذر، تتمنّى نهاية ابن المقفّع.. أنّى لكَ ذلك يا معتوه؟
- عليكَ اللّعنة فلتذهب إلى الجحيم!
كم سمعتَ هذا الرّدّ من مرّة كلّما اعترضكَ إنسان تمدّ له يدكَ؟ قل أعوذ بربّ الفلق من شرّ ما خلق. اغرب أنتَ وغرابك! متى ينبتُ الرّبيع على قبرك إن أواك القبرُ؟
أووه ! انظرْ، أنتَ لست وحدك. قد حلّت اللّعنة بالبلاد. إنّ معتوها آخر يأتي من الجنوب وثالثا يأتي من الشّرق ورابعا وخامسا.. ويشيب الغراب على كتفك والرّبيع؟ متى ينبت الرّبيع؟




L’image contient peut-être : 1 personne, assis

هذا النص

ملف
عبد الواحد السُّوَيِّح
المشاهدات
53
آخر تحديث

نصوص في : قصة قصيرة

أعلى