د. وفاء الحكيم - في مراوغة الأسئلةِ..!

طرقاتٌ فجائية ،وحادة على باب شقتي توقظني من نومٍ هادئٍ ، وتراوغُ الأحلامَ الكثيرةَ التي امتلأ بها كياني . فالشهر القادم ربما يزداد راتبي بنسبةٍ تتراوح مابين العشرةِ ، والخمسة عشر بالمائة ، والسنة القادمة ربما أستطيع الزواج من الفتاة الهادئة ،والجميلة التي أحبها ، أما السنة ما بعد القادمة فحتماً سأستطيع شراء بيتٍ لأولادي القادمين إلى هذا العالم.
فقط أن ينجحوا كما وعدونا في التخلص من تلك القمامة التي تملأ الشوارع ،وتطفح من كل الاتجاهات ..فمن غير المعقول أن أتزوج ،وأنجب ،واشتري بيتا بحديقة وحولي كل هذا الكّم ِّمن القمامة ،وغير معقول أن أزرع شجرةَ ليمونٍ وبعضَ أزهار السوسن والنرجس ولا أستطيع أن أشتمَّ رائحتَها؟؟!
يا لَهذه الطرقات العنيفة التي تواصل الدق على بابي فقد أحالت رأسي إلى عش ضخم لآلاف الغربان التي تلملم كآبتها ..! وتبني أعشاشَها ، وتهرب خائفة ،ثم تراوغني كعلامة استفهام خلف الباب المغلق؟؟!
أحاول أنا أبدو متماسكاً أمام سيل الافتراضات ففاتورة المياه ،وفاتورة الكهرباء وما تبقى من ديوني لدى بائع الخضروات قد دفعتها كلَّها . أعودُ وأحاولُ أن أفك قيود الاستفهام في عقلي فأقربائي أقوم بزيارتهم ولا يأتون، وأصدقائي أجاملهم في شتي مناسباتهم ولا يجاملونني ولو بكلمة فمن منهم يطرق بابي الآن؟؟
ربما ينتظرون أن تكون لي زوجة وأولاد ليغرقوني بالهدايا..!
أو ربما يأتونني عندما يسمعون عن حادثٍ سعيدٍ وقع لي ! نظرت خلال العين السحرية وتأملت ما وراء الباب جيداً. كانت صورة الرجل تراوغني بمفرداتها كاملة : حلته السوداء ،والقبعة ، وتلك النجوم التي تلتمع على كتفيه !! يحتويني الخوف ،وتراوغني الأسئلة : ما الذي أتى به إلى بيتي..؟؟
فأنا لم أفعل شيئاً يحفزه نحو المجيء فلم يسبق لي أن اشتركت في ثورة سقط نصف ثُوارها قتلى ، والنصف الآخر أثبتت التحرياتُ الدقيقةُ أنَّهم عملاء ، وخونة ،ويتآمرون على أمن البلاد ، لكنَّهم تركوهم يلهون معنا ويشغلون لنا أوقات فراغنا بعد مسلسل التاسعة!
كما أنني لم أختلف مع النظام السابق، ولا النظام الثوري، ولا النظام المؤقت ، ولا النظام الشرعي، ولا النظام الانتقالي ، ولا النظام المنتخب !!
أحمد الله كثيرا على نعمة التروي في اتخاذ القرارات المصيرية فقد نجوت من اتهامي بأنني من الفلول ، أو من الطابور الخامس ، أو من الجماعة المنحلَّة ؟؟ وتمت نعمة ربي علىَّ حين خلقني وأنا أكره التلفاز فنجَّاني من تهمة الفاشية الإعلامية ، وخلقني وأنا أيضاً أكره المشايخ كلَّهم فنجَّاني من السلفية التقدمية!!
الحمد لله أنني كنت بسيطاً ، ومغموراً انحاز دائما إلى البسطاء المغمورين والمنسيين دائما من حسابات النخبة!!
أتراه شيءٌ قديم كنت من إهمالي قد تركتُه فأصبح دليلَ إدانتي ؟؟
أتكون الكتب الدينية ؟؟ تلك التي أستعيرها ، وأعيدها إلى صاحب المكتبة في اليوم التالي؟؟
أيتهمونني بالليبرالية .. لكنني أومن بها بقلبي ولم أصرح بذلك لأحد..؟؟ أيكون حسابي على ( الفيس بوك )؟؟
فقد حصدت مرة مائة إعجاب لتعليق كتبته !! أتراني أحتفظ بإحدى صور (ماركوس) اللعين الكافر ؟؟
أم تراها صور (آية الله خاميني ) أيعقل أن يتهموني بالتشيع ؟؟
لا.. لا أعتقد إنهم وصلوا لهذا الحد ..؟؟
أتراها جريدة قديمة منشور بها إحدى المقالات التي تغازل الثورة المضادة؟؟
لكنى على يقين بأنني لا أملك جرائد منذ تلك الواقعة التي قبضت فيه السلطات على أحد الأشخاص ، وأودعته السجنَ لأنها وجدت عنده أعداد كثيرة من صحف تتحدث جميعها عن صحة الرئيس وقدراته الذهنية !! أو تكون تلك القصاصة البالية التي كتبت فيها بخط يدي
( يا إخوتي
الذين يعبرون في الميدان في انحناء
منحدرين في نهاية المساء
لا تحلموا بعالم سعيد ..
فخلف كل قيصر
يموت قيصر جديد )
تبا لي فقد نسيت أن أمزق هذه القصاصة ،وألقيها في سلة القمامة !
أتكون نسخة من كتاب تمت مصادرته أو رواية اعتقدوا أنها تسئ للذات الحاكمة؟؟
أتكون صورتي مع زميل الدراسة الذي قتلوه خطأ لتشابه اسمه مع اسم رجل ينتمي لواحد من التنظيمات الإرهابية؟؟
يا الهي كم تراوغني الأسئلة ،وتراوغني الأجوبة ، وتراوغني الاستنتاجات ،وتراوغني الطرقات التي على الباب ،وتراوغني الأفكار المختبئة داخل تلافيف عقلي ، وعلى سطح قشرته الخارجية.
ربما يكون أحدهم قد خبأ لي قطعة من الحشيش ،أو الأفيون ليتخلص مني
ويشفي قلبه من غيرته الشديدة مني ؟؟ أو يكون أحد الشواذ قد قدم فيّ بلاغا لينتقم مني فقد بصقت على أحدهم حين حاول لمس أجزاءي الخاصة ، ولم أنتبه كثيراً لحقوقهم المشروعة في الحب ؟؟ أو ربما يكون أحدهم قد خبأ داخل شقتي قطعة من الآثار المسروقة حين حاولت الشرطة القبض عليهم وفشلت فشلاً ذريعا ًعندما هاتفهم أحدهم بميعاد المداهمة !!
يا إلهي مازال يواصل طرقاتِه المتتالية ،ومازلت أبحث عن إجابة تريح أشلائي التي مزقتها الأسئلة المتتالية؟؟
ولكن هل سأقف هكذا ..؟؟
فلابد أن أفتح الباب قبل أن ينفذ صبره فيداهمني ويكسر الباب عنوة .فتحت الباب ، ووقفت لحظات صامتاً ثم بدأت الدفاع عن اتهاماتٍ كثيرة ربما بدأت الدفاع عن وجودي الذي لا حيلة لي فيه؟؟
كانت يداي ترتعشان ،وأنا أسأله عن سبب حضوره فسألني بصوت خفيض عن عيادة طبيب أمراض النساء الذي يقطن في البناية المجاورة .كان العرقُ ينزُّ بغزارةٍ من جبهته، ويثرثرُ بكلماتٍ عن زوجتِه التي فاجأتْها ألامُ المخاضِ ، وخوفه من أن تفقد الجنين ، ولا يستطيع إنقاذها . حاولتُ أنْ اشرح له بأن الطبيب الذي يقصده في نفس الطابق لكن في البناية الزرقاء المجاورة سوى أن شعورا بالظمأ والإعياء داهمني جعلني أبلل شفتي بلعابي وأنا أقف أمامه أحاول أن أتسمع صوت امرأة تستغيث أو طفل يبكي خائفاً ، مُصِرَّاً على أنْ أواجهه بالبلادة والصمت ،واللامبالاة ، مثلما تركونا من قبل نسقط في براثن الأسئلة البسيطة جدا ، والشائكة ، والتي دوما بلا أجوبة...!


د/ وفاء الحكيم
عضو النقابة العامة لاتحاد كتاب مصر

تعليقات

لم تسلم الاحلام والامنيات ورغبة السلام رغم ما لدي الراوي من عناء وجلد وتحمل وانتظار واذعان ---كل ذلك لم يسلم من الهاجس الامني وصخب السلطة واستشعار المؤامرة وخشية العقاب من جرم لم يرتكب وحماقة لم تحدث ---ما اصعب يكون الوطن زنزانة في خيالاتنا
لسردك روعة
 

هذا النص

ملف
د. وفاء الحكيم
المشاهدات
142
التعليقات
1
آخر تحديث

نصوص في : قصة قصيرة

أعلى