د. عادل الأسطة - قراءات في أدب إلياس خوري ( القسم الأول) الياس خوري يواصل لعبه الروائي قراءة في روايته الجديدة " يالو "

(1)
يواصل الروائي اللبناني الياس خوري، في روايته " يالو " (2002) مشـروعه الروائي الذي أقصى فيـه الناقد الذي عرفناه من خلال كتبه النقدية العديدة وأبرزها " تجربة البحث عن أفق " (1974) و " دراسات في نقد الشعر "(1976) و " الذاكرة المفقودة "(1982) و " زمن الاحتلال " (1984).
ويواصل أيضاً لعبه الروائي، ويكتب رواية الحداثة التي أهم سماتها، كما يكتب حليم بركات في كتابه " المجتمع العربي في القرن العشرين " (2000)، أنها:
" رواية تحررية تجمع بين الجد واللعب الفني، فيندمج فيها الشكل والمضمون، والمضمون بالشكل وقد يلتقيان أو لا يلتقيان بحسب سياق الكتابة نفسها ورغبة الكاتب " وأنها رواية في مثلها " يتخبط الإنسان بين أمواج الحيرة والتساؤلات " ( ص 799 ).
وكان الكاتب قد بدأ هذه اللعبة في روايته " "مملكة الغرباء" (1993) و في هذه، كما تكتب ميسون علي"" بحث عن كيفية إخبار الحكاية، و كيف نركب حكاية، اي نروي حكايات مختلفة تشكل رواية واحدة" (مجلة الطريق اللبنانية، ع1، سنة 60،2001،ص 116)، وواصلها في رواية " مجمع الاسرار" (1994)، و في هذه، كما يكتب صبحي حديدي، "ثمة ارهاص بما سيفعله الياس خوري في "باب الشمس" (1998): نثر الحكاية الواحدة على معظم او جميع فصول العمل، و استجماع خيوطها بين حين و آخر دون الوصول بها الى خاتمة، و تنويع اصوات السرد و زوايا رؤية الواقعة، و توزيع مشاركة الاطراف في صناعة الحكاية و اعتماد الإرجاء - والكثير من الإرجاء في الواقع - قبل إغلاق حبكة ما، فرعية أم مركزية. وليس بغير دلالة شكلية صريحة، لعلها تأخذ أيضاً هيئة المفتاح الأسلوبي إلى العمل، أن خوري يبدأ 11 فصلاً من اصل 16 بعبارة مماثلة واحدة هي " هكذا بدأت الحكاية " أو " بدأت الحكاية هكذا ". ( الطريق، ع1، سنة 60، 2001، ص 125 ).
ولا يشذ الياس في شكل القص عن مألوف التراث العربي والعالمي، يكتب فخري صالح عن " باب الشمس " : " تعيد " باب الشمس " قراءة تاريخ فلسطين من خلال سرد حكايتهم التي تتناسل مع بعضها بعضا على طريقة " ألف ليلة وليلة ". حكاية تطلع من حكاية إلى أن نصل في النهاية إلى لحظة التحام الراوي بمن يروي عنه وله، خصوصاً أن الراوي في هذا الرواية الكبيرة هو جزء من الحكاية نفسها يروي للآخر ولنفسه وكأنه شهرزاد التي فيما هي تروي لشهريار حكاياتها الكثيرة التي تتوالد كل ليلة تتذكر حكايتها هي وتتساءل عن مصيرها الشخصي عندما تنتهي الحكايات وينتصب الموت المهدد في النهاية "( الطريق، ع1، سنة60، 2001، ص136 ).
ويربط صالـح بين الرواية هذه ورواية الكاتبة العالمية ( ايزابيل الليندي ) وهي رواية ( باولا )، إذ يستعير الياس خوري منها التقنية، وفي ( باولا ) " تقوم الأم بالحديث مع ابنتها الذاهبة في غيبوبة عميقة بغرض انتشالها من أرض الموت "، وهو الأمر الذي يفعله الياس خوري في جعله الطبيب-الممرض خليل يحكي مع يونس المصاب بغيبوبة عميقة علّه يعيده من أرض الموت كذلك " ( الطريق، ص 139 ).
ولعل اللعب الروائي يبدو، ايضاً واضحاً في " يالو " (2002) مع أن الياس خوري غير حاضر فيها، مثل حضوره في رواية مملكة الغرباء، ومع أن بطلها ليس كاتباً روائياً، وإن أدرج البطل نفسه فيها، ذات مرة، على أنه مثقف. و " يالو " ليس كاتباً روائياً، ولا دارساً للحكاية، كما هو حال الراوي في مملكة الغرباء ". إنه هنا يكتب ما يطلب منه المحقق أن يكتبه، بعد أن اعتقل ووجهت إليه بعض الاتهامات التي أهمها أنه منتم إلى عصابة لها صلة بالمتفجرات، وهو ما لم يكن أصلاً عليه. إن " يالو " يذكر قارئ روايات ( فرانز كافكا ) بـ ( يوسف. ك ) بطل رواية " القضية "، وكما سيق هذا إلى المحاكمة بسبب امرأة ما، دون أن يكون مذنباً، يساق يالو إلى المخفر، بسبب إساءة المرأة التي أحبها له. ويبدو يالو وجهاً آخر ليوسف . ك. ويكتب يالو قصته مراراً، يكتبها بناءً على طلب المحقق، وهكذا نقرأ ثلاث صياغات كتبها:
تقع الصياغة الأولى ما بين ص 179 و ص 187، وهنا يتغير إيقاع السرد، إذ يستخدم الضمير الأول، خلافاً للصفحات السابقة حيث يستخدم الضمير الثالث، وتقع الصياغة الثانية ما بين ص 205 و ص 219، وتقع الصياغة الثالثة " بين ص 261 وص 269، وفي هذه الأخيرة يخبرنا يالو أنه مثقف.
وتظهر هذه الصياغات جانباً من اللعب الروائي، ويرد هذا أيضاً على لسان المحقق حين يخاطب دانيال / يالو حول هذا:
" أنت يا كلب مفكر حالك ذكي وفيك تلعب فينا، نحن أعطيناك أوراق منشان تكتب الحقيقة مش منشان تؤلف قصص، وتتهم الناس وتخرب بيوت العالم ... " ( ص 273 ).
غير أن اللعب الروائي يبدو أوضح ما يكون منذ الصفحات 287 وما بعدها. هنا يقص دانيال عن يالو الذي كانه. دانيال هو يالو، ولكن دانيال هنا يقص عن يالو الذي كان يقص عن ذاته، وكان السارد يقص عنه. لقد انتهى يالو بانتهاء الحرب، وعاد دانيال، ولكن دانيال غير قادر على أن ينسى يالو. هنا نقرأ عن يالو الذي يخرج من دانيال، ودانيال هو الذي يقص، ولكن يالو يبرز أحياناً، وهنا نقرأ عن الاثنين. يكتب دانيال مخاطباً المحقق:
" أعتقد يا سيدي أنني شرحت الظروف التي دفعت بيالو إلى ارتكاب أخطائه وجرائمه. والآن سوف أحاول كتابة الحكاية كلها من الأول إلى الآخر. اعتبروني صوته الذي فقد منذ جلوسه على عرشه " ( ص 298 ). والجلوس على العرش، هنا، هو الجلوس على القنينة في السجن، الجلوس على الخازوق.
ولا يكتب دانيال من أجله، وإنما يكتب من أجل يالو وأمه. ( ص 378 ). هنا يبدو وكأننا أمام اثنين مختلفين، مع أن دانيال هو يالو نفسه. ولعل الياس خوري، في مواطن عديدة من الرواية ينطق دانيال/ يالو بما ينطق به هو شخصياً. ثمة ما يشير إلى نظريات نقدية حديثة لا يلم بها إلا أكاديمي أو مثقف، أكاديمي يدرس النقد الحديث أو مثقف مطلع على النظريات النقدية الحديثة. بل إن المحقق يبدو ملماً بنظرية التلقي. لنقرأ هذه الفقرة التي ترد على لسان المحقق:
" عم تفهم كيف لازم تكتب "
....
" اسمع يا كلب، عندي هون كل قصص يللي اعتديت عليهم واغتصبتهم وسرقتهم، بس القصص فيها فراغات، بدي ياك تعبي الفراغات. يعني تكتب شو صار لمن الزلمة أغمي عليه. فهمت ؟" ( ص 282 ).
وما يرد في ص 304، لا يمكن أن يصدر إلا عن شـخص درس التأويل والتفكيك وقرأ ( جاك دريدا ). إن ما يرد في هذه الصفحة عن قراءة الممحو نابع، كما أرى، من قراءات الياس خوري للتفكيكية ونظريات نقدية حديثة أخرى.
" جده قال وهو يروي عن المذبحة التي جرت في طور عابدين، إنه تعلم قراءة الممحو. لازم نتعلم نقرأ الكلمات الممحية، هيدي هي قصتنا، نحن شعب حكايته انمحت ولغته انمحت، وإذا ما تعلم يقرأ الممحي بضيع كل شيء " ( ص 304 ).
وتتكرر في النص الروائي عبارات وأسئلة أرى أن مصدرها الياس خوري نفسه لا شخوصه:
" لأنك لا تستطيع أن تروي الحكاية نفسها مرتين " ( ص 364 ) " وإذا لم أجد نهاية القصة فكيف أكتب " ( ص 379 ).
" كيف يكتب وماذا ؟" ( ص 235 ).
" لم تكن غابي قادرة على أن تصف للرجل علامات خوفها من الليل، لا لأنها لا تعرف أن تحكي، بل لأن الحكي لا يأتي إذا لم يكن الآخر مستعداً لسماعه " ( ص 249 ).
" حتى جرجي زيدان الذي قرأ يالو كل رواياته عن تاريخ العرب، اضطر أن يكتب مليون صفحة عن الآخرين، ثم حين كتب مذكراته، لم يكتب شيئاً " ( ص 257 ).
" كتب أولاً أن الإنسان لا يستطيع أن يكتب حياته، وعليه أن يختار بين أن يعيش أو يكتب " ( ص 258 ).
وتحيلنا عبارة يالو " إن جميع الأفكار مسروقة " ( ص 259 ) إلى نظرية السرقات ومقولات التناص. وربما تحيلنا هذه إلى رواية الياس خوري السابقة وإلى بعض المقابلات التي أجريت معه، وإلى بعض مقالاته النقدية.
قراءة في النص المحيط:
عنوان الرواية هو يالو، ويالو هو الشخصية المحورية التي من خلالها نقرأ عن الحرب الأهلية اللبنانية، وهي مادة أكثر روايات الياس خوري، وقد لاحظ هذا حليم بركات فكتب:
" إن الياس خوري حصد قمح الحرب الأهلية اللبنانية وطحنه وعجنه وخبزه، ولم يأكله ساخناً ربما كي يظل يسرد علينا حكاياته باللجوء إلى لعبة فنية قديمة تتوالد بها الحكاية من حكاية من دون نهاية ومن دون أن نكتشف العلاقة العضوية في ما بينها سوى من خلال التجريب الفني ومن خلال المناخ النفسي الذي خيم على الكاتب ومخلوقاته من الرواة ". ( المجتمع العربي، 2000، ص 804 ).
ولم يخب توقع حليم بركات، فيالو أنجزت بعد دراسته، وفي يالو يواصل خوري الكتابة عن الحرب اللبنانية، وتحديداً عن شخصية شاركت في هذه الحرب. ولد يالو ولم يعرف أباه الذي ترك أمه بعد عام وهاجر، وهكذا عاش يالو مع جده لأمه ومع أمه، فكان جدُه أباه وأمُه أخته. وكانت أمه على علاقة مع الخياط الياس الشامي الذي يمكن أن يكون والده. ويالو هو دانيال جلعو ابن جورج جلعو. ويالو لقبه. ولد يالو في بيروت سنة 1961، والتحق عام 1979 بالقوات اللبنانية، وبقي مقاتلاً حتى عام 1989. أخذه صديقه طوني عتيق إلى باريس وتخلى عنه هناك، وعاش متشرداً حتى التحق بالمحامي ميشال سلوم الذي أعاده إلى لبنان ليعمل حارساً في منزله. وميشال تاجر سلاح كثير السفر، وفي أثناء غيابه يقيم يالو علاقة مع زوجة ميشال رندة. وفي أثناء حراسته ( الفيللا ) يراقب يالو العشاق الذين يأتون إلى الحرج ليمارسوا الجنس، وهنا يهددهم، فيسرق أموالهم ويزني بالنساء، وذات مرة يتعرف على شيرين فيحبها ويقرر الزواج منها، ولكنها تقوده إلى الشرطة، وفي الشرطة يتهم بأنه على علاقة مع عصابة متفجرات، دون أن يكون هذا صحيحاً، ولكنه بسبب التعذيب، يقر بذلك.
وتبدو القصة قصة طريفة، بخاصة في نهاية الرواية ( ص 364- ص367 )، حيث تكتشف عصابة المتفجرات، ولا يكون يالو منها، وهنا نصغي إلى الضابط يخاطب يالو:
" ما تآخذنا يا مسيو يالو، ما تآخذنا، عذبناك معنا، قصتك سخيفة وما بتستاهل، اكتشفنا عصابة المتفجرات واعترفوا بكل شي، وأنت ما إلك علاقة. انت مجرد واحد عرس. ليش تذاكيت علينا وكتبت قصص ما إلها نهاية، وهيدا يللي خلَّلينا نشك فيك، بينما أنت أهبل. أنت مجرد عرس وتافه، وتهمتك يللي راح تتحاكم عليها هي السرقة والتعريس بنسوان العالم بحرش بلونه. منشان هيك ما كان في لزوم لكل هالاعترافات ".( 367 )
ولكن متى يتم ذلك؟ يتم ذلك بعد أن يعذب تعذيباً رهيباً يضطر بسـببه إلى الاعتراف بما لم يرتكب. ويقرأ المرء في الرواية صفحات عن التعذيب في السـجون تذكره بما قرأه في روايات السـجون والسير الذاتية التي كتبها سجناء عرب مروا بالتجربة. ( على سبيل المثال ص 121-125 ).
ويالو هو الأساس، ولكنْ ثمة قصص أخرى تشبه قصته وأهمها قصة ألكسي. إنه مثل يالو ضحية الحرب الأهلية اللبنانية. ( ص 134-ص153 ). " الحيوانات صارت أحسـن منا " ( ص 145 ).
لوحة الغلاف:
يكتب اسم الياس خوري أعلى يمين صفحة الغلاف، يكتب باللون الأسود تماماً كما كتب عنوان الرواية الذي توسط لوحة الغلاف، وإن بدا العنوان ذا حجم أكبر، وهذا له دلالته على أكثر من صعيد، من ذلك أن الياس خوري، كما لاحظنا، لا يكون، مثل غالب هلسة، محور رواياته. إنه يكتب عن الآخرين، وحين يفعل هذا يفعل هذا بوعي. إنه ينظر لهذا، وهو ما بدا لنا في المقابلة التي أجراها معه سامر أبو هواش، وهو ما يبدو لنا أيضاً حين نقرأ رواياته، فأغلبها لا تتمحور حول شخصيته، وقليلة هي الروايات التي بدا فيها الياس شخصية من شخصيات رواياته، وهو ما نلحظه في " مملكة الغرباء ".
ويحدد الكاتب جنس عمله الكتابي، فيكتب لفظة رواية أعلى صفحة الغلاف، جهة اليسار، يكتبها باللون الأبيض، وتبدو اللفظة كما لو أنها تتوسط شاشة تلفاز.
وقد صمم الغلاف من نجاح طاهر التي يبدو أنها قرأت الرواية واختارت صفحة مكتوبة بخط يد لتكون لوحة الغلاف، وهذا الاختيار له صلة بالنص. ويبدو أن الفنانة قرأت الرواية، وتوقفت أمام ص 378 و 379، وفي هاتين نقرأ عن معاناة يالو في السجن، هذا الذي لم يجد من يزوره ويحضر له بعض الأغراض، فأشفق عليه أحد حراس السجن، وأحضر له ما طلبه منه: عشرين ورقة بيضاء وقلم حبر ناشف، ولم يتمكن من إحضار المزيد ليالو:
" قررت أن أكتب قصة حياتي من جديد بخط صغير، بحيث تكون الكلمات مثل النمل، لا يستطيع أحد قراءتها. لا أريد أن يقرأ أحد سواي هذه القصة. رأيت بعيني هاتين كيف داس المحقق على أوراقي، قرأ بحذائه وأغرق الأوراق في مياه مبتذلة ونتنة الرائحة. لا تزال هذه الرائحة في أنفي، تختلط برائحة عرق الرجال وبولهم، ممّا يمنعني من التذكر. أريد أن أتذكر كل شيء. أحاول فأرى كل شيء أسود على أبيض، لكنني لا أستطيع أن أقرأ. كأنني أقرأ في منام. أرى حروفاً لا أستطيع فك رموزها. سوف أكتب على هذه الأوراق كلمات صغيرة، بحيث أضع في السطر الواحد صفحة كاملة ".
ويتوسط اسم يالو صفحة من هذه الصفحات التي قد تكون بخط يالو وقد لا تكون، لأن التصدير الذي توسط الصفحة الخامسة يقول شيئاً مهما. وقبل أن آتي على هذا التصدير أتساءل لماذا كان اسم يالو واسم الياس خوري باللون الأسود. قد نجد تبريراً لأن تكون لفظة رواية باللون الأبيض، ولكننا نرى في يالو ضحية الواقع، وأما الياس خوري فلم يفعل سوى أن كتب رواية الحرب اللبنانية في تناوله جانباً منها، فهل هو أسود لأنه فعل ذلك، وهل يالو أيضاً أسود؟ ويالو، كما أرى، ليس سوى نتاج واقعه، وكما ذكرت فهو ليس سوى وجه آخر لـ ( يوسف . ك ) في رواية (كافكا). ليس يالو المسؤول عن الحرب. إنه نتاج لواقع يغوص بجذوره إلى مذابح شهدها لبنان منذ 1860، وتأتي الرواية على هذا، وهي كأنما تريد أن تقول إن ما نقوم به من أعمال ليس سوى صدى للاوعينا. إننا نكرر في الواقع ما شهده الماضي وما قام به الأسلاف.
ولعل قراءة صفحة مما يكتبه الياس خوري بخط يده تمكننا من المقارنة بين خط لوحة الغلاف وخط المؤلف، لنرى إن كان يالو شخصية مخترعة، وأن الذي كان يكتب هو الياس خوري لا يالو. يكتب الياس عن يالو وأمثاله، ولكنه عبر اللعب الروائي، ينفي أن يكون هو وراء يالو ويؤكده، ينفي ذلك ويؤكده في مكانين الأول في التصدير، والثاني في الرواية نفسها، وتحديداً في ص 369 وما بعدها.
يصدر الكاتب روايته بالأسطر التالية:
" الأحداث والشخصيات والأماكن والأســماء في هذه الرواية هي من خلق الخيال. وإذا وجد أي شـبه بين اشــخاصها وأسمائهم وبين أناس حقيقيين، أو بين أماكنها وأحداثها وأماكن وأحداث حقيقية، فلــن يكون ذلك إلا محض صدفـة، ومـن غرائب الخيال، وخالياً من أي قصد ".(ص5)
ويفعل الكاتب هذا درءاً لأية إشكالات قد تقع وتمسه، وبخاصة أنه يذكر أسماء أماكن حقيقية قد تكون شهدت ما جرى في الرواية. ولكن الكاتب الذي فعل هذا يعود ويذكر في الرواية نصاً يوحي للقارئ وكأن الرواية حقيقية، وكأن شخصية دانيال/يالو حقيقية. يرد في الرواية نص الحكم الذي ورد بشأن يالو، ويتخيل المرء أنه يقرأ حكماً حقيقياً، ولأقتبس:
حكم باسم الشعب اللبناني
إن محكمة الجنايات في جبل لبنان، المؤلفة من الرئيس المنتدب غسان دياب والمستشارين نديم جحا ونقولا عبد النور. بعد اطلاعهما على مضبطة الاتهام عدد 223/ بتاريخ 18/3/94، وبناء على ادعاء النيابة الاستشارية في جبل لبنان عدد 9355 تاريخ 2/8/93 وعلى أوراق الدعوة كافة.
تبين أنه أحيل أمام هذه المحكمة، المتهم:
دانيال هابيل أبيض، المعروف باسم يالو، والدته ماري، مواليد 1961 بيروت، لبناني. أوقف وجاهياً بتاريخ 8-6-92، ولا يزال موقوفاً ليحاكم بمقتضى أحكام المواد 640/693 عقوبات، و 639عقوبات، لإقدامه في محلة بلونة، وبتاريخ لم يمر عليه الزمن على ارتكاب عدة عمليات سلب واغتصاب ليلاً وبقوة السلاح ... ".
غواية الكتابة:
يصدر الكاتب أيضاً روايته بالأسطر الشعرية التالية من جدارية محمود درويش:
ومثلما سار المسيح على البحيرة
سرت في رؤياي
لكني نزلت عن الصليب
لأنني أخشى العلو
ولا أبشر بالقيامة ... "
وقبل أن نناقش فكرة الالتزام وعدمه لدى الياس خوري لا بد من ربط هذه الأسطر ببعض صفحات من الرواية، وبـ (أنا) صاحبها. إن أنا المتكلم هنا هي أنا محمود درويش، وفيها يعلن أنه سار في رؤياه مثلما سار المسيح على البحيرة. هنا ثمة تشابه بين الشاعر والمسيح، ولكن درويش لا يواصل طريق المسيح لأنه يخشى العلو، وهو أيضاً لا يبشر بالقيامة.
ولعل ما يهمنا هنا هو المغزى لا المعنى. لقد ناقشت هذا في كتابي " أرض القصيدة: جدارية محمود درويش وصلتها بأشعاره " ( رام الله، 2001، ص 59-76 ). ولا بأس من توضيح هذا هنا.
ربط بعض الدارسين بين الشاعر والفيلسوف والنبي، ورأوا أن مهمة هؤلاء هي إصلاح العالم، الأول من خلال الكلمات، والثاني من خلال العقل، والثالث من خلال الفعل. وكان درويش في بداية حياته الشعرية يرمي إلى إصلاح العالم. كان أديباً حزبياً ملتزماً بمبادئ الحزب، ثم ترك الحزب وما عاد يرى في الكلمات قدرة على تغيير الواقع، واكتشف أن لا جدوى من الكلمات إلا رغبة الكلمات في تغيير صاحبها، وهذا ما دفعه إلى قول المقطع السابق. لقد نزل عن الصليب، وما عاد يبشر بالقيامة. وهكذا افترق في طريقه عن المسيح/الدلالة. والآن ماذا عن يالو؟
يقول السارد في ص 93: " غير أن الحرب أسالت الكلمات كما أسالت الدم. الدم يسيل، ولم يعد الناس يصدقون شيئاً، لا الدم ولا الكلمات. " هذا فيما يمس موقف الناس من الكلمات، ولكن يالو، وهو يجيب المحقق، يعترف بأنه قال لشيرين إنه يستطيع المشي على وجه الماء:
" نعم، قلتلها إني بقدر إمشي على وجه المي، مثل المسيح " ( ص 69 ). وقد فعل ذلك وما غرق. هنا يالو مثل المسيح.
ويعد السارد، دانيال هنا، يعد أنه سوف يروي حكايات يالو بالتفصيل ويوضح السبب الذي يدفعه إلى هذا " فأنا أريد لهذه الحكاية أن تكون عبرة لمن يعتبر " ( ص 317 )، والحبر الذي يكتب به هو روحه. هنا يبدو السارد معلماً يريد إصلاح العالم، مثله مثل الشاعر الملتزم، مثل الفيلسوف الذي يريد إصلاح العالم، مثل النبي الذي يرمي إلى تغيير العالم.
وتغدو القصة التي كتبها يالو غير ذات جدوى. لقد اكتشف المحقق العصابة ولم يكن ليالو صلة بها، ومن هنا لم يطلبها منه، خلافاً لما توقعه يالو. وهنا نقرأ
" رأيت بقع الماء المنتشرة على الأرض وشممت الرائحة العفنة التي تملأ المكان، فشعرت أنه يجب أن أعود إلى فوق.
ما كان يجب أن أصدقهم وأنزل عن عرشي "( ص 364 ). ويغدو يالو " واحد عرس " كتب قصصاً ليس لها نهاية، ولهذا شكوا فيه وورط نفسه، لم تنقذه قصصه ولم تنقذ غيره. لقد أوقعته في ورطة وأجلسته على الخازوق.
هنا ننتقل إلى الكتابة عن موقف الياس خوري نفسه من جدوى الحكاية. هل رأى أن درويش في أسطره يعبر عما توصل إليه هو نفسه؟ لقد أثار الياس أسئلة عديدة عن الكتابة، وهو ما يبرز بوضوح في " مملكة الغرباء ". في هذه نقرأ عبارات كثيرة مثل:
" حاولت أن ألعب معها لعبة أخبار الحكايات التي تعرفها " (ص11).
" عمّ أكتب " (ص12).
" لماذا أروي "(ص13).
" واليوم لم يعد القول يعني شيئاً "(ص13).
" الحقيقة أنني قلت لها بأننا سنغير العالم "(ص13).
" أنا لم أغيره، أنا رأيته " (ص13).
" الأبطال يموتون، وأما نحن فنروي حكاياتهم " (ص14).
" نحن نخون الموتى بشكل دائم، الكتابة عنهم هي ذروة خيانتهم " (ص22).
وتكفي هذه العبارات من الرواية لكي تقول لنا إن الياس خوري، الحاضر بشخصه في هذه الرواية، يرى سرد الحكايات لعبة، وإنه يتساءل لماذا يروي، وإنه لم يغير العالم بعد أن كان يريد تغييره. وإذا كان الكلام السابق ورد في رواية ما، وإذا كان الدارسون الذين اقتبسنا بعض آرائهم يرون أن الياس شغوف بفن الحكاية، فماذا يقول نفسه حول هذا؟ هنا نعود إلى المقابلة التي أجراها معه سامر أبو هواش لنرى رأيه في الفن الروائي والأدب الملتزم.
يسأله سامر عن الخيوط التي تجمع شغله كله في الكتابة الروائية فيجيب:
" ربما أظن أن هناك عدة خيوط لكن أبرز خيطين هما الأول طريقة السرد، أي كيف تبنى الرواية …….. الخيط الثاني هو العلاقة بالمضمون والمعنى، العلاقة بالموت انطلاقاً من التفكير بالحياة اليومية ". ( الطريق، ع1، 2001، ص148 )
وهكذا نراه يقدم طريقة السرد – أي كيف تبنى الحكاية / الرواية، على المضمون، وإن أشار إلى علاقة الشكل بالمضمون. لكأن الكاتب يؤمن، مثل البنيويين، بأولوية الشكل، ولا يذهب إلى ما يذهب إليه أصحاب المنهج الاجتماعي، حين يقرون بأولوية المحتوى، وإن أخذوا يربطون بين الشكل والمضمون ولا يفصلون بينهما.
وحين يروي الياس خوري حكايته عن الحرب لا يرى أنها الحكاية الوحيدة، إنها رواية مـن روايات. إنه لا يهتم أن تكون لنا ذاكرة واحدة " أحدهم قال لي مرة إنني كتبت رؤيتي الخاصة للحرب، قلت له لا بأس اكتب رؤيتك أنت، فأنا غير معني بالحكاية الواحدة والصيغة النهائيـة " ( الطريق، ص 149 )؛ ولهذا نجده يروي الحكاية مرات عديدة، وهذا ما لاحظناه في " يالو ". ووجهة نظره هذه لا تتفق مع وجهات نظر ماركسيين كثر كانوا يرون أن رواياتهم هي الرواية الصادقة الوحيدة، وأن خطابهم هو الخطاب الصادق الوحيد. ويقودنا هذا إلى رأي خوري في الأدب الملتزم.
لم ينتم الياس إلى حزب سـياسي يساري، وهو ليس من عائلة يسارية؟ إنه ابن عائلة لبنانية عادية، اتجه إلى المقاومة وإلى حركة فتح التي تتسع لكل الأفكار سواء كانت قومية أم إسلامية أم يسارية. وفي فتح كان جزءاً من مجموعة يسارية، وإن لم يكن يسارياً تماماً. ( انظر: الطريق، ص 144، 145 ). وحين كتب الأدب لم يكتب أدباً ملتزماً، وأول كتبه " عن علاقات الدائرة " ( 1975 ) لا علاقة له بالأدب السياسي، أما " الجبل الصغير " فقد استاء منها أصحابه لأنهم وجدوها عملاً غير ملتزم. ( انظر: الطريق، 145 ). ويقر هو الذي يرفض تسمية الأدب الملتزم، يقر أن أدبه ليس ملتزماً، وكانت إحدى مفاجآته حين قرأ ( نيرودا ) و ( ناظم حكمت )، لكن أدباءه " سواء، هنا أو في العالم لم يكونوا أدباء الواقعية الاشتراكية " ومن هنا أحب مجلة شعر " وحفظ نتاجات شعرائها ". ( الطريق، ص 145 ). ويذهب إلى ما هو أبعد من ذلك فيقول عن الأدب الملتزم:
" الأدب الملتزم كما قدم نفسه لا أحبه، أي الأدب المرتبط بالواقعية الاشتراكية، ببساطة لأنه ليس أدباً، لأن الأدب ليس لديه رسالة، أنا أكتب المقال السياسي كمواطن وهذا الرأي أكتبه كاملاً لكن الأدب شيء آخر، الأدب ليس رأياً، بل حالة، الأدب يختمر في قلبك وروحك ونفسك على نحو أعقد من الرأي، وإلا كان مجرد رأي يموت. بهذا المعنى اللحظة الأدبية هي حالة تتضمن عناصر معقدة ومتناقضة لا يمكن تلخيصها بموقف في خدمة شيء ما، الأدب لا يخدم شيئاً، الأدب يخدم نفسه، يخدم المعرفة الإنسانية بشكل عام ". ( الطريق، ص 149 ).
هكذا الأدب في رأيه،وهو لا يرى عملاً أدبياً بلا هاجس شكلي بنائي. وروايته " الجبل الصغير " كان فيها هم شكلي، وهي، كما يقول إدوارد سـعيد، أول نص " ما بعد حداثي " عربي. ( الطريق، 150/148 ).
ترى هل أخطأ محمود درويش حين قال مرة عن علاقته بالياس خوري إنه توأم روحه. إن ما يقوله الياس خوري عن الأدب يذكرنا بآراء درويش في الثمانينات وفي التسعينات، في الشعر. كلاهما يركز على أدبية الأدب، وإنْ كان يرى أن الأدب الذي لا يحمل بعداً معرفياً وقضية يتكئ عليها ليس أدباً، ولكن أهم ما في الأدب أنه بناء. عبر الأول في شعره عن قضية فلسطين فرفعها، وعبر الثاني عن لبنان في السبعينيات من القرن العشرين وما بعدها ليكتب أدباً عن مكان لم يخبر أحد قصصه بعد، " ذلك أن الأدب الكلاسيكي [ اللبناني ] يعني توفيق يوسف عواد ومارون عبود ويوسف حبشي الأشقر لاحقاً (قبل ان يكتب روايته التي هي تحفة أدبية)كان أدبا أميل الى الشعر و الافكار السياسية المسبقة" (الطريق ، ص 147). و لم يكن الياس يشعر ان هذا الادب يخبر قصته، لم يكن احد يخبر قصص زاروب بيته، يخبر عن الناس العاديين الذين نشأ بينهم. و هذا ما فعله هو نفسه، و كتب أدبا يحتمل التأويل، لا أدبا لا يحتمل التأويل، و الاخير هو الادب الملتزم أو الايديولوجي، و لهذا اهتم ببناء الرواية، و أخذ يلعب في الكتابة، وواصل اللعب، و كانت "يالو" استمرار لمشروعه الروائي.
(2) الياس خوري في الكذب الروائي
يُصدّر ممدوح عدوان الكاتب السوري الراحل (1941ـ 2005) روايته "أعدائي" )2000( بالفقرة التالية لـ (آلان سيليتو):
"إنني مستغرق في بناء رواياتي حتى أستطيع أن أكون قارئاً لها.. طوال أربعين عاماً أنت تكذب على الناس في كتابتك وتجهد نفسك لإقناعهم بأن هذه هي الحقيقة".
ويقص ممدوح عدوان عن أربع سنوات لم يكن شاهداً عليها، هي السنوات ما بين 1914 ـ 8191، ويعترف في مقابلات أجريت معه بأنه أسقط بعض تجاربه على بعض شخوصه. فما حدث مع بعض شخصيات روايته حدث معه شخصياً.
وحين يقرأ المرء التصدير، ويقرأ ما قاله الكاتب، فإنه يتساءل: أين حدود الكذب وأين حدود الصدق في رواية عدوان؟ الرواية الجميلة الممتعة! وربما تذكر المرء مقولة العرب القديمة الشائعة: أجمل الشعر أكذبه. وربما تذكر تأويلات بعض الشعراء لهذه العبارة، ومنهم محمود درويش في أواسط الثمانينيات، في المقابلة المطولة التي أجريت معه ونشرت في حينه في مجلة الوطن العربي. وكانت رفيف فتوح هي التي أجرت اللقاء، وربما تذكر المرء ما حدث مع الروائي اللبناني الياس خوري، هذا الذي صدّر روايته الجديدة "كأنها نائمة" بالتالي:
"الأحداث والشخصيات والأماكن والأسماء في هذه الرواية، من خلق الخيال. وإذا وجد أي شبه بين أشخاصها وأسمائها وبين أشخاص وأناس حقيقيين، أو بين أماكنها وأحداثها، وأماكن وأحداث حقيقية، فلن يكون ذلك إلا محض صدفة، ومن غرائب الخيال، وخالياً من أي قصد".
كان الياس خوري في باريس، وقد ناقش روايته "باب الشمس"، وأعجبت احدى الحاضرات بشخصية نهيل، وأرادت أن تعرف ما آلت إليه، وانتظرت حتى انفض اللقاء، وذهبت إلى الياس دهشت وسألته: ما الذي ألم بنهيل؟ ماذا كان مصيرها؟ ولما قال لها إنه لا يعرف، وإنها شخصية روائية من خلقه هو، ومشت المرأة وخاطبته قائلة: أنت إذاً تكذب. وسيقول إلياس، في المقابلة التي أجراها معه سامي كليب في برنامج "زيارة خاصة" الذي بثته الجزيرة هذا العام، سيقول إن كلامها ـ أي المرأة ـ لم يزعجه، وأنه أفضل كلام سمعه من القراء حول روايته. هل كان الياس خوري، وهو يصغي إلى المرأة، وهو يُسأل أيضاً، هل كان يستحضر مقولة العرب: أجمل الشعر أكذبه؟.
أنا شخصياً أرى أن ما قاله الياس في تصديره "كأنها نائمة" ليس إلا دفعاً لأذى قد يلحق به لو عرف احد شخوص الرواية أنها تتمحور حوله، وأن ما ورد في الرواية لا يروق له. إن الياس الذي ينفي أي شبه بين الواقع وأحداث الرواية، بين الأماكن والأسماء في الرواية والواقع، إنما يؤكد، من حيث يريد أو لا يريد، أن أحداث الرواية أحداث واقعية، وكذلك شخوصها. وربما تذكر المرء ما حدث مع نجيب محفوظ حين نشر روايته "السراب" التي استوحى شخصيتها من شخص كان يعرفه أيام المدرسة. ولما قرأ أصحاب نجيب الرواية عرفوا الشخص المقصود، ولما أراد هؤلاء أن يعبثوا، فقد ذهبوا إلى ذلك الشخص وأخبروه أن (نجيب) كتب عنه رواية، فما كان منه إلا أن ذهب إلى نجيب وأراد قتله. ولقد أتى (نجيب) على هذه القصة في كتاب جمال الغيطاني: "نجيب محفوظ.. يتذكر".
أنا شخصياً وقعت في ورطات عديدة، إذ كنت أكتب عن شخوص أعرفهم أو أروي روايات رواها لي الآخرون، ممن حدثت معهم. وكاد هذا يسبب لي ولهم إشكالات، وكنت أخرج منها ببعض كذب. لم أكن أكذب حين كتبت، ولكني كذبت حين وقعت في إشكالات، وتعلمت، منذ بداية حياتي الكتابية، ألا أكتب اسماً واحداً من لفظين، حتى لا يتطابق الاسم القصصي والروائي مع الاسم الواقعي. وحين صدرت روايتي "الوطن عندما يخون" صدرتها بعكس ما اقتبسه ممدوح عدوان، وما صدر به الياس خوري روايته، وأصررت على أن الرواية واقعية، وليست من نسج الخيال، وهي كذلك.
نحن، حين نقص، لا نكذب، حتى لو لم يتطابق ما في القصة أو الرواية مع أشخاص حقيقيين. وكم من رواية قرأها المرء فينا، دون أن يعرف كاتبها، وشعر أنه يقص عنه، عن تجربته، على الرغم من البون الشاسع بين الطرفين، مكاناً وربما زماناً، وربما لغةً.
في جداريته يكتب درويش، الخيالي هو الواقعي الأكيد. وهذا صحيح، فالخيال هو نتاج الواقع. وكم عكس كتابنا، في فلسطين، هذا في قصصهم. لجأوا الى الخيال، لأنهم كانوا يرون الواقع الذي قد يغدو خيالاً أو الخيال الذي قد يغدو واقعاً. وقد توقفت غير مرة أمام قصص أكرم هنية ومنها: "عندما أضيء ليل القدس" و"بعد الحصار.. قبل الشمس بقليل". ها هو الأقصى يتعرض للخطر، وها هي القدس تضيع. وقد كتبت القصتان في نهاية السبعينيات وأواسط الثمانينيات.
هل سنصحو، بعد أيام، ونرى القدس وقد تحررت؟ هل سنعود إلى يافا وحيفا واللد والرملة؟ بدأت رواية (ثيودور هرتسل): "أرض قديمة جديدة" بكذبة، وقد تحققت لهم الدولة. هل كان (هرتسل) نفسه يصدق؟.
(3) كأنها نائمة
"كأنها نائمة" هي آخر روايات الكاتب اللبناني الياس خوري، وقد صدرت في بداية هذا العام (2007). وتتكون من 390 صفحة من القطع المتوسط، وقد صدرت عن دار الآداب في بيروت، وعن دار شروق في عمان ورام الله. الأولى لتوزع في العالم العربي، والثانية لتوزع في الضفة والقطاع ومناطق الاحتلال الأول.
وقد عرفنا، نحن أهل فلسطين، الياس خوري روائياً من خلال كتاب في جريدة، حيث قرأنا له "مملكة الغرباء"، ومن خلال اعادة طباعة "باب الشمس" التي منح عليها جائزة فلسطين للرواية، ومن خلال اعادة طباعة "يالو"، وقد حظي العملان باهتمام النقاد والدارسين، فأنجز عنهما دراسات ومقالات ورسائل علمية. كما أن "باب الشمس" التي نقلت مؤخراً الى الانجليزية حظيت بأكثر من هذا، فقد مسرحت وأنتجت فيلما سينمائياً شاهده كثيرون. وربما ذهب بعض الدارسين الى ان "باب الشمس" هي رواية القضية الفلسطينية. حقاً ان كاتبها لبناني الاصل، وهو متعاطف مع الثورة منذ العام 1968، الا ان موضوعها هو الموضوع الفلسطيني بامتياز.
في "كأنها نائمة" التي تجري أحداثها قبل العام 1948، وإن كان هناك استباق زمني ايضاً لهذا العام، واسترجاع زمني لأحداث عاشتها المنطقة في نهاية القرن التاسع عشر، تحضر فلسطين ولبنان معاً. ثمة زواج فلسطيني - لبناني. زواج فلسطيني مسيحي من يافا، هو منصور، من لبنانية هي ميليا، يلتقيان في الناصرة ويقيمان فيها، بعد ان سحرت المرأة الرجل في احدى رحلاته الى لبنان. وستحضر تجارب المسيح ويوسف النجار ومريم وغيرهم من الانبياء. وكما رأى سيدنا يوسف احد عشر كوكباً وفسر المنامات، الاحلام، الرؤى، فإن ميليا مسكونة بمناماتها واحلامها ورؤاها، حتى لتسيرها هذه، وحتى لتصدقها، واذا كانت الاحلام والرؤى والمنامات برزت في روايات عربية كثيرة، فإن هذه الرواية، كما ارى، هي الرواية العربية الأبرز في هذا الجانب، ولعلني لم أقرأ، من قبل، رواية عربية كان للرؤى، والاحلام، والمنامات، حضور فيها، كما هو في هذه الرواية.
ولئن كان منصور الفلسطيني مسكوناً بهاجس الشعر، وهذا ما نجده في الرواية العربية منذ بداياتها، وهذا ما نجده في روايات انجزت في نهاية القرن العشرين، مثل رواية "ارض السواد" لعبد الرحمن منيف، ورواية "الزوبعة" لزياد قاسم، فإن هذا الهاجس لا يقاس بهاجس ميليا في اعتقادها برؤاها ومناماتها، كم مرة تكررت مفردة المنام في الرواية. لعله امر يصعب تعداده، إلا إذا استخدم المرء جهاز الحاسوب.
"ما تصدقي مناماتك" قال لها.
"إذا ما صدقتهم مين بصدق"؟
"صدقيني أنا"
"إنت اكيد، بس المنامات بتخبرني شو عم بيصير".
"المنامات أوهام" قال لها
"والشعر يلي بتضلك ترندحلي ياه مش اوهام؟
"الشعر حقيقة، موسيقى الكلام والمعاني. هو يلي بيعطي معنى للأشيا؟"
وأظن أن هذه الرواية التي تجري احداثها في لبنان والناصرة ويافا، تشكل خطوة متقدمة على صعيد الشكل في روايات الياس خوري. وإذا كانت الف ليلة وليلة تتكون من الف ليلة وليلة، فإن "كأنها نائمة" تتكون من ثلاث ليال فقط. تختلف في عدد الليالي، ولكنها كأنها، من حيث اسلوب القص، خارجة منها، من الحكاية تخرج الحكاية، وللخيال فيها نصيب كبير.
وربما تعد، هذه الرواية، من حيث الأسلوب، من اكثر روايات الياس تعقيداً. وأظن ان قارئيها سيجدون صعوبة في فهمها، او انهم سيضطرون الى قراءتها غير مرة. هل سيخسر الياس خوري الذي ربح فنياً قراءه؟ ربما. وربما تذكر المرء غسان كنفاني وروايته "ما تبقى لكم" التي تأثر فيها بالصخب والعنف لـ (وليم فوكنر) سحر كنفاني بالاسلوب، فاستعاره، وأنجز رواية غدت متميزة في الرواية العربية، ولكن القراء كانوا قليلين. وسيكتشف غسان انه لم يكن مصيباً. لماذا؟ لأنه ربح النقاد والجائزة، وخسر القراء، وهكذا سيقول: هل اكتب انا من اجل قلة من النقاد؟ وهل لا بد من التعقيد ليكون العمل عميقاً؟ يمكن قول الاشياء العميقة بأسلوب بسيط. وسيعود ليكتب "أم سعد" و "عائد الى حيفا" بأسلوب سهل. هل سيمر الياس خوري بالتجربة نفسها؟ لا ادري.
سيكون الياس حاضراً في روايته، لا من حيث هو شخصية روائية، فليس ثمة شخصية يتشابه معها، إلا شخصية الصحافي اسكندر ، وهي شخصية ثانوية في الرواية، وإنما سيكون حاضراً من حيث اسلوبه، فمن قرأ "باب الشمس" و "يالو" وبعض رواياته السابقة سيكتشف تشابها بين الساردين، حتى لكأن اسلوب السارد في هذه الروايات يكاد يكون متقارباً. فكأن الياس يدخل لغة سارديه في مياه نهره هو، ولكأنه هو نهر (ليثي) الذي كتب عنه (ميخائيل باختين) وهو يكتب عن لغة الشعر الغنائي، حيث يصهر الشاعر لغته في مياه النهر، لتغدو واحدة، خلافاً للروائي الذي يحفل نصه بأساليب متعددة. اسلوب السارد في روايات الياس يكاد يقترب من بعضه. حتماً ان المستوى اللغوي في الرواية متعدد، فثمة لهجة لبنانية هي لغة الشخوص، ولكن ثمة لغة سرد مختلفة هي العربية الفصيحة، وهذه اي لغة السرد هي لغة الياس خوري كاتباً، لا متحدثاً، فهو حين يتكلم، وهذا ما نعرفه من خلال الحوارات التي تجري معه من على شاشة الفضائيات، يتكلم بالعامية اللبنانية.
وحين يقرأ المرء الاسطر التالية من لغة سارد الياس في "كأنها نائمة":
"هل اخبرت ميليا الحكاية مثلما حصلت؟ بالطبع لا، اذ لا يستطيع احد ان يخبر حكاية بوقائعها وتسلسلها، وإلا سوف يقضي الانسان عمره كله في اخبار حكاية واحدة" (ص 176).
وحين يقرأ ايضاً
"قالت لموسى انه لا يعرفها، لا، لم تقل" (ص 247) و "ميليا تذكر الكأس، اعطاها كأساً مليئة بالنبيذ الابيض المائل الى الاصفرار، لا لم يعطها الكأس". (ص247)
حين يقرأ المرء الاسطر هذه، الا يتذكر اسلوب ساردي روايات الياس السابقة؟
في "كأنها نائمة" سيتداخل الواقع بالحلم بالاسطورة بالخيال، بطريقة عجيبة، قلما قرأ المرء مثلها في الرواية العربية المعاصرة، وربما لهذا سيجد نفسه تائهاً، وبحاجة الى قراءة الرواية ثانية وثالثة، بل وبحاجة الى قراءة فرويد وعلم النفس وتفسير الاحلام.
(4) سينالكول: الكاتب والسارد وبطله
كم رواية يكتب الكاتب؟ كم رواية يقرأ له القارئ؟:
من الصديق أكرم هنية عرفت أن هناك رواية جديدة صدرت هذا العام للروائي اللبناني إلياس خوري، وفي عمّان، وأنا في مكتبة دار الشروق، عرض عليّ أبو أحمد الرواية. قال لي: خذها وادفع فقط تكلفتها: ستة دنانير. قلت له: قرأت لإلياس عدداً لا بأس به من الروايات وهذا يكفي. لا بد من أن أقرأ لغيره من الكتاب، عدا أنني أشرفت على رسالة ماجستير عن التناص في روايته "باب الشمس".
لم ألح على الصديق حين قال: إنه سيرسل لي النسخة التي لديه حال الانتهاء من قراءتها، ولم أشتر الرواية من عمان. هل أخذت بمقولة ناقد روائي، مقولة نصها: يكتب الكاتب في حياته رواية ناجحة واحدة هي سيرته؟ وهل تغدو أعمال الكاتب بعدها تنويعاً عليها؟ حقاً كم رواية يكتب الكاتب في حياته، وكم رواية يجب على القارئ، في زمن فيض التأليف، أن يقرأ له؟ قلت: قرأت لإلياس "باب الشمس" و"مملكة الغرباء" و"كأنها نائمة" و"يالو"، وأتيت على هذه الروايات في بعض دراساتي أو مقالاتي، ولا بد من أن أقرأ لكتاب آخرين، ثم إن حجم "سينالكول" خمسمائة صفحة وأربع صفحات.
"الكرمل الجديد" و"سينالكول":
سأقرأ المقطع الذي نشر من الرواية في مجلة "الكرمل الجديد"، وسيروق لي. الرواية تغرف من الواقع اللبناني، ولا تعتمد على كتب لتؤلف رواية، كما هو حال رواية ربيع جابر "دروز بلغراد" وإبراهيم نصر الله "قناديل ملك الجليل" المنشورة في العدد نفسه من "الكرمل الجديد"، المنشورة بعض أجزائها طبعاً. هل شعرت بندم لأنني لم أشتر "سينالكول" من عمّان؟ وأنا أتجول في مكتبات نابلس سأرى نسخاً عديدةً من الرواية، جهة ما أعادت نشرها تصويراً. سأشتري نسخة منها، وسأباشر قراءاتها، وسأفرغ منها في أيام. هل ستفوز الرواية العام القادم في المرتبة الأولى لجائزة "بوكر"؟ من المؤكد أنها ستحظى بشرف القائمة القصيرة، هذا إذا لم تتصدر الروايات كلها.
"سينالكول" "سينالكول" "سينالكول":
ما هذا العنوان الذي اختاره إلياس خوري لروايته؟ هل هذا عنوان روائي؟ أين هو الشاعر في إلياس؟ حقاً إنه لم يكتب الشعر، ولكنه يحفظه ويترندح به - والتعبير له - ولم تخل منه رواية "كأنها نائمة"، بل ولم تخل منه هذه الرواية أيضاً، العنوان غير لافت وغير جذاب أيضاً، عنوان غريب ليس سهلاً حفظه، ولعل ما يعوّض سلطة إغواء العنوان هو قدرة إلياس على القص "قدرة كبيرة: تدفع المرء إلى مواصلة قراءة الرواية، على الرغم من تشظي الزمن وتفتته، ومن حركة السرد الصاعدة والهابطة صعوداً وهبوطاً أشك في أن ناقداً. مغرماً بتتبع حركة الزمن، تقديماً وتأخيراً واستباقاً، قادر على رسم خطاطة لهذا. هل تأثر إلياس خوري بالرواية العالمية أم بألف ليلة وليلة أم برواية عبد الرحمن منيف "شرق المتوسط" أم برواية الطاهر وطار "الزلزال"؟ سيأتي إلياس في روايته، من خلال سارده أو بطله: كريم، على "شرق المتوسط" وعلى الساحرة "شهرزاد" ملكة القص، وسيكون السارد أيضاً موهوباً في السرد / القص.
حقاً من هو سينالكول؟ الاسم الذي يبدو غير جذاب فينفر القارئ الذي سرعان ما ينسى الاسم المنفر، لأن السرد يعيد الجاذبية للقارئ!؟ سيرد الحديث عن سينالكول في صفحات عديدة من الرواية " 57 و58 و94 و105 و119 و121 و190 وما بعدها و209 و210 و218 و223 و224 و251 و256 و388 و456 و460 و462 و464 و491، وقد تكون هناك صفحات أخرى فاتتني كتابتها.
وهو في باريس - أعني بطل الرواية كريم - مع برناديت الفرنسية التي ستغدو زوجته وأم ابنتيه يذكر كريم الاسم، فتخبره برناديت أن الكلمة إسبانية تعني "بلا كحول". وفي ص 94 نعرف أنه اسم أطلقه شباب التنظيم في طرابلس على كريم، لأن كريم رأى في شخصية ذلك الرجل الغامض الذي لم يلتق به مرة واحدة في حياته، رأى فيه قرينه ومرآته. وسيغدو كريم (ص119) سينالكول الوهمي. مجرد شبح لا وجود له ولا أثر لقدمه على الأرض، ثمة سينالكول وهمي وآخر حقيقي. وسنعرف أن سينالكول (ص209) كان مشروباً غازياً في مدينة طرابلس. إنه تقليد وطني للكوكاكولا، تقليد أنتجته شركة أفلست. وحين يلتقي كريم ببرناديت يغدو الاسم محفزاً للرغبة الجنسية.
سينالكول الحقيقي هو شخص حقيقي عرفته مدينة طرابلس، حيث غدا فيها، في بدايات الحرب الأهلية في لبنان، حديث المدينة، إنه شبيح يمارس النهب والابتزاز والقتل على الهوية (ص210)، وأراد خالد النابلسي، وهو رمز ثوري، قتله والتخلص منه.
هل أعجب كريم بالاسم، كان رفاقه يسخرون منه، حين كانوا ينادونه بهذا الاسم (ص 218)، ولكن كريم، وهو في فرنسا، حين كان يشرب النبيذ الفرنسي ويسكر، فيتذكر الماضي، لم يكن يروي إلا عن سينالكول (ص251)، مع أنه، كما ذكرت، لم يلتق به ولا يعرف اسمه الحقيقي، ومع ذلك كان سينالكول الحكاية التي اختبأ كريم وراءها".
"لأنه توأمي الروحي، ومرآتي اللبنانية، قال "سينالكول هو الحكاية الوحيدة التي بقيت معي من هناك، ربما لأنه ليس حكاية كالحكايات، في العادة نروي حكايات نعرفها، أما معه، فأنا لا أعرف شيئاً، ما أعرفه لا يتعدى بضع شائعات لا يستطيع أحد تأكيدها، ومع ذلك فأنا أشعر به هنا، أمام كأس النبيذ، وأمام عينيك الزرقاوين".
وسيقيم كريم في فرنسا عشر سنوات، وحين يعود إلى بيروت في العام 1990 لا يذكر سينالكول، سينالكول الذي - كما ذكرت - كان خالد النابلسي يريد قتله وتنفيذ حكم الإعدام به، في العام 1976، لأنه لص يسيء إلى سمعة الثورة في المدينة، ولم ينجح خالد في قتله، لأن سينالكول وجد طريقة للتواري" (ص388). كان في بدايات الحرب الأهلية يظهر دون أن يراه أحد، فهو أعلن عن نفسه شبحاً في المدينة وصار حكاية لفن جديد من اللصوصية "قائم على الاختفاء وعدم الظهور، كان رجلاً لا مرئياً.
وحين يحاول أحد معارف كريم ابتزازه، في العام 1990، أحد معارفه ممن تحول إلى التيار الإسلامي، وهو الشيخ رضوان، يذكر كريم باسمه السري "سينالكول"، ويقول له: إن زمن الثقافة السينالكولية انتهى. (ص456).
هل من شبه بين كريم وسينالكول؟
طبعاً لا شبه إطلاقاً بينهما، فشتان بين مثقف انتمى إلى حركة فتح وتيارها اليساري ودرس في الجامعة الأميركية الطب، ثم غادر إلى فرنسا هرباً من جحيم الحرب، وبين لص شبيح. كان الاسم الحركي لكريم هو سالم، ولكن رفاقه تندروا عليه وأسموه على اسم الشبيح، وهكذا لصق الاسم به.
رواية الحرب:
كم من رواية كتب إلياس خوري عن الحرب الأهلية في لبنان؟ وكم من رواية كتب الروائيون اللبنانيون عنها؟
كثيرة هي روايات الحرب في لبنان، وقد دفعت كثرتها دارساً أدبياً إلى إنجاز كتاب عنها. وقارئو الروايات اللبنانية يتذكرون "يالو" لإلياس خوري، و"يا سلام" لنجوى بركات، و"مريم الحكايا" لعلوية صبح، و"الاعترافات" لربيع جابر، و... و... و...، وهذه رواية ذكريات الحرب التي لما ينته محورها. كم من مرة يتذكر المرء، وهو يقرأ هذه الرواية رواية علوية صبح "مريم الحكايا" والتحولات التي ألمت بالمجتمع اللبناني: شتات الأسرة وتمزقها وتحولات اليسار ومآله ومآل أبطاله، وصعود المد الديني و... و... و... .
الزمن الكتابي والزمن الروائي وزمن السرد:
يورد إلياس خوري في نهاية روايته أنه أنجزها في الأعوام 2008-2010، و2011، ولكن زمن الرواية الروائي يعود إلى عشرين عاماً خلت، والرواية التي بطلها الأخوان كريم ونسيم ووالدهما نصري شماس وشخوص آخرون لهؤلاء صلة بهم تطنب في الكتابة عن الأخوين منذ ولادتهما 4/1/1950 و22/12/1950، كأنهما توأم، حتى العام 1990، حيث كريم في طريقه إلى مطار بيروت عائداً إلى فرنسا، بعد أن أقام في بيروت ستة أشهر على أمل أن يبني أخوه نسيم مشفى يديره ويشرف عليه أخوه الطبيب، ولكن المشروع لا يكتمل، لأن نسيم يفقد، في الحرب، ثروته كلها، فقد احترقت الباخرة التي وضع رأس ماله كله فيها. ويبدو القبض على زمن السرد وتحديده بحاجة إلى تركيز أكثر، إن كان الأمر مهماً. ما بين ولادة الأخوين والعام 1990 أربعون عاماً، حيث يبلغان هذا العمر الذي يعني لكريم بدايات خطيرة. ونعرف عن لبنان في هذه السنوات الأربعين أشياء كثيرة، أكثرها عن الحرب والطعام والشوارع والمدن وتشتت العائلة. أخوان ينتمي أحدهما، وهو نسيم، إلى الكتائب، فيما يلتحق كريم، كما ذكرت، بحركة فتح.
الروائي وسارده وبطله:
هل يختلف الروائي عن سارده عن بطله؟ هل هم أشخاص ثلاثة مختلفون؟ هل ثمة تواز بينهم أم أن ثمة تقاطعات كثيرة تجمع بين الثلاثة؟
لم ألتق بإلياس خوري شخصياً، ولكني قرأت عن حياته في مواقع مختلفة، وأستطيع بناء على ما قرأت أن أقول إن في كريم من إلياس أشياء كثيرة: الدراسة في الجامعة والانتماء لحركة فتح واليسار فيها، وعلاقته بأبي جهاد، وميوله الكتابية، وقراءته الروايات، وشغفه بالحكاية وروايتها و... و... و...
هل سارد الرواية شخص آخر غير إلياس:
ما قلته عن إلياس وكريم أكرره وأنا أطابق بين إلياس وسارده، السارد غير محايد، يحاكم الأشياء ويعلن مواقف منها، وثمة صفحات كثيرة في الرواية يجد القارئ نفسه وهو يقرأها يكتب أمامها: كريم / إلياس، والسارد / إلياس، هل أوردها؟ ص115 و116 و128 و133 و186 و199 و244 و... و... بل إن بعض كلام نصري هو كلام إلياس. ويبقى هذا مجرد اجتهاد. رواية (سينالكول) جديرة بالقراءة.



تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى