عبد الرحيم التدلاوي - قراءة في مجموعة " أجراس السنديان" لسناء سقي

أول ما لفت انتباهي وأنا أتوصل بهذا العمل الإبداعي المزدوج صباح البارحة 03/07/2019، حضور الثنائيات، لا كضديات، بل ثنائيات متضامنة، انطلاقا من العنوان المكون من اسمين هما أجراس جمعا، والسنديان مفردا، مرورا بالإهداء الذي كتب بخطين، خط مبدع رجل، هو سي عز الدين، وخط مبدعة امرأة، وهي سناء صاحبة العمل، وبلوغا المتن الذي كان برأسين إبداعيين، هما الشعر بالحرف، والشعر بالريشة. كل إبداع هو بمثابة امتداد للآخر؛ والراجح، بالنسبة لي أن اللوحات التشكيلية كانت امتدادا للنصوص؛ ودليلي في ذلك أن بعض القصائد لم تعزز بأي لوحة فنية.
ثم إن هذه اللوحات منها ما جاء بالألوان، ومنها ما جاء بالأبيض والأسود فقط.

الديوان تجربة رامت الجمع بين لغتي الشعر والفن التشكيلي، حاملة رسالة إبداعية عنونتها سناء سقي ب”أجراس السنديان"، مبينة أن الرسالة واحدة وإن تعددت الأساليب التعبيرية والصور الفنية.

هذا الديوان يعد أول تجربة في الكتابة لسناء سقي، دفعها الواقع اليومي المعاش إلى ركوب مغامرة التأليف، واختيار لغة الشعر تارة، ولغة التشكيل تارة أخرى، ساعية إلى تفريغ ما يخالجها من أفكار وتقاسمها مع القارئ.
الأكيد أن الإبداع ليس ترفا، ولا تحليقا مجانيا في الفضاء منبت الصلة بالواقع، بل هو كتابة عن الذات والعالم، كتابة عن الذات في هذا العالم، وكتابة أثر هذا العالم في الذات.
والذات في العمل قلقة قلقا وجوديا تشعر بالتمزق والتشظي، تسعى إلى طرح سؤال حارق في زمن الغموض والإبهام: سألوني من أنا؟! ص65.
الذات تحمل شروخا وتصدعات حضارة بها تحيا وبها تعلن شكل حضورها في الوجود.
إن معرفة الذات هو طريق معرفة الآخر، معرفة الخارج، إذ لا يمكن معرفة ما يحيط بنا إلا عبر المرور من معرفة الذات؛ ومعرفة الذات الخطوة الأهم للمصالحة معها ومع ما يحيط بها.
تتمدد الأنا في القصيدة حاملة تمردها وغضبها حين يتم اختوالها في الجسد البضاعة، هذا التشييء ترفضه الأنا، وتتمرد عليه لكونه حصارا يخنق الذات، ويقيد حضورها باختزالها في جعلها أداة
متعة، مغيبا بعدها الإنساني، في عالم يتسم بالاستهلاك، استهلاك حتى الإنسان، جاعلا منه بضاعة تباع وتشترى:
انا لست جسر عبور
ولا جسدا للحبور...
انا لست عنوان قصور
........ انا
ريش الطيور
وقبر النشور
إن الذات المتكلمة تشير إلى ما ترفضه، لأنه لا يشكل هويتها، وتقدم لنا، بإيجاز بعض رموز حضورها، الدال على العلو والانخفاض، علو الهمة وسمو الروح، وامتلاكها القدرة على وأد كل تصور خارج بعد الإنسانية.
ويمكن القول ببعض الشطط أن عبارة "قبر النشور" هو البعث لإعادة تشكيل الذات من جديد وفق إيقاع الحياة المكونة من الرجل والمرأة وفق قاعدة المساواة التي لا تهدر كرامة أحد؛ هذا الانبعاث الجديد هو خلق يغاير اللحظة الراهنة ويرسم معالم المستقبل المنشود، ومن هنا، حضور الرمز الأسطوري "الفينيق" الوارد في قصيدة "ظل عنقاء" ص45. حيث يحضر معجم النار والتراب والماء والهواء، المكونات الأربع للحياة، وحيث الإشارة إلى ما يوحي بالولادة:
لا... لا ترحلي
اعتصريني مدادا
دونيني قصيدة عمياء
عانقت نوارس موكادور
وسردت
حكاية بالحمراء
لا ترحلي
وارسميني ظل عنقاء.
وإذا كانت معظم نصوص العمل تحفل بالألوان؛ فإن الألوان الساخنة والمعبرة عن الحركية والحيوية والحياة كانت لها اليد الطولى وحتى في اللوحات الفنية.
وأسمح لنفسي بعرض هذه الفقرة القرائية على طولها للناقد محمد لبيب المنشورة بالاتحاد الاشتراكي لديل على تعالق اللون بالشعر:
"ولأن اللون هو من أهم مفاتيح قراءة كل لوحة تشكيلية، فإن لوحة « العين» تتشكل من أربعة ألوان هي : الأبيض، الأسود، الرمادي والبرتقالي. يحيل لون السواد في رموش العين المكتحلة إلى الصبا… وحيوية الشخص في صباه و طفولته… وما تتضمنه من جمال وحيوية وإقبال على الحياة… في حين يحيل لون البياض على المشيب الذي يمثل أفق كل حياة لكل شخص… وبياض الشيب يرمز أيضا إلى النور الذي يشير إلى حصافة الرأي التي يصل إليها الإنسان في مرحلة المشيب، بينما يمثل اللون الرمادي السياق الزمني والنفسي لتجربة التحول من السواد إلى البياض… من سواد الصبا، إلى بياض المشيب لأن الرمادي ينتج عن مزج اللونين الأبيض و الأسود في الوقت الذي يدل فيه اللون البرتقالي المشوب بصفرة، على الاحتراق والتوهج. و هذا ينسجم مع دلالة الرماد الناتج عن اشتعال الشيب في الرأس… ويذكرنا هذا بالآية القرآنية الكريمة « و اشتعل الرأس شيبا.. «
إن لوحة العين باعتبارها تشكيلا فنيا، جاءت تعضد الدلالات النفسية والعاطفية والفكرية التي شحنت بها الشاعرة نصها الشعري..
إن رمزية الألوان في اللوحة دعامة فنية لرمزية الحروف والكلمات في النص، وهذا تصديق لرأي الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو الذي كان يؤكد أن العلاقة بين اللغة و الرسم، علاقة لامتناهية…
وبعودتنا إلى القصيدة « ثغر صباي» نجدها تبتدئ بإشارة لونية قوية، تضمنتها العبارة الشعرية « يكتحل مغزلي» . ففضلا عن وظيفة الانزياح الدلالي التي أدتها العبارة بإسناد الاكتحال إلى المغزل الذي يرتبط عادة بغزل البياض… فضلا عن ذلك سترسم هذه الإشارة اللونية السوداء شبكة سيميائية من المداليل التي ستوجه القصيدة نحو أفق سوداوي. اتضح بعض هذا في قول الشاعرة « بخيوط سود»… وسيظل طيف السواد حائما فوق النص في غير ما مناسبة. فللرماد نسب معين إلى السواد في عبارة « يعشق رمادي» . وتشير كلمة « الجون» في عبارة « جون الخلود» إلى لون السواد، لأنها من المشترك اللفظي الذي يدل على المعنى ونقيضه مثل لفظ « الجلل» الذي يدل على الأمر الخطير، وعلى الامر الحقير في ذات الوقت… ويجد لون السواد صداه في خاتمة القصيدة في قول الشاعرة « يا صباي الشبيه بمقلتيك»…فعادة ترتبط المقلتان بسواد العين. ومن جهة أخرى، يلاحظ القارئ النبيه بقليل من الحصافة، أن لون السواد ينشر ظلاله في النص عبر حضور معان شعرية تنسجم معه وتعضدهمثل معاني الرماد، السراب، الألم، الجنون و الوداع… وهي كلها مفردات معنوية شكلت النسيج الدلالي للنص الشعري."
والذات المتمردة على سياقاتها النابذة، تنفتح على القضايا الإنسانية، وبخاصة الحق الفلسطيني في قصيدتها "سماء فلسطين" ص36.
إن الذات ليست منغلقة على نفسها بل منفتحة على قضايا الوطن الصغير والكبير كما على القضايا الإنسانية حيث نشدان قيم العدل والحرية والمساواة. إنها تؤسس لغة ولونا الحياة، وتنشد مباهجها.
سماء فلسطين
ملطخة بدماء الناسكين
زرقاء الاغصان...
مخضرة الشرايين...
اكتست حلل الياسمين
وانبتت زيتونة...
مزهرة البساتين...
عانقت صغيرها...
على مهد الرياحين...
وتجهمت...
فامطرت...
مرجا اخضر
العناوين.
وقد تسولت في كثير من نصوصها بإياقع التكرار والتوازي والتجانسات الصوتية واعتماد الروي لمنحها لذة صوتية تناغم الدلالة وتقويها.
يشار إلى أن الشاعرة عصامية.

وتقول سناء سقي الشاعرة والفنانة التشكيلية العصامية في حديثها لجريدة جديد24 الإلكترونية إنه فضلا عن دوافع ذاتية لاختيارها تأليف هذا الديوان الشعري التشكيلي، كانت هناك دوافع سوسيو ثقافية، موظفة أسلوبين تعبيرين يحتاجهما الإنسان في العصر الحالي، وهو عصر الأدب السائل…. لتلاقح الاجناس الادبية، وتكثيف الفلسفة الجمالية لتحقيق التواصل المنشود في زمن اللاتواصل الروحي والوجداني خاصة….

وتضيف سناء سقي أن ديوان “أجراس السنديان” الذي قدم له الدكتور وأستاذ المناهج والسيميائيات، الشرقي نصراوي، يعتبر فرصة لفتح باب التعايش بين جميع الابداعات، وتتغيى بناء صرح ثقافي وفني يمتح من الجمال اللغوي واللا لغوي لينعكس على ما هو اجتماعي انساني يتجاوز كل الحدود والمسافات….
فمرحبا بهطول الشاعرة، ومسيرة إبداعية موفقة بحول الله.

هذا النص

ملف
عبدالرحيم التدلاوي
المشاهدات
43
آخر تحديث

نصوص في : نقد أدبي

أعلى