صلاح الدين ابوبكر عثمان - الفانوس ومالآت المستقبل.. قصة قصيرة

(في ليلة خريفية رأى في منامه حلما مفزعا فأسر به لاحد النقاة التقاة فبشره........)

في ليلة خريفية الايقاع باردة الانسام ، وقبة السماء ملبدة بالغيوم الداكنة كأنها أنثى حبلى بمولد في شهرها التاسع، والتماعات البرق ترسم توقيعها الاخاذ في شجن على حافة الأفق ، ورائحة البن تضوع عبقا يغمر المكان و زخات المطر استأنفت هطولها في انتظام ولكن هذه المرة ازدادت وتيرة السقوط فسالت قطرات الماء مكونة لوحة سريالية على خدود الارض دمعا غاليا وتجهزت للاغتسال من ارجاس الماضي .. ها هي الارض تهتز وتربو وتفك غلالتها لتنتشي وتبلغ ذروة المتعة واللذة وهي تفتح ذارعيها للمطر مضاجعة ماء السماء فينزل هنيئا في رحمها ليولد قمحا وسلاما ومستقبلا يعي معني العطاء ، نعم أيتها الأرض كم أحبك!! فمن جوفك المعطاء خرجنا وإليك الاياب التراب يحن الى بعضه ،لعلها اقصوصة الحياة بأفراحها واحزانها ما بين المبتدأ والمنتهى ،من صرخة الميلاد الى الممات ،فما حقيقة العلاقة الجدلية بين الموت والحياة ، وهنا يدرك محدودية عقله في ادراك كنه الموت وحقيقته لكنه بصعوبة يقنع نفسه بانه قد فهم الحياة بتناقضاتها ، حسنا لكن الموت ما زال لغزا محيرا يكتنفه الغموض وهو تجربة جديرة بالتأمل والاستقراء واستفراغ الجهد في فك طلاسمها ،ولما كان يتعذر علينا في الراهن استنطاق الموتى لنبلوا اخبارهم أو ليحدثونا عن تجاربهم كيف يكون الموت ؟كيف تخرج الروح ؟ كيف يختزل ذلك الحراك والفعل والحيوية في شبر من الارض.

وبينما تتداعى الصور الذهنية والخواطر في ذاكرة صاحبنا فجاءة يعمد الى حقيبته المصنوعة من بقايا الصفيح وينبش فيها فيخرج صورة مصفرة من الاطراف بسبب التخزين السيئ فاذا هي لصبية تفيض براءة أنها بنت عمها التي احبها حد الجنون ، واخذ يتمعن في تفاصيل وجهها وشعرها الليلي المنسكب والمنسدل على ظهرها كمهرة جموح وعيناها النجلاوتين فيسافر في رحلة الهيام والصبابة والدهشة يلفة الشوق والتوق لتلك المرابع ،يضم الصورة الى صدره في هدوء ثم يعيدها الى مكانها في الحقيبة ،ثم يلتفت الى الفانوس في وسط الكوخ المتأكل المشيد من قش النال والبوص ، الكوخ المتكئ على أعواد قديمة ككركي أعرج لكنه رغم ذلك يحمل معنى الدفء والحميمية ...ومن جهة يخرج الضوء من الفانوس في عنت ورهق بين دخان كثيف مضمخ برائحة الجاز والزيت الذي كلف والده جهدا ووقتا للحصول عليه فقد احتكرته القطط السمان لتبعيه بأثمان باهظة وكان والده محظوظا ان تعطف عليه جارهم الاقصى صاحب الدكان الكبير الذي جاء الى القرية فجاءة لا أحد يعرف ظروف وجوده كل ما يعلم عنه أصبح تاجرا يتعامل في كل السلع السكر الحليب الفحم .... مما جعل حسناوات القرية يقصدونه لقضاء بعض الحوائج حتى لو كان الثمن احتمال غزله الفاحش واحيانا بيع اللذة الحرام ...ولذل كان صاحبنا يتميز غيظا ويغلي حقدا وكرها ومقتا لذلك الرجل الإباحي عديم الخلق هو الوحيد الذي يفهم حقيقته حتى كبار القرية يمدحونه ويجلونه ويعتبرونه هدية السماء ،وهكذا المال عند البخيل والسيف بحوزة الجبان ، وتلك الصورة المقلوبة فبدلا من ان يشنق وسط القرية ويعلق في شجرة اللالوب الضخمة في السوق للأسف جاء من المركز أمر ترقيته وتعيينه عضوا في مجلس القرية ..وأصبح التافه النكرة رمزا ووجها معروفا في القرية والمركز يا لها من معادلة ينفطر لها الفؤاد ،وكان صاحبنا يتسأل في حزن ،إلى متى ستظل الصورة مقلوبة ؟ ....فرك عينية في حرقة وامسك حقيبته المصنوعة من قماش الدمورية البالية ـ وأخذ يتأمل دفاتره المتسخة وخطوطه الباهتة تتراقص في عينيه يحاول عبثا توسيع حدقته لتتضح الرؤية ولكن بلا جدوى فالفانوس يتلاشى نوره ويخفت تدريجيا .. أخذ صاحبنا نفسا طويلا متأملا حاله اظفاره الطويلة وقدمه المتشققة من اثر الرمضاء ... فقال في حسرة :يبدو أن المذاكرة متعذرة هذا المساء وكل الظروف لا تشجع على ذلك وهمس لذاته ماذا فعل من سبقوني في تحصيل العلم ؟ هل سعدوا أم شقوا ؟لست ادري ولكنها الحياة وفجاءة قفز ببصره الحاد يطل من نافذة كوخه فهاله واذهله منظر السيول الجارفة وهي تهدر وتحدث دويا شجيا كأنه مناجاة وبوح من نوع خاص واستثنائي مع الكائنات المفعمة بهواجس واحلام ورؤى متابينة ومتنوعة .. تقهقهر الى الوراء وتحسس طريقه الى عنقريبه الخشبي العتيق المنسوج من سعف الجراح كأنه لوحة سريالية تنتظمها فوضى الالوان بلاستك سعف حبال الدوم الاغبر .. وبالطبع لا توجد مطارف ولا وسائد ولا نمارق ولا زرابي ولا الوان ولا اقداح هي نفس الملامح ونفس الصورة النمطية لواقع يتجاسر ويعاند التغيير وهي نفس الاشياء الدجاج اللاهث وراء الحب.... التقاطا والتزاما بزغب في انتظار الطعام... ومجموعة من الفئران المذعورة وكلاب تعوي وتنبح في زيف واسى .. والقطط السمان تتثاءب في كسل وخمول تتمطى في بلاهة كما يفعل جوقة النخبة الانتهازية التي تزيف الحقائق .. وهناك على صحن الدار يسمع خطوات والدته التي هداها صاج العواسة .. والده الذي انهكه الضرب في الارض ابتغاء الرزق والقوت الحلال وتوفيرحلة الملاح .. مشاهد استعرضها في سرعة كشريط رقمي خلاب وهو غارق في دهاليز تلك الصور ... تغشته سنة من نعاس فاخلد في سبات عميق ، بعد ان حصن نفسه بالأوراد والتعاويذ التي اوصاها بها جده الصوفي الصافي ...وككل البشر بدأ عقله الباطني يضج بالأحلام فراى منظرا عجبا لم يخطر بباله من قبل .. فتاة في ربيع العمر تتدفق انوثة وعذوبة في قمة الاناقة والجمال تتثنى كغصن لدن في دلال ساحر ، تفوح من اردانها روائح وعطور مثيرة . تتمايل في خطوات مموسقة نضح بالأنوثة والدلال وبين كتفيها تتدلى خصل فاتنة سوداء اللون ، ويغطي جسدها البض فستان من الحرير الزاهي الشفاف يزيد من وتيرة الاغراء وهو يقود خطواته نحوها يسكره ويسحره جمالها الخرافي الآخاذ، ووجها القمري المضيء ...وبلغة يشوبها الاغراء تناديه وتقترب منه تسبقها ايماءات جنسية لا تقاوم ... تزداد ضربات قلبه والعرق موارا ينهمر من جبينه والرعشة تطوق كيانه ... فيدخل في صراع وحوار ذاتي عنيف بين قطبي الخيارات المختلفة .. فيصرخ في هلع ، من أنت؟ وماذا تريدين ؟ تأتيه الاجابة فورا ، وفي ثقة متناهية أنا .. أنا كما رأيت وتراني حسناء مفعمة بالأنوثة الظامئة والجمال الساحر ، أبحث عن انيس اقاسمه الليل ، ونديم أبادله الاقداح .. وفحلا موفور الرجولة أشبعه ويشبعني .. هلا فهمت وبلغتك الرسالة!! بهذه الصفاقة والوضوح القمته اجابات اودعته غياهب الصمت المحير، ورجع لصدى الصوت الخارج من داخله: لا .. لا دونك عني ،فما زالت اثار الوضوء في يدي و نقوش الرحمة تخضب كياني ، وقيم العفاف والطهر لم يجف وهجها فكيف ابيع ديني بدنياي ؟وأنا سليل الاطهار الكرام الفقراء الذين يترفعون عن الرذائل .. وهنا تطلق الحسناء ضحكة فاتنة وتقول في سخرية : ماذا ؟ من قال أنها رزيلة ؟ الرذيلة يا عزيزي ان تضيع الفرصة ..زهيا تقدم أنا لك .. جسدي وشدوي وخمري وكلي لك .. هيت لك .. تقدم وإلا ستلعق بنان الندم .. ولات حين مندم ... أطرق صاحبنا هنيهة في وجوم ..وصمت مليا يتأمل في سيناريوهات الموقف ... لم يسعفه رصيده المدخر من الحكمة ووزن الامور فاذا به ينهار امام النفس اللوامة فتطفو على خشبة المشهد . وتعزز نقاط الضعف البشري فيه ... رحم الله جدك الصوفي الراقي يوم ان قال " زوجوا الحمامة قبل م اتحصل الملامة" عبارة خالدة توزن بالذهب. نعم ولكن أولئك رجال كمل نضجت فيهم قيم الطهر والنقاء وذكت نفوسهم فقويت عزائمهم فكانوا في سمو مطلق يستوي عندهم التبر والتراب .. أما أنت ...يلتفت الى الحسناء ويقول لها تقدمي ... فتنطلق صيحة مجلجلة وضحكة بلهاء خاوية كضحكات المومسات في مواخير البغاء عندما يهدأ الليل ويسكر السمار .وتقول له في شبغ .. لا نحن لسنا صيدا سهلا نسلم اجسادنا هكذا دون شروط ولكي تحظى بالمراد عليك باستيفاء شروطي .. قالتها وقد تيقنت أن صاحبنا قد سقط في فخ الضعف البشري .. وقال صاحبنا في ذل واستكانة و لهفة واستسلام : إذن لن نختلف هاتي شروطك ، أنا طوع بنانك ‘فقالت بنبرة ملؤها الانتصار ونشوة الظفر .. شرطي أن تطفئ نور الفانوس وبعدها تنال كل جسدي بكل جغرافيته ..تفعل ما تشاء ،فقام صاحبنا يهرول ..وهو في هذيان الفانوس ... سأطفئه حالا .. ولكن هيهات حاول مرة ومرات وهو ينفخ في لسان اللهب اللامع الممتد من خيط الفانوس .. وظل يحاول... .. وهي كقطة ملساء ترمقه بنظرات خبيثة ... وعندما باءت محاولاته بالفشل عمد الى حيلة أخيرة حيث اخذ الفانوس من مقبضه ورفعه الى اعلى وهوى به على الارض بقوة ولكن عجبي !! تهشمت زجاجة الفانوس تناثرت في أرجاء المكان وتدفق الزيت .. وظلت شعلة الفانوس متقدة محدثة صوتا كزئير الاسد .. وهنا انتبه صاحبنا .. واستيقظ من نومه .. تلمس ركوته الطينية وسجادته البالية واستغرق في نوبة من الاستغفار والاستعادة والحوقلة وبكى بكاء مرا وحارقا.... ثم أناب .. ثم نظر حوله فلم يجد الحسناء ... سحب خطواته نحو المسجد ليدرك الفجر وتستحم مطالعه بندى نسمات الفجر ... وعند باب المسجد وهو يضع حذاءه البالي فإذا بالدرويش جده وما أن تلاقت أعينهما دونما موعد حتى بادره بالتأويل والتفسير والتعبير قائلا : أيها المبروك .. حماك الله..... لقد اجتزت المحنة وها قد جاءتك المنحة الحسناء التي رايتها هي الدنيا والفانوس الذي قاوم الظلام هو ..... أربكته المفاجأة ثم انصرف في دهشة عاقدا العزم على تجديد النية وإصلاح الدواخل .. رغم تحفظه على المباشرة والتقريرية التي واجهه بها جده .. فكانت نقطة تحول في حياته حددت مساراته في استيعاب الماضي وهضم الحاضر والنظر للمستقبل بعيون ملؤها الأمل والتوقعات .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى